المكتوبات العربية
— 342 —

خاتمة تخص الغيبة

لقد أظهر المثال المذكور ضمن أمثلة مقام الذم والزجر في النقطة الخامسة من الشعاع الأول من الشعلة الأولى للكلمة الخامسة والعشرين، وذلك في ذكر آية كريمة واحدة مدى شناعة الغيبة في نظر القرآن، اذ بيّنت الآية باعجاز كيف تنفّر الانسان عن الغيبة في ستة وجوه حتى أغنت عن كل بيان آخر.. نعم لا بيان بعد بيان القرآن ولا حاجة إليه.
إن قوله تعالى:
﴿ أيحبُ احدكُم انْ يأكل لحم اخيهِ ميتًا فكرهتُموه ﴾
(الحجرات: ١٢) تذم الذمَّ في ست درجات وتزجر عن الغيبة في ست مراتب على النحو الآتي:
تنهى هذه الآية الكريمة عن الغيبة بست مراتب وتزجر عنها بشدة وعنف، وحيث إن خطاب الآية موجهٌ إلى المغتابين، فيكون المعنى كالآتي:
الهمزة الموجودة في البداية، للاستفهام الإنكاري حيث يسري حكمُه ويسيل كالماء إلى جميع كلمات الآية، فكلُّ كلمة منها تتضمن حُكمًا.
ففي الكلمة الأولى تخاطب الآية الكريمة بالهمزة: أليس لكم عقلٌ -وهو محل السؤال والجواب- ليعيَ هذا الأمر القبيح؟
وفي الكلمة الثانية: أيحبُ تخاطب الآية بالهمزة: هل فسد قلبُكم -وهو محل الحب والبغض- حتى أصبح يحب أكرهَ الأشياء وأشدَّها تنفيرًا.
وفي الكلمة الثالثة: احدكُم تخاطب بالهمزة: ماذا جرى لحياتكم الاجتماعية -التي تستمد حيويتَها من حيوية الجماعة- وما بالُ مدنيتكم وحضارتكم حتى أصبحت ترضى بما يسمّم حياتكم ويعكّر صفوَكم.
وفي الكلمة الرابعة: انْ يأكل لحم تخاطب بالهمزة: ماذا أصاب إنسانيتَكم؟ حتى أصبحتم تفترسون صديقَكم الحميم.
— 343 —
وفي الكلمة الخامسة: اخيهِ تخاطب بالهمزة: أليس بكم رأفةٌ ببني جنسكم، أليس لكم صلةُ رحم تربطكم معهم، حتى أصبحتم تفتكون بمن هو أخوكم من عدة جهات، وتنهشون شخصه المعنوي المظلوم نهشًا قاسيًا، أيملك عقلًا من يعضّ عضوًا من جسمه؟ أوَ ليس هو بمجنون؟.
وفي الكلمة السادسة: ميتًا تخاطب بالهمزة: أين وجدانُكم؟ أفَسَدت فطرتُكم حتى أصبحتم تجترحون أبغضَ الأشياء وأفسدها -وهو أكلُ لحم أخيكم- في الوقت الذي هو جدير بكل احترام وتوقير.
يفهم من هذه الآية الكريمة -وبما ذكرناه من دلائل مختلفة في كلماتها- أن الغيبة مذمومةٌ عقلًا وقلبًا وإنسانية ووجدانًا وفطرة وملّةً.
فتدبّر في هذه الآية الكريمة، وانظر كيف أنها تزجر عن جريمة الغيبة بإعجاز بالغ وبإيجاز شديد في ست مراتب.
حقًا إنَّ الغيبة سلاحٌ دنيء يستعمله المتخاصمون والحسّاد والمعاندون؛ لأن صاحب النفس العزيزة تأبى عليه نفسُه أن يستعمل سلاحًا حقيرًا كهذا.
وقديمًا قال الشاعر:
وَاُكْبِرُ نَفْسِى عَنْ جَزَاءٍ بِغِيْبَةٍ فَكُلُّ اغْتِيَابٍ جَهْدُ مَنْ لاَ لَهُ جَهْدٌ
[٭]: ديوان المتنبي ص ١٩٨ ط. دار صادر.
والغيبة هي ذكرُك أخاك بما يكرَه، فإن كان فيه ما تقول فقد اغتبتَه وإن لم يكن فيه فقد بیهتّه. أي اجترحت إثمًا مضاعفًا. [٭]: انظر: مسلم، البر ٧٠؛ الترمذي، البر ٢٣؛ أبو داود، الأدب ٣٥.
إلّا أن الغيبة وإن كانت محرّمة فإنها تجوز في أحوال معينة: [٭]: انظر: النووي، الأذكار ص ٣٦٠-٣٦٢، ٣٦٦.
منها: التظلم، فالمظلوم يجوز له أن يصف مَنْ ظلمَه إلى حاكم ليعينه على إزالة ظلم أو مُنكر وقع عليه.
— 344 —
ومنها : الاستفتاء، فإذا ما استشارك أحدٌ يريد أن يشترك مع شخص في العمل أو غيره، وأردت نصيحته خالصًا للّٰه دون أن يداخلها غرضٌ شخصي يجوز لك أن تقول: "لا تصلح لك معاملته، سوف تخسر وتتضرر". [٭]: ابن ماجه، الأدب ٣٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤١٨-٤١٩، ٤/٢٥٩؛ الطيالسي، المسند ١٨٥.
ومنها: التعريف من دون أن يكون القصد فيه التنقيص، فتقول مثلًا: ذلك الأعرج أو ذلك الفاسق.
ومنها: إنْ كان فاسقًا مجاهرًا بفِسقه، لا يتورع من الفساد وربما يفتخر بسيئاته ويتلذذ من ظُلم الآخرين. [٭]: البيهقي، السنن الكبرى ١٠/٢١٠؛ القضاعي، مسند الشهاب ١/٢٦٣
ففي هذه الحالات المعينة تجوز الغيبةُ للمصلحة الخالصة دون أن يداخلها حظّ النفس والغرض الشخصي، بل تجوز لأجل الوصول إلى الحق وحده، وإلّا فالغيبة تُحبِط الأعمال الصالحة وتأكلها كما تأكل النارُ الحطبَ.
فإذا ارتكب الإنسانُ الغيبة، أو استمع إليها برغبة منه، فعليه أن يدعو:
اَللّٰهمَّ اغْفِرْ لَنَا ولِمَنْ اِغْتَبْنَاهُ.
[٭]: انظر: السيوطي، الفتح الكبير ١/٨٤؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٣/٢٥٤؛ البيهقي، شعب الإيمان ٥/٣١٧
ثم يطلب من الذي اغتابه عفوَه منها، والإبراء منها متى التقاه. [٭]: النووي، الأذكار ٣٦٦.