المكتوبات العربية
— 336 —

المبحث الثاني

﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ اِنَّ اللّٰه هو الرَّزاقُ ذو القوةِ المتين ﴾
(الذاريات : ٥٨)
﴿ وكأيِّن من دآبةٍ لا تحملُ رزقها اللّٰه يرزقها واياكم وهو السميع العليم ﴾
(العنكبوت:٦٠)
أيها المؤمن: لقد أدركتَ مما سبق مدى ما تتركه العداوةُ والبغضاء من أضرار جسيمة، فاعلم أن الحرص أيضًا داءٌ كالعداء بل هو أضرُّ على الحياة الإسلامية وأدهى عليها. نعم، الحرصُ بذاته سببُ الخيبة والخذلان، وداءٌ وبيل ومهانةٌ وذلّة، وهو الذي يجلب الحرمان والدناءة.
إنَّ الشاهد القاطع على هذا الحُكم على الحرص، هو ما أصاب اليهود من الذلة والمسكنة والهوان والسفالة لشدة تهالكهم على حطام الدنيا أكثر من أية أمةٍ أخرى.
والحرص يُظهِر تأثيرَه السيئ بدءًا من أوسع دائرة في عالم الأحياء وانتهاء إلى أصغر فرد فيه، بينما السعي وراء الرزق المكلّل بالتوكل مدارُ الراحة والاطمئنان ويُبرز أثَره النافع في كل مكان.
مثال ذلك: أن النباتات والأشجار المُثمرة المفتقرة إلى الرزق -وهي التي تعدّ نوعًا من الأحياء- تُهرَع إليها أرزاقُها سريعةً وهي منتصبةٌ في أماكنها متّسمةٌ بالتوكل والقناعة دون أن يبدو منها أثرٌ للحرص، بل تتفوق على الحيوانات في تكاثرها وتربية ما تولّد من ثمرات. أما الحيوانات فلا تحصل على أرزاقها إلَّا بعد جُهدٍ ومشقة وبكمية زهيدة ناقصة، ذلك لأنها تلهث وراءها بحرص، وتسعى في البحث عنها حثيثًا. حتى إننا نرى في عالم الحيوان نفسه أن الأرزاق تُسبَغ على الصغار الذين يعبِّرون عن توكلهم على اللّٰه بلسان حالات ضعفهم وعجزهم، فيُرسَل إليهم رزقُهم المشروع اللطيف الكامل من خزينة الرحمة الإلهية. بينما لا
— 337 —
تحصل الحيوانات المفترسة التي تنقضّ على فرائسها بحرص شديد إلّا بعد لأيٍ كبير وتحرٍ عظيم.
فهاتان الحالتان تبينان بوضوح: أن الحرص سبب الحرمان، أما التوكل والقناعة فهما وسيلتا الرحمة والإحسان.
ونرى الحال نفسه في عالم الإنسان إذ اليهود الذين هم أحرصُ الناس على حياة، ويستحبّون الحياةَ الدنيا على الآخرة، بل يعشقونها حب العاشق الولهان حتى سبقوا الأمم في هذا المجال، قد ضُربت عليهم الذلة والمهانة، وأُلحقت بهم حملات القتل بيد الأمم الأخرى.. كل ذلك مقابل حصولهم بعد عناء طويل على ثروة ربَوية محرَّمة خبيثة، لا ينفقون منها إلّا النیزر اليسير، وكأن وظيفتهم كنیزها وادخارَها فحسب.. فيبين لنا هذا الحال: إن الحرص معدن الذلة والخسة والخسارة في عالم الإنسانية.
وهناك وقائع كثيرة، وحوادث لا تدخل في الحصر بأن الحريص معرَّضٌ دائمًا للوقوع في حومة الخسران، حتى جرى "الحريص خائب خاسر" [٭]: الميداني، مجمع الأمثال ١/٢١٤. مجرى الأمثال الشائعة. واتخذه الجميع حقيقة عامة في نظرهم.
فما دام الأمر هكذا، إن كنت تحب المال حبًّا جمًا فاطلبه بالقناعة دون الحرص حتى يأتيك وافرًا.
ويمكن أن نشبّه القانعين من الناس والحريصين منهم بشخصين يدخلان مضيفًا كبيرًا أعدَّه شخص عظيم ذو شأن.. يتمنى أحدُهما من أعماقه قائلًا: لو أن صاحب الديوان يأويني مجرد إيواء، وأنجو من شدة البرد الذي في الخارج لكفاني، وحسبي ذلك. ولو سمح لي بأي مقعد متيسّر في أدنى موقع فهو فضلٌ منه وكرم. أما الآخر فيتصرف كأنَّ له حقًا على الآخرين، وكأنهم مضطرون أن يقوموا له بالاحترام والتوقير، لذا يقول في أعماقه بغرور: على صاحب الديوان أن يوفّر لي أرفعَ مقعد وأحسنه. وهكذا يدخل الديوانَ وهو يحمل هذا الحرص ويرمق المواقع الرفيعة في المجلس، إلّا أن صاحب الديوان يرجّعه ويردّه إلى أدنى موقع في المجلس، وهو بدوره يمتعض ويستاء ويمتلئ صدرُه غيظًا على صاحب الديوان. ففي الوقت الذي
— 338 —
كان عليه أن يقدّم الشكر الذي يستوجبه، قام بخلاف ما يجب عليه، وأخذ بانتقاد صاحب الديوان، فاستثقله صاحبُ الديوان، بينما رحّب بالشخص الأول الذي دخل الديوان وهو يشعّ تواضعًا يلتمس الجلوس في أدنى مقعد متوفر، إذ سرَّته هذه القناعة البادية منه والتي بعثت في نفسه الانشراحَ والاستحسان وأخذ يُرقّيه إلى أعلى مقام وأرقاه. وهو بدوره يستزيد من شكره ورضاه وامتنانه كلما صعدت به المراتب.
وهكذا الدنيا، ديوانُ ضيافة الرحمن. ووجه الأرض سُفرة الرحمة المبسوطة ومائدة الرحمن المنصوبة. ودرجات الأرزاق ومراتب النعمة بمثابة المقاعد المتباينة.
إنَّ سوء تأثير الحرص ووخامة عاقبته يمكن أن يشعر به كل واحد، حتى في أصغر الأمور وأدقها جزئية.
فمثلًا: يمكن أن يشعر كل شخص استياءً واستثقالًا في قلبه تجاه متسوّل يلحّ عليه بحرص شديد، حتى إنه يردَّه، بينما يشعر إشفاقًا وعطفًا تجاه متسول آخر وقف صامتًا قنوعًا، فيتصدق عليه ما وسعه.
ومثلًا: إذا أردت أن تغفو في ليلة أصبتَ فيها بالأرق.. فإنك تهجع رويدًا رويدًا إن أهملتَه ولم تبال به. ولكن إن حرصت على النوم وقلقت عليه وأنت تتمتم: تُرى متى أنام؟ أين النوم مني؟.. لتبدَّد النومُ ولفقدتَه كليًا.
ومثلا: تنتظر أحدهم بفارغ الصبر، وأنت حريص على لقائه لأمر مهم، فتشعر بالقلق قائلًا: لِمَ لم يأت.. ما بالُه تأخر؟ وفي النهاية يزيح الحرصُ الصبرَ من عندك، ويضطرك إلى مغادرة مكان الانتظار يائسًا. وإذا بالشخص المنتظر يحضر بعد هنيهة، ولكن النتيجة المرجوّة قد ضاعت وتلاشت.
إن السر الكامن في أمثال هذه الحوادث وحكمتَها هو: مثلما يترتب وجودُ الخبز على أعمال تتم في المزرعة، والبيدر، والطاحونة، والفرن، فإن ترتب الأشياء كذلك يقترن بحكمة التأنّي والتدرج، ولكن الحريص بسبب حرصه لا يتأنّى في حركاته ولا يراعي الدرجات والمراتب المعنوية الموجودة في ترتب الأشياء. فإما أنه يقفز ويطفر فيسقط، أو يدع إحدى المراتب ناقصةً فلا يرتقي لغايته المقصودة.
— 339 —
فيا أيها الإخوة المشدوهون من هموم العيش والهائمون في الحرص على الدنيا! كيف ترضَون لأنفسكم الذلة والمهانة في سبيل الحرص -مع أن فيه هذه الأضرار والبلايا- وتُقبلون على كل مالٍ دون أن تعبأوا أهوَ حلال أم حرام؟ وتضحون في سبيل ذلك بأمور جليلة وأشياء قيّمة تستوجبها الحياةُ الأخروية، حتى إنكم تَدَعون في سبيل الحرص ركنًا مهمًا من أركان الإسلام ألا وهو "الزكاة" علمًا أنها باب عظيم تفيض منه البَركةُ والغنى على كل فرد، وتدفع عنه البلايا والمصائب. فالذين لا يؤدون زكاة أموالهم لا محالة يفقدون أموالًا بقدرها ويبددونها إما في أمور تافهة لا طائل وراءها، أو تلمُّ بهم مصائبُ تنتزعها منهم انتزاعًا.
ولقد سُئلت في رؤيا خيالية عجيبة ذات حقيقة، وذلك في السنة الخامسة من الحرب العالمية الأولى، والسؤال هو:
ما السر في هذا الفقر والخصاصة التي أصابت الأمة الإسلامية، وما السر في التلف الذي أصاب أموالَهم وأهدرها، وفي العناء والمشاق التي رزحت تحته أجسادُهم؟
وقد أجبتُ عن السؤال في رؤياي بما يأتي:
إنَّ اللّٰه تعالى قد فرض علينا فيما رزقنا من ماله العُشر (٭): "من ماله العشر" أي جزء من عشرة أجزاء، مما يعطيه كالزروع. (المؤلف)
في قسم من الأموال، وواحدًا من أربعين (٭): "وواحدًا من أربعين" أي من المال القديم (كالعروض والمواشي) الذي ينتج اللّٰه منها في كل سنة على الأغلب عشرة بكرًا جديدًا. (المؤلف) في قسم آخر كي يجعلنا ننال ثوابَ أدعيةٍ خالصة تنطلق من الفقراء، ويصرفنا عما يُوغر صدورهم من الضغينة والحسد. إلّا أننا قبضنا أيدينا حرصًا على المال فلم نؤدّ الزكاة. فاسترجع سبحانه وتعالى تلك الزكاة المتراكمة علينا بنسبة ثلاثين من أربعين وبنسبة ثمانية من عشرة.
وطلب سبحانه منا أن نصوم لأجله ونجوع في سبيله جوعًا يتضمن من الفوائد والحِكَم ما يبلغ السبعين فائدة. طلبه منا أن نقوم به في شهر واحد من كل سنة، فعزَّت علينا أنفسُنا وأخذتنا الرأفة بها عن غير حق، وأبَينا أن نطيق جوعًا ممتعًا مؤقتًا، فما كان منه سبحانه إلّا مجازاتنا بنوع من صوم وجوع له من المصائب ما يبلغ السبعين مصيبة، وأرغمنا عليه طوال خمس سنوات متتالية.
— 340 —
وكذا، طلب منا سبحانه نوعًا من تنفيذ الأوامر والتعليمات الربانية الطيبة المباركة السامية النورانية نؤديها في ساعة واحدة من بين أربع وعشرين ساعة. فتقاعسنا عن أداء تلك الصلوات والأدعية والأذكار، فأضَعنا تلك الساعة الواحدة مع بقية الساعات. فكان منه أن كفَّر عنا سبحانه بما بدا منا من سيئات وتقصيرات، وجعلَنا نُرغَم على أداء نوع من العبادة والصلاة بتلقين التعليمات والتدريب ومن كرّ وفرّ وعَدْوٍ وإغارة وما إلى ذلك.. في غضون خمس سنوات متتابعة.
نعم، هكذا قلت في تلك الرؤيا. ثم أفقتُ منها، وفكرت متأملًا وتوصلت إلى حقيقة مهمة جدًّا تضمنتها تلك الرؤيا الخيالية وهي:
إنَّ هناك كلمتين اثنتين هما منشأ جميع ما آلت إليه البشرية في حياتهم الاجتماعية من تردٍّ في الأخلاق وانحطاط في القيم، وهما منبع جميع الاضطرابات والقلاقل. وقد بينّاهما وأثبتناهما في "الكلمة الخامسة والعشرين" عند عقدنا الموازنة بين الحضارة الحديثة وأحكام القرآن الكريم. والكلمتان هما:
الكلمة الأولى: "إن شبعتُ فلا عليّ أن يموت غيري من الجوع".
الكلمة الثانية: "اكتسب أنت لآكل أنا واتعب أنت لأستريح أنا".
وأن الذي يديم هاتين الكلمتين ويغذّيهما هو: جريان الربا، وعدم أداء الزكاة.
وأن الحل الوحيد والدواء الناجع لهذين المرضين الاجتماعيين هو: تطبيق الزكاة في المجتمع وفرضها فرضًا عامًا. وتحريم الربا كليًا. لأن أهمية الزكاة لا تنحصر في أشخاص وجماعات معينة فقط، بل إنها ركن مهم في بناء سعادة الحياة البشرية ورفاهِها جميعًا، بل هي عمودٌ أصيل تتوطد به إدامة الحياة الحقيقية للإنسانية، ذلك لأن في البشرية طبقتين: الخواص والعوام. والزكاة تؤمِّن الرحمة والإحسان من الخواص تجاه العوام وتضمن الاحترامَ والطاعة من العوام تجاه الخواص. وإلّا ستنهال مطارقُ الظلم والتسلط على هامات العوام من أولئك الخواص، وينبعث الحقدُ والعصيان اللذان يضطرمان في أفئدة العوام تجاه الأغنياء الموسِرين. وتظل هاتان الطبقتان من الناس في صراع معنوي مستديم، وتخوضان غمار معمعة الاختلافات
— 341 —
المتناقضة، حتى يؤول الأمر تدريجيًا إلى الشروع في الاشتباك الفعلي والمجابهة حول العمل ورأس المال كما حدث في روسيا.
فيا أهلَ الكرم وأصحاب الوجدان، ويا أهل السخاء والإحسان! إنْ لم تقصدوا بالإحسانات التي تدفعونها نيّةَ الزكاة، ولم تكن باسمها فإن لها ثلاثة أضرار، بل قد تتلاشى سدًى دون نفع، ذلك لأنكم إن لم تمنحوها وتُحسنوا بها في سبيل اللّٰه وباسم اللّٰه فإنكم بلا شك ستبدون منّةً وتفضّلًا -معنًى- فتجعلون الفقير المسكين تحت أسارة المنَّة وتكبلونه بأغلالها. ومن ثم تظلون محرومين من دعائه الخالص المقبول، فضلًا عن أنكم تكونون جاحدين بالنعمة لما تظنون أنكم أصحاب المال. وفي الحقيقة لستم إلّا مستخلَفين مأمورين تقومون بتوزيع مال اللّٰه على عباده. ولكن إذا أدّيتم الإحسان في سبيل اللّٰه باسم الزكاة فإنكم تنالون ثوابًا عظيمًا، وتكسبون أجرًا عظيما، لأنكم قد أديتموه في سبيل اللّٰه. وأنتم بهذا العمل تبدون شكرًا للنعم التي أسبغها اللّٰه عليكم. فتنالون الدعاء المقبول من ذلك المحتاج المعوز حيث لم يضطر إلى التملّق والتخوّف منكم فاحتفظَ بكرامته وإبائه فيكون دعاؤه خالصًا.
نعم أين ما يُمنح من أموال بقدر الزكاة بل أكثر منها، والقيام بحسنات بشتى صوَرها ودفع صدقات مع اكتساب أضرار جسيمة أمثال الرياء والصيت مع المنَّة والإذلال، من أداء الزكاة والقيام بتلك الحسنات بنيتها في سبيل اللّٰه، واغتنام فضل القيام بفريضة من فرائض اللّٰه، وكسب ثواب منه سبحانه، والظفر بالإخلاص والدعاء المستجاب. ألا شتّان بين العطاءين!
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
اللّٰهم صل على سيدنا محمد الذي قال: (المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا).
وقال: (الْقَنَاعَةُ كَنْزٌ لاَ يَفْنَى).
[٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٧/٨٤؛ البيهقي، الزهد ٢/٨٨.
وعلى آله وصحبه أجمعين.. آمين والحمد للّٰه رب العالمين.