— 386 —
المبحث الأول
بِاِسْمِهِ سُبحَانَهُ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ وإما يَنْزَغنّك من الشيطانِ نَزغٌ فاستَعِذ باللّٰه إنه هو السميعُ العليمُ ﴾
(فصلت: ٣٦)
حجة القرآن على الشيطان وحِزبه
إنَّ هذا المبحث الأول الذي يُلزم إبليسَ ويُفحم الشيطانَ ويُسكت أهلَ الطغيان، نتيجة حادثة وقعت فعلًا، ردًّا على دسيسة شيطانية رهيبة، ساقها ضمن محاكمة عقلية حيادية. وقد كتبتُ تلك الحادثة قبل عشر سنوات كتابة مُجملة في كتاب "اللوامع" وأذكرها الآن:
قبل تأليف هذه الرسالة بإحدى عشرة سنة كنتُ أنصت يومًا إلى القرآن الكريم من حفّاظ كرام في جامع بايزيد بإسطنبول، وذلك في أيام شهر رمضان المبارك، وإذا بي أسمع
— 387 —
كأن صوتًا معنويًّا، صرفَ ذهني إليه، دون أن أرى شخصَه بالذات، فأعرتُ له السمع خيالًا، ووجدتُه يقول:
- إنك ترى القرآن ساميًا جدًّا ولامعًا جدًّا، فهلّا نظرتَ إليه نظرة حيادية، ووازنتَه بميزان محاكمة عقلية حيادية. أعنى: افرض القرآنَ قول بشر، ثم انظر إليه بعد هذا الفرض هل تجد فيه تلك المزايا والمحاسن؟!
اغتررت به -في الحقيقة- فافترضت القرآن قولَ بشر، ونظرت إليه من تلك الزاوية، وإذا بي أرى نفسي في ظلام دامس. فقد انطفأت أضواءُ القرآن الساطعة، وعمّ الظلام الأرجاءَ كما يعم الجامع كلَّه إذا مس أحدُهم مفتاح الكهرباء.
فعلمت عندها أنَّ المتكلم معي هو شيطانٌ يريد أن يوقعني في هاوية. فاستعصمتُ بالقرآن الكريم نفسه، وإذا بنور يقذفه اللّٰه سبحانه في قلبي، أجد نفسي به، قويًا قادرًا على الدفاع. وحينها بدأت المناظرةُ مع الشيطان على النحو الآتي:
قلت: أيها الشيطان! إن المحاكمة الحيادية، دون انحياز إلى أحد الطرفين، هي التزام موضعٍ وسط بينهما، بيد أن المحاكمة الحيادية التي تدعو إليها -أنت وتلاميذك من الإنس- إنما هي التزامُ الطرف المخالف. فهي ليست حيادية، بل خروجٌ عن الدين مؤقتًا، ذلك لأن النظر إلى القرآن أنه كلامُ بشر وإجراء محاكمة عقلية في ضوء هذا الفرض ما هو إلّا اتخاذ الطرف المخالف أساسًا، والتزامٌ للباطل أصلًا. وليس أمرًا حياديًا، بل هو انحياز للباطل وموالاة له.
فقال الشيطان: إذن افرضه كلامًا وسطًا، لا تقل أنه كلام اللّٰه، ولا كلام بشر.
قلت: وهذا أيضًا لا يمكن أن يكون قطعًا. لأنه إذا وُجِد مالٌ منازَع فيه، وكان المدّعيان متقاربَين أي قريبين بعضهما من بعض مكانًا، حينئذٍ يوضعُ ذلك المال لدى شخص غيرِهما. أو في مكان تناله أيديهُما. فأيّما الطرفَين أقام الحجةَ على الآخر، وأثبتَ دعواه، أخذ المالَ. ولكن لو كان المدّعيان متباعدَين، أحدهما عن الآخر غايةَ البعد، كأن يكون أحدُهما في المشرق والآخر في المغرب، عندئذٍ يُترك المالُ لدى "ذي اليد" [٭]: ذو اليد: هو الذي وضع يده على عين بالفعل، أو الذي ثبت تصرفه تصرف المُلاك.(المجلة م ١٦٧٩). منهما، حسب القاعدة المعروفة. ذلك لأنه لا يمكن تركَ المال في موضعٍ وسط بينهما. [٭]: انظر: السرخسي، المبسوط ١١/٨؛ الكاساني، بدائع الصنائع ٦/٢٠٢؛ المرغاني، الهدايا ٢/١٧٧.
— 388 —
وهكذا فالقرآن الكريم، متاعٌ ثمين وبضاعةٌ سامية ومالٌ رفيع للّٰه والبُعد بين الطرفين، بعدٌ مطلق لا يحدّه حدّ، إذ هو البُعد ما بين كلام رب العالمين وكلام بشر. ولهذا لا يمكن وضعُ المال وسط الطرفين، إذ لا وسطَ بينهما إطلاقًا. لأنهما كالوجود والعدم، فلا وسط بينهما. لذا فإن صاحب اليد للقرآن هو الطرف الإلهي. ولهذا ينبغي أن يقبل الأمر هكذا وسَوق الأدلة في ضوئها أي أنه بيده سبحانه. إلّا إذا استطاع الطرفُ الآخر دحضَ جميع البراهين المشيرة إلى أنه كلام اللّٰه، وتفنيدها الواحد تلو الآخر، عندئذٍ يمكنه أن يمدّ يدَه إليه، وإلّا فلا.
هيهات! من ذا يستطيع أن يزحزح تلك الدرّة الغالية المثبتة بالعرش الأعظم بآلاف من مثبتات البراهين الدامغة، وأنّى لأحدٍ الجرأة على هدم دلائل الأعمدة القائمة، ليسقط تلك الدرّة النفيسة من العرش السامي.
فيا أيها الشيطان! إن أهل الحق والإنصاف يحاكمون الأمور محاكمة عقلية سليمة على هذه الصورة رغم أنفك. بل يزدادون إيمانًا بالقرآن بأصغر دليل.
أما الطريق الذي تدل عليه أنت وتلاميذك، أي لو افترض القرآن كلام بشر، ولو لمرة واحدة، أي لو أسقطت تلك الدرة العظيمة الثابتة بالعرش، إلى الأرض، فيلزم وجود برهان قوي وعظيم بقوة جميع البراهين ويتسع لجميع الدلائل، كي يقوى على الارتفاع بها من الأرض ويثبتها في العرش المعنوي، وبذلك وحده ينجو من ظلمات الكفر وأوهامه ويبلغ نور الإيمان ويدركه، وهذا أمر عسير قلّما يوفق المرءُ إليه في هذا الزمان، ومن هنا يفقد الكثيرون في هذا الزمان إيمانَهم بدسيستك الملفعة باسم المحاكمة العقلية الحيادية.
انبرى الشيطان قائلًا: إنَّ سياق الكلام في القرآن شبيهٌ بكلام البشر، فهو يجري محاوراته في أسلوب محاورة البشر، فإذن هو كلامُ بشر! إذ لو كان كلامُ اللّٰه، لكان خارقًا للعادة في كل جهاته، بما يليق باللّٰه، ولا يشبه كلامَ البشر، مثلما لا تشبه صنعةُ اللّٰه صنعةَ بشر!
فقلت جوابًا: إنَّ رسولنا الأعظم (ص) ظَلَّ في طور بشريته في أفعاله وأحواله وأطواره كلِّها -فيما سوى معجزاته وخصائصه- فانقادَ انقياد طاعةٍ لسنن اللّٰه وأوامِره التكوينية، كأي إنسان آخر. فكان يقاسي البردَ ويعاني الألم.. وهكذا لم يُوهب له خوارقُ غير عادية في أحواله وأطواره كلِّها، وذلك ليكون قدوةً للامة بأفعاله، ومرشدًا لهم بأطواره، وهاديًا للناس كافة
— 389 —
بحركاته وسكناته. إذ لو كان خارقًا للعادة في كل أطواره لَمَا تسنّى له أن يكون إمامًا للناس كافة، وقدوةً لهم في جميع شؤونه بالذات، ولَمَا كان مرشدًا للناس كافة، ولَمَا كان رحمةً للعالمين في جميع أحواله.
كذلك الأمر في القرآن الحكيم، إذ هو إمامُ أرباب الشعور ومرشدُ الجن والإنس وهادي الكاملين ومعلمُ أهل الحقيقة، [٭]: انظر: الدارمي، المقدمة ٥٧؛ البيهقي، شعب الإيمان ٢/٣٩٨. فالضرورة تقتضي أن يكون على نمط محاورة البشر وأسلوبه، لأن الإنس والجن يستلهمون مناجاتهم منه، ويتعلمون دعواتِهم منه، ويذكرون مسائلهم بلسانه، ويتعرّفون منه آداب معاشرتهم.. وهكذا يتخذه كل مؤمن به، إمامًا له ومرجعًا يرجع إليه.
فلو كان القرآنُ على نمط الكلام الإلهي الذي سمعه سيدُنا موسى عليه السلام في "جبل الطور" لما أطاق البشرُ سماعَه ولا قَدَر على الإنصات إليه، ولا استطاع أن يجعله مرجعًا لشؤونه كافة. فسيدُنا موسى عليه السلام، وهو من أولي العزم من الرسل، ما استطاع أن يتحمل إلّا سماع بعضٍ من كلامه سبحانه، حيث قال: أهكذا كلامك؟ قال اللّٰه: لي قوة جميع الألسنة. [٭]: أحمد بن حنبل، الردّ على الزنادقة والجهمية ٣٦؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٦/٢١٠؛ الطبري، جامع البيان ٦/٣٠.
ولكن الشيطان عاد قائلًا: كثير من الناس يذكرون مسائل دينية شبيهة بما في القرآن، ألا يمكن لبشر أن يأتي بشيء شبيه بالقرآن باسم الدين؟
فقلت مستلهمًا من فيض القرآن الكريم:
أولا: إن ذا الیدين يبيّن الحق ويقول: الحق كذا، الحقيقة هكذا، وأمرُ اللّٰه هذا.. يقوله بدافع حبِّه للدين، ولا يتكلم باسم اللّٰه حسب هواه، ولا يتجاوز طورَه بما لا حدّ له، بأن يدّعي أنه يتكلم باسم اللّٰه أو يتكلم عنه فيقلّده في كلامه سبحانه، بل ترتعد فرائصُه أمام الدستور الإلهي
﴿ فمن أظلمُ ممن كَذبَ على اللّٰه ﴾
(الزمر: ٣٢).
ثانيًا: إنَّه لا يمكن بحال من الأحوال أن يقوم بشرٌ بهذا العمل ثم يوفّق فيه، بل هذا محال في مائة محال. لأن أشخاصًا متقاربين يمكنهم أن يقلد أحدُهم الأخر. وربما يمكن لمن هم من جنس واحد أو صنف واحد أن يتقمّص أحدُهم شخصية الآخر، فيستغفلوا الناس مؤقتًا.
— 390 —
ولكن لا يمكن أن يستغفل أحدُهم الناس بصورة دائمة. إذ سيظهر لأهل العلم والمعرفة مدى التصنع والتكلف في أطواره وأفعاله لا محالة. ولابد أن ينكشف كذبُه يومًا، فلا تدوم حيلتُه قط. وإن كان الذي يريد التقليد بعيدًا غاية البعد، كأن يكون شخصًا اعتياديًا يريد أن يقلد ابن سينا في العلم، أو راعيًا يريد أن يظهر بمظهر السلطان في مُلكه، فلا يتمكن أن يخدع أحدًا من الناس، بل يكون موضع استهزاء وسخرية، إذ كل حال من أحواله ستصرخ: إن هذا خدّاع.
وكما أنه محال ظهور اليراعة (ذبابة الليل) لأهل الرصد والفلك بمظهر نجم حقيقي، طوال ألف سنة، دون تكلف! وكما أنه محال ظهور الذباب بمظهر الطاووس لذوي الأبصار، طوال ألف سنة دون تصنع! وكما أنه محال تقمص جندي اعتيادي طور مشير في الجيش واعتلاء مقامه، مدة مديدة، من دون أن يكشف أحدٌ خداعه. وكما أنه محال ظهور مفترٍ كاذب لا إيمان له في طور أصدق الناس وأكثرهم إيمانًا وأرسخهم عقيدة، طوال حياته، أمام أنظار المتفحصين المدققين، بلا تردد ولا اضطراب، ويخفي تصنعه عن أنظار الدهاة..
فكما أن هذه الأمثلة محالة في مائة محال، ولا يمكن أن يصدقها من يملك مسكة من عقل، بل لابد أن يحكم أنها هذيان وجنون.. كذلك افتراض القرآن كلام بشر -حاش للّٰه ألف ألف مرة حاش للّٰه- إذ يستلزم عدّ ماهية الكتاب المبين الذي هو نجم الحقيقة اللامع، بل شمسُ الكمالات الساطعة، تشع دومًا أنوارَ الحقائق في سماء عالم الإسلام، كما هو مشاهد.. يستلزم الفرض عدّ ذلك النور الساطع بصيصًا يحمله متصنع، يصوغه من عند نفسه بالخرافات (حاش للّٰه ألف ألف مرة) والأقربون منه والمدققون لأحواله لا يميزون ذلك، بل يرونه نجمًا عاليًا ومنبعًا ثرًا للحقائق! وما هذا إلّا محال في مائة محال. فضلًا عن ذلك فإنك أيها الشيطان، إن تماديت في خبثك ودسائسك أضعاف أضعاف ما أنت عليه الآن، فلن تستطيع أن تجعل هذا المحال ممكنًا، ولن تقنع به عقلًا سليمًا قط. ولكنك تغرر بالناس بإراءتهم الأمور من بعيد فتريهم النجم اللامع صغيرًا كاليراعة.
ثالثًا: إنَّ افتراض القرآن كلام بشر يستلزم أن تكون حقائق وأسرار الفرقان الحكيم ذي المزايا السامية والبيان المعجز، الجامع لكل رطب ويابس، الذي له آثار جليلة في عالم الإنسانية، وتجليات باهرة وتأثيرات طيبة مباركة ونتائج قيمة -كما هو مشاهد- إذ هو الذي
— 391 —
ينفث في البشرية الروح ويبعث فيها الحياة ويوصلها إلى السعادة الخالدة.. يستلزم الفرض أن يكون هذا الفرقان الحكيم وحقائقه الجليلة من اختلاق وافتراء إنسان لا علم له ولا معين، ويلزم ألّا يشاهِد عليه أولئك الدهاة الفطنون القريبون منه المتفحصون لأحواله، أية علامة من علائم الخداع والتمويه بل يرون دائمًا إخلاصه وثباته وجدّيته. وهذا محال في مائة محال فضلًا عن أن الذي أظهر في أحواله وأقواله وحركاته كلها طوال حياته الأمانة والإيمان والأمان والإخلاص والصدق والاستقامة، وأرشد إليها وربّى الصديقين على تلك الصفات السامية والخصال الرفيعة.. يلزم أن يكون -بذلك الافتراض- ممن لا يوثق به، ولا إخلاص له ولا يحمل عقيدة.. وما ذلك إلّا رؤية المحال في المحال المضاعف حقيقة واقعة! وما ذلك إلّا هذيان فكري يخجل منه حتى الشيطان نفسه.. ذلك لأن المسألة لا وسط لها. إذ لو لم يكن القرآن الكريم -بفرض محال- كلام اللّٰه، فإنه يهوى ساقطًا من العرش الأعظم إلى الأرض. ولا يبقى في الوسط، فيكون منبع الخرافات، وهو مجمع الحقائق المحضة، وكذا فإن الذي أظهر ذلك الأمر الرباني الخالد لو لم يكن رسولًا -حاشَ للّٰه ثم حاش للّٰه- يلزم بهذا الافتراض - أنْ يهوي من أعلى عليين إلى أسفل سافلين، ومن درجة منبع الكمالات والفضائل إلى معدن الدسائس، ولا يبقى في الوسط. ذلك لأنَّ الذي يفتري على اللّٰه ويكذب عليه يسقط إلى أدنى الدركات.
إنَّ رؤية الذباب طاووسًا رؤية دائمة، ومشاهدة أوصاف الطاووس الرفيعة في ذلك الذباب كم هي محال فهذه المسألة أيضًا محال مثله، ولا يمكن أن يعطيها احتمالًا قط إلّا من كان سكيرًا فاقد العقل.
رابعًا: إنَّ افتراض القرآن الكريم كلام بشر يلزم أنْ يكون القرآن الذي هو القائد المقدس والنور الهادي للامة المحمدية، الممثلة لأعظم جماعة وجيش في بنى آدم، والذي يستطيع بقوانينه الرصينة ودساتيره الراسخة وأوامره النافذة أن يغزو بذلك الجيش العظيم كلا العالَمين ويفتح الدنيا والآخرة، بما أعطاهم من نظام لتسيير أحوالهم وتنسيق شؤونهم، وبما جهّزهم بأعتدة معنوية ومادية، وعلّم عقولَ الأفراد -كل حسب درجته- وربّى قلوبَهم وسخّر أرواحهم وطهّر وجدانهم واستخدم جوارحهم -كما هو مشاهد- فيلزم بذلك الافتراض أن يكون كلامًا ملفقًا لا قوة له ولا أهمية ولا أصل -حاش للّٰه ثم حاش للّٰه- أي يلزم قبول مائة محال في محال. فضلًا عن أن يكون الذي أمضى حياتَه منقادًا لقوانين اللّٰه ومرشدًا
— 392 —
إليها، وعلّم البشرية دساتير الحقيقة، بأفعاله الخالصة وأظهر أصول الاستقامة وطريق السعادة بأقواله الطيبة المعقولة، وكان أخشى الناس للّٰه وأعرفهم به، وأكثر من عرّفهم به بشهادة سيرته العطرة حتى انضوى تحت لوائه خُمس البشرية ونصف الكرة الأرضية طوال ألف وثلائمائة وخمسين عامًا، فكان فيها قائدًا رائدًا للأمة، حتى إنه هزّ العالم أجمع وأصبح حقًا فخر البشرية، بل فخر العالمين.. فيلزم بهذا الافتراض أن يكون غير عارف باللّٰه ولا يخشى عذابه وفي مستوى إنسان عادي، أي يلزم ارتكاب محال في مائة محال. لأن المسألة لا وسط لها، إذ لو لم يكن القرآن الكريم كلام اللّٰه، وسقط من العرش الأعظم، لا يقدر أن يظل في الوسط بل يلزم أن يكون بضاعة أحد الكذابين في الأرض.
ومن هنا فيا أيها الشيطان لو تضاعفت دسائسك مائة ضعف لَمَا أقنعت بهذا الافتراض من يملك عقلًا لم يفسد وقلبًا لم يتفسخ.
انبرى الشيطان قائلًا: كيف لا أستطيع أن أغويهم؟ فلقد دفعتُ كثيرًا من الناس والعقلاء المشهورين منهم خاصة إلى إنكار القرآن وإنكار نبوة محمد!
الجواب:
أولًا: إذا نُظر إلى أكبر شيء من مسافة بعيدة، يظهر كأنه شيء صغير للغاية. حتى يمكن لمن ينظر إلى نجم أن يقول: إن ضوءه كالشمعة.
ثانيًا: إنَّ النظر التبعي أو السطحي يرى المحالَ كالممكن. يروى أنَّ شيخًا كبيرًا نظر إلى السماء لرؤية هلال رمضان، وقد نیزلت شعرةٌ بيضاء من حاجبه أمام عينه، فظنها الهلال، فقال: لقد شاهدتُ الهلال!!
وهكذا فمن المحال أنْ تكون تلك الشعرة هلالًا. ولكن لأنه قد قصد في رؤيته الهلال بالذات وتراءت تلك الشعرة أمامه فظهرت له ظهورًا تبعيًا -أي ثانويًا- لذا تلقّى ذلك المحال ممكنًا.
ثالثًا: إنَّ الإنكار شيء وعدمَ القبول أو الرفضَ شيء آخر. إذ إنَّ عدم القبول هو عدمُ مبالاة، فهو إغماض العين أمام الحقائق ونفيٌ بجهالة، وليس بحُكم. وبهذا يمكن أن يستتر كثيرٌ من المحالات تحت هذا الستار، إذ لا يُشغل عقلَه بتلك الأمور.
— 393 —
أما الإنكار فهو ليس بعدمِ قبول، بل هو قبولُ العدم، فهو حُكم، يضطر صاحبُه إلى إشغال عقله وإعمال فكره.
وعلى هذا يمكن لشيطان مثلك أن يسلب منه العقلَ، ثم يخدعه بالإنكار.
ثم إنك أيها الشيطان قد خدعت أولئك الشقاة من الأنعام الذين هم في صور الأناسي فمهّدت لهم الكفرَ والإنكار اللذين يولدان كثيرًا جدًّا من المحالات، بالغفلة والضلالة والسفسطة والعناد والمغالطة والمكابرة والإغفال والتقليد وأمثالها من الدسائس التي تُري الباطل حقًا والمحال ممكنًا.
رابعًا: إنَّ افتراض القرآن الكريم كلام بشر يستلزم أن يُتصور كتابًا يرشد -كما هو مشاهد- الأصفياء والصديقين والأقطاب الذين يتلألأون كالنجوم في سماء الإنسانية، ويعلّم بالبداهة الحق والعدل والصدق والاستقامة والأمن والأمان لجميع أهل الكمال، ويحقق سعادة الدارين بحقائق أركان الإيمان ودساتير أركان الإسلام، وهو الكتاب الحق المبين والحقيقة الزكية الطاهرة، وهو الصدق بعينه والقول الفصل الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. يستلزم أن يُتصور -بهذا الافتراض- خلاف أوصافه وتأثيراته وأنواره، أي يستلزم تصوُّره أنه افتراء من خدّاع.. وما هذا إلّا محال شنيع يخجل منه حتى السوفسطائيون والشياطين أنفسهم، إذ هو هذيان فكري ترتعد منه الفرائصُ. زد على ذلك يلزم بذلك الافتراض، أن يكون من هو أرسخ عقيدة وأمتن إيمانًا وأصدق كلامًا وآمن قلبًا، بشهادة الشريعة الغراء التي أتى بها وبدلالة ما أظهره -بالاتفاق- من التقوى الخارقة، والعبودية الخالصة، وبمقتضى أخلاقه الفاضلة المتفق عليها بين الأولياء والأعداء، وبتصديق من ربّاهم من أهل العلم والتحقيق وأهل الحقيقة وأرباب الكمال.. يلزم -بذلك الافتراض- أن يكون فاقدًا للعقيدة، لا يوثق به، ولا يخشى اللّٰه (حاش للّٰه ثم ألف ألف مرة حاش للّٰه) وما هذا إلّا ارتكاب لأقبحِ محال ممجوج وضلالة موغلة في الظلم والظلمات.
نحصل مما سبق: مثلما ذكر في "الإشارة الثامنة عشرة" من "المكتوب التاسع عشر"، أن الذي لا يملك إلّا قدرة الاستماع في فهم إعجاز القرآن قد قال: إذا قيس القرآنُ مع جميع ما سمعتُه من كتب، نراه لا يشبه أيًا منها، وليس في مستوى تلك الكتب. لذا فالقرآن: إما
— 394 —
أنه تحت الجميع، أو فوق الجميع. أما الشق الأول، فمع كونه محالًا لا يستطيع حتى الأعداء -بل حتى الشيطان نفسه أن يقوله- لذا فالقرآن أرفع وأسمى من جميع تلك الكتب. أي أنه معجزة.
وعلى غرار هذا نقول مستندين إلى حجة قاطعة وهي التي تسمى (بالسبر والتقسيم) [٭]: السَّبر والتقسيم: حصر الأوصاف التي يظن أنها علة الحكم، ثم إبطالها الواحد تلو الآخر إلّا واحدًا منها حيث يتعيّن كونه عِلة. حسب علم الأصول وعلم المنطق:
أيها الشيطان ويا تلاميذ الشيطان!
إنَّ القرآن الكريم إما أنه كلامُ اللّٰه آتٍ من العرش الأعظم، من الاسم الأعظم، أو أنه افتراءُ شخص لا يخشى اللّٰه ولا يتقيه ولا يعتقد به ولا يعرفه (حاش للّٰه ألف ألف مرة حاش للّٰه) وهذا الكلام لا تقدر أن تقوله ولن تقوله قطعًا حسب الحجج السابقة القاطعة. لذا وبالضرورة وبلا أدنى شبهة يكون القرآن الكريم كلام رب العالمين، ذلك لأنه ليس هناك وسطٌ في المسألة، إذ هو محال لا يمكن أن يحدث قط، كما أثبتناه إثباتًا قاطعًا، وقد شاهدتَه بنفسك واستمعت إليه.
وكذا فإن محمدًا (ص) إما أنه رسولُ اللّٰه وسيد المرسلين وأفضل الخلق أجمعين، أو يلزم افتراضه (حاش للّٰه ثم حاش للّٰه) بشرًا مفتريًا على اللّٰه لا يعرفه ولا يعتقد به ولا يؤمن بعذابه، فسقط إلى أسفل سافلين
(٭): اضطررت إلى استعمال هذه التعابير بفرض المحال وفرائصي ترتعد، وذلك إظهارًا لمحالية فكر أهل الضلال الكفري وبيان فساده بالمرة، استنادًا إلى ذكر القرآن الكريم لكفريات الكافرين، وتعابيرهم الغليظة الممجوجة، لأجل دحضها. (المؤلف).
وهذا ما لا تقدر على قوله يا إبليس، لا أنت ولا من تعتز بهم من فلاسفة أوروبا ومنافقي آسيا، لأنه ليس هناك أحد في العالم يسمع منك هذا الكلام ثم يصدّقه قط.
لأجل هذا فإن أشد الفلاسفة فسادًا وأفسد أولئك المنافقين وجدانًا يعترفون بأنَّ محمدًا (ص) كان فذًا في العقل وآية في الأخلاق.
فما دامت المسألة منحصرة في شقين فقط، وأنَّ الشق الثاني محال قطعًا، لا يدّعيه أحد، وأنَّ المسألة لا وسط فيها -كما أثبتنا ذلك بحجج قاطعة- فلابد وبالضرورة ورغم أنفك ورغم
— 395 —
أنف حزبك أيها الشيطان، وبالبداهة وبحق اليقين فإنَّ محمدًا (ص) رسولُ اللّٰه وسيد المرسلين وفخر العالمين وأفضل الخلق أجمعين عليه الصلاة والسلام بعدد الملك والإنس والجان.
اعتراضٌ ثانٍ تافهٌ للشيطان
﴿ ما يَلفظُ من قولٍ الّا لَديه رقيبٌ عتيدٌ٭ وجاءتْ سكرةُ الموتِ بالحق ذلك ما كنتَ منه تحيد٭ ونُفخَ في الصور ذلك يومُ الوعيد٭ وجاءت كلُّ نفسٍ معها سائقٌ وشَهيد٭ لقد كنتَ في غفلةٍ من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرُك اليومَ حديد٭ وقال قرينُه هذا ما لديّ عتيدٌ٭ ألقيا في جهنمَ كلَّ كفّارٍ عنيد ﴾
(ق: ١٨-٢٤)
عندما كنت أتلو هذه الآيات الكريمة من سورة (ق) قال الشيطان:
- إنكم ترون سلاسة القرآن ووضوحَه أهم ركن في فصاحته، بينما النقلات بعيدة والطفرات هائلة في هذه الآيات. فترى الآية تعبُر من سكرات الموت إلى القيامة، وتنتقل من نفخ الصُور إلى ختام المحاسبة، ومن هناك تذكر الإلقاء في جهنم.. أيبقى للسلاسة موضع ضمن هذه النقلات العجيبة؟ وفي القرآن في أغلب مواضعه نرى مجموعة من هذه المسائل البعيدة الواحدة عن الأخرى، فأين موقع السلاسة والفصاحة من هذا؟.
الجواب: إنَّ أهم أساس في إعجاز القرآن المبين هو الإيجاز بعد بلاغته الفائقة، فالإيجاز أهم أساس لإعجاز القرآن وأقواه، فهذا الإيجاز المعجز في القرآن الكريم كثير ولطيف جدًّا في الوقت نفسه، بحيث ينبهر أمامَه أهلُ العلم والتدقيق.
فمثلًا قوله تعالى:
﴿ وقيلَ يا ارضُ ابلعي ماءك ويا سماءُ أقلعي وغيضَ الماءُ وقیُیضي الأمر واستوتْ على الجودي وقيل بُعدًا للقوم الظالمين ﴾
(هود: ٤٤)
فهذه الآية الكريمة تبيّن في بضع جمل قصيرة حادثة الطوفان العظيمة ونتائجها، وتوضحها بإيجاز معجز في الوقت نفسه، حتى ساقت الكثيرين من أهل البلاغة إلى السجود لروعة بلاغتها.
وكذا قوله تعالى:
﴿ كذّبتْ ثمود بطغواها٭ اذ انبعثَ اشقاها٭ فقال لهم رسولُ اللّٰه ناقةَ اللّٰه وسقياها٭ فكذّبوه فَعَقَروها فدمْدَم عليهم ربُّهم بذَنْبهم فسوّاها٭ ولا يخافُ عُقباها ﴾
(الشمس: ١١-١٥)
— 396 —
تبين هذه الآيات بيانًا معجزًا، في إيجاز بليغ، في بضع جمل قصيرة، الحوادثَ العجيبة التي حدثت لقوم ثمود وعاقبة أمرهم، تبيّنها بإيجاز من دون إخلال بالفهم وفي سلاسة ووضوح.
ومثلًا قوله تعالى:
﴿ وذا النونِ اذ ذهبَ مُغاضبًا فظنَّ أنْ لن نقدِر عليه فنادى في الظُلماتِ ان لا اله الّا انت سُبحانك إني كنتُ من الظالمين ﴾
(الأنبياء: ٨٧)
إن ما بين قوله تعالى: أنْ لن نقدِر عليه إلى جملة: فنادى في الظُلماتِ هناك كثير من الجمل المطوية. فتلك الجمل غير المذكورة لا تخل بالفهم ولا تسيء إلى سلاسة الآية، إذ تذكر الآية الكريمة الحوادث المهمة في قصة سيدنا يونس عليه السلام وتحيل البقية إلى العقل.
وكذلك في سورة يوسف، فإن ما بين كلمة فارسلون إلى يوسف ايها الصديق هناك ما يقرب من ثماني جمل قد انطوت، ولكن دون إخلال بالمعنى ولا إفساد لسلاسة الآية.
وأمثال هذه الأنماط من الإيجاز المعجز كثيرة جدًّا في القرآن الكريم، وهي لطيفة جدًّا في الوقت نفسه.
أما الآيات المتصدرة، التي هي في سورة (ق) فإن إيجازها عجيب ومعجِز، إذ تشير إلى مستقبل الكفار الرهيب جدًّا والمديد جدًّا، حتى إن يومًا منه خمسون ألف سنة، فتذكر الآية ما تحدث فيه من انقلابات وتحولات وحوادث جليلة تصيب الكفار في مستقبلهم، حتى إنها تسيّر الفكر بسرعة مذهلة كالبرق فوق تلك الحوادث الرهيبة وتجعل ذلك الزمان الطويل جدًّا كأنه صحيفة حاضرة أمام الإنسان. وتحيل الحوادث غير المذكورة إلى الخيال، فتبيّنها بسلاسة فائقة.
﴿ واذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون ﴾
(الأعراف: ٢٠٤) فيا أيها الشيطان! قل ما بدا لك!
يقول الشيطان: إنني لا أستطيع أن أقاوم هذه الدلائل والبراهين ولا أتمكن من الدفاع تجاهها. ولكن هناك حمقى كثيرون ينصتون إليّ وكثيرون من شياطين الإنس يمدونني ويعاونونني ومعظم الفلاسفة المتفرعنين المغرورين يتلقّون مني الدروس التي تلاطف غرورهم وتنفخ فيه. فيحولون دون نشر مثل كلماتك هذه.
ولهذا لا استسلم، ولا أسلّم لك السلاح!
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾