المكتوبات العربية
— 397 —

المبحث الثاني

كُتب هذا المبحث بناء على الحيرة الناشئة لدى الذين يخدمونني دائمًا مما يرونه من اختلاف عجيب في أخلاقي. وكُتب أيضًا لتعديل ما لا استحقه من حسن ظن مفرط يحمله إثنان من تلاميذي). أرى أنَّ قسمًا من الفضائل التي تعود إلى حقائق القرآن تُمنَح للوسائل التي تقوم بدور الدعاة والدالّين على تلك الحقائق.
والحال أن هذا خطأ، لأن قداسة المصدر وسموَّه هو الذي يولد تأثيرًا يفوق تأثير براهين كثيرة. وعوام الناس إنما ينقادون للأحكام بهذه القدسية.
ومتى ما أبدى الدلّال والداعي وجودًا لنفسه، أي متى ما توجَّهَت الأنظار إليه -دون الحقائق- يتلاشى تأثيرُ قدسية المصدر.
ولأجل هذا السر أبيّن الحقيقة الآتية لإخواني الذين يتوجهون إليّ توجهًا يفوق حدّي بكثير. فأقول:
إنَّ الإنسان قد يحمل شخصيات عدة، وتلك الشخصيات ذات أخلاق متمايزة متباينة، فمثلًا:
إنَّ الموظف الكبير له شخصيةٌ خاصة به أثناء إشغاله مهمته من موقعه الرفيع ومقام وظيفته. هذا المقام يتطلب وقارًا وأطوارًا ليصون كرامةَ موقعه وعزة مقام المسؤولية. فإظهارُ التواضع لكل زائر، فيه تذلل وتهوين من شأن المقام. ولكن هذا الشخص نفسَه يملك شخصية أخرى خاصة به في بيته وبين أهله، وذلك يتطلب منه أخلاقًا مباينةً لما في الوظيفة، بحيث كلما تواضع أكثر كان أفضل وأجمل، في الوقت الذي إذا أبدى شيئًا من الوقار يعدّ ذلك تكبّرًا منه.
— 398 —
أي أنَّ هناك شخصية خاصة بالإنسان باعتبار وظيفته، هذه الشخصية تخالف شخصيته الحقيقية في نقاط كثيرة. فإن كان ذلك الموظف أهلًا لوظيفته وكفوًا لها ويملك استعدادًا كاملًا لإدارة عمله، فإن كلتا الشخصيتين تتقاربان بعضهما من بعض بينما لو لم يكن أهلًا لوظيفته وفقيرًا في قابلياته، كأن يكون جنديًا نُصب في مقام مشير، فالشخصيتان تتباعدان بعضهما عن بعض. إذ صفاتُ الجندي الاعتيادية وأحاسيسُه البسيطة لا تنسجم مع ما يقتضيه مقام المشير من أخلاق رفيعة.
وهكذا فإن في أخيكم هذا الفقير ثلاثَ شخصياتٍ كُلّ منها بعيدة عن الأخرى كل البعد، بل بُعدًا شاسعًا جدًّا.
أولاها: شخصية مؤقتة خاصة خالصة لخدمة القرآن وحده، بكوني دلّالًا لخزينة القرآن الحكيم السامية. فما تقتضيه وظيفة الدعوة إلى القرآن والدلالة عليه من أخلاق رفيعة سامية ليست لي، ولا أنا أملكها. وإنما هي سجايا رفيعة يقتضيها ذلك المقام الرفيع وتلك الوظيفة الجليلة. فكل ما ترونَه من أخلاق وفضائل من هذا النوع فهي ليست لي، وإنما هي خاصةٌ بذلك المقام، فلا تنظروا إليّ من خلالها.
الشخصية الثانية: حينما أتوجّه إلى بابه تعالى وأتضرع إليه، يُنعم علي سبحانه بشخصية خاصة في أوقات العبادة بحيث إن تلك الشخصية تولد آثارًا ناشئة من أساس معنى العبودية، وذلك الأساس هو معرفة الإنسان تقصيرَه أمام اللّٰه وإدراك فقرِه نحوه وعجزِه أمامه والالتجاء إليه بذلّ وخشوع، فأرى نفسي بتلك الشخصية أشقى وأعجز وأفقر وأكثر تقصيرًا أمام اللّٰه من أي أحد كان من الناس، فلو اجتمعت الدنيا في مدحي والثناء عليّ لا تستطيع أن تقنعني بأنني صالح وفاضل.
ثالثتها: هي شخصيتي الحقيقية، أي شخصيتي الممسوخة من "سعيد القديم" وهي عروق ظلت في ميراث "سعيد القديم". فتبدي أحيانًا رغبةً في الرياء وحبّ الجاه وتبدي فيّ أخلاقًا وضيعة مع خسة في الاقتصاد حيث إنني لست سليل عائلة ذات جاه وحسب.
فيا أيها الإخوة!
لن أبوح بكثير من مساوئ هذه الشخصية ومن أحوالها السيئة، لئلا أنفّركم عني كليًا.
— 399 —
فيا أخوتي! لست أهلًا لمقام رفيع ولا أملك استعدادًا له، فشخصيتي هذه بعيدةٌ كل البعد عن أخلاق وظائف الدعوة وآثار مهمة العبودية.
وقد أظهر سبحانه وتعالى قدرتَه الرحيمة فيّ حسب قاعدة:
"دَادِ حَقْ رَا قَابِلِيَّتْ شَرْطْ نِيسْتْ"
أي أنَّ الفضل الإلهي لا يشترط القابلية في ذات الشخص. فهو الذي يسخر شخصيتي التي هي كأدنى جندي، في خدمة أسرار القرآن التي هي بحكم أعلى منصب للمشيرية وأرفعها.
فالنفس أدنى من الكل، والوظيفة أسمى من الكل.
فألف شكر وشكر للّٰه سبحانه.
الحمد للّٰه هذا من فضل ربي