— 324 —
المكتوب الثاني والعشرون
بِاسْمِهِ
﴿ وَاِنْ مِنْ شَيءٍ اِلّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ﴾
هذا المكتوب عبارة عن مبحثين:
المبحث الأول يدعو أهل الإيمان إلى الأخوة والمحبة.
المبحث الأول
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
اِنَّمَا الیمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ فَاَصْلِحُوا بَيْنَ اَخَوَيْكُم
(الحجرات: ١٠)
اِدْفَعْ بِالّتیي هِیيَ اَحْسَینُ فَاِذَا الَّیذي بَيْنَكَ وَبَيْینَیهُ عَدَاوَةٌ كَاَنَّهُ وَلِيٌّ حَميمٌ
(فصلت: ٣٤)
وَالْكَاظِمينَ الْیغَییيْظَ وَالْیعَیافِينَ عَینِ النَّاسِ واللّٰه يُحِیبُّ الْیمُحْسِنينَ
(آل عمران: ١٣٤)
إن ما يسببه التحيّز والعناد والحسد من نفاق وشقاق في أوساط المؤمنين، وما يوغر في صدورهم من حقدٍ وغلٍ وعداء، مرفوضٌ أصلًا. ترفضه الحقيقةُ والحكمة، ويرفضه
— 325 —
الإسلامُ الذي يمثل روح الإنسانية الكبرى. فضلا عن أن العداء ظلمٌ شنيع يفسد حياة البشر: الشخصيةَ والاجتماعية والمعنوية، بل هو سمٌ زعاف لحياة البشرية قاطبة.
سنبين "ستة أوجه" من وجوه كثيرة لهذه الحقيقة.
الوجه الأول: إنَّ عداء الإنسان لأخيه المؤمن ظلمٌ في نظر الحقيقة.
فيا من امتلأ صدرُه غِلًا وعداءً لأخيه المؤمن، ويا عديم المروءة! هب أنك في سفينة أو في دار ومعك تسعةُ أشخاص أبرياء ومجرم واحد. ورأيت من يحاول إغراق السفينة أو هدم الدار عليكم، فلا مراء أنك -في هذه الحالة- ستصرخ بأعلى صوتك محتجًّا على ما يرتكبه من ظلم قبيح، إذ ليس هناك قانون يسوّغ إغراق سفينة برمتها ولو كانت تضم تسعة مجرمين طالما فيها بريء واحد.
فكما أن هذا ظلم شنيع وغدرٌ فاضح، كذلك انطواؤك على عداء وحقد بالمؤمن الذي هو بناء رباني وسفينة إلهية، لمجرد صفةٍ مجرمة فيه، تستاءُ منها أو تتضرر، مع أنه يتحلى بتسع صفات بريئة بل بعشرين منها: كالإيمان والإسلام والجوار.. الخ. فهذا العداء والحقد يسوقُك حتمًا إلى الرغبة ضمنًا في إغراق سفينة وجوده، أو حرق بناء كيانه. وما هذا إلّا ظلم شنيع وغدرٌ فاضح.
الوجه الثاني: العداء ظلم في نظر الحكمة، إذ العداء والمحبّة نقيضان. فهما كالنور والظلام لا يجتمعان معًا بمعناهما الحقيقي أبدًا. فإذا ما اجتمعت دواعي المحبة وترجّحت أسبابُها فأرست أُسسَها في القلب، استحالت العداوةُ إلى عداء صوري، بل انقلبت إلى صورة العطف والإشفاق، إذ المؤمن يحب أخاه، وعليه أن يودّه، فأيّما تصرّف مشين يصدر من أخيه يحمِله على الإشفاق عليه، وعلى الجد في محاولة إصلاحه باللين والرفق دون اللجوء إلى القوة والتحكم. فقد ورد في الحديث الشريف: (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، وخيرهما الذي يبدأ بالسلام).[٭]: البخاري، الأدب ٥٧ ،٦٢، الاستئذان ٩؛ مسلم، البر ٢٣، ٢٥، ٢٦.
— 326 —
أما إذا تغلبت أسبابُ العداوة والبغضاء وتمكّنت في القلب، فإن المحبة تنقلب عندئذ إلى محبة شكلية تلبس لبوس التصنع والتملق.
فاعلم إذن أيها الظالم! ما أشدَّه من ظلم أن يحمل المؤمن عداءً وحقدًا لأخيه! فكما أنك إذا استعظمتَ حصيّات تافهة ووصفتَها بأنها أسمى من الكعبة المشرّفة وأعظم من جبل أُحد، فإنك بلا شك ترتكب حماقة مشينة، كذلك هي حماقةٌ مثلها إن استعظمت زلّات صدرتْ من أخيك المؤمن واستهولتَ هفواته التي هي تافهة تفاهة الحصيات، وفضلتَ تلك الأمور التافهة على سمو الإيمان الذي هو بسمو الكعبة، ورجّحتها على عظمة الإسلام الذي هو بعظمة جبل أُحد. فتفضيلُك ما بدر من أخيك من أمور بسيطة على ما يتحلى به من صفات الإسلام الحميدة ظلمٌ وأي ظلم! يدركه كلُّ من له مسكة من عقل!
نعم، إن وحدة الإيمان يستدعي حتمًا توحيد قلوب المؤمنين. ووحدة العقيدة أيضا تقتضي وحدةَ المجتمع. فأنت تستشعر بنوع من الرابطة مع من يعيش معك في طابور واحد، وبعلاقة صداقة معه إن كنت تعمل معه تحت إمرة قائد واحد، بل تشعر بعلاقة أخوة معه لوجودكما في مدينة واحدة، فما بالك بالإيمان الذي يهب لك من النور والشعور ما يريك به من علاقات الوحدة الكثيرة، وروابط الاتفاق العديدة، ووشائج الأخوة الوفيرة ما تبلغ عدد الأسماء الحسنى. فيرشدك مثلًا إلى: أن خالقكُما واحد، مالككُما واحد، معبودكما واحد، رازقكما واحد.. وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ الألف. ثم، إن نبيَّكما واحد، دينكما واحد، قبلتكما واحدة، وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ المائة. ثم، إنكما تعيشان معًا في قرية واحدة، تحت ظل دولة واحدة، في بلاد واحدة.. وهكذا واحد واحد إلى أن تبلغ العشرة.
فلئن كان هناك إلى هذا القدر من الروابط التي تستدعي الوحدة والتوحيد والوفاق والاتفاق والمحبة والأخوة، ولها من القوة المعنوية ما يربط أجزاء الكون الهائلة، فما أظلمَ من يعرِض عنها جميعًا ويفضّل عليها أسبابًا واهية أوهنَ من بيت العنكبوت، تلك التي تولد الشقاق والنفاق والحقد والعداء. فيوغر صدرَه عداءً وغِلًا حقيقيًا لأخيه المؤمن! أليس هذا إهانة بتلك الروابط التي توحّد؟ واستخفافًا بتلك الأسباب التي توجب المحبة؟ واعتسافًا لتلك العلاقات التي تفرض الأخوة؟ فإن لم يكن قلبُك ميتًا ولم تنطفئ بعدُ جذوة عقلك فستدرك هذا جيدًا.
— 327 —
الوجه الثالث: إن الآية الكريمة:
﴿ وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ اُخْرى ﴾
(الأنعام: ١٦٤) تفيد العدالة المَحضة، أي لا يجوز معاقبة إنسان بجريرة غيره. فترى القرآن الكريم ومصادر الشريعة الأخرى وآداب أهل الحقيقة والحكمة الإسلامية كلها تنبّهك إلى: أن إضمار العداء للمؤمن والحقد عليه ظلم عظيم، لأنه إدانة لجميع الصفات البريئة التي يتصف بها المؤمن بجريرة صفة جانية فيه. ولا سيما امتداد العداء إلى أقاربه وذويه بسبب صفةٍ تمتعض منها، فهو ظلمٌ أعظم، كما وصفه القرآن الكريم بالصيغة المبالغة: اِنَّ الاِنْسَانَ لَظَلُومٌ (إبراهيم: ٣٤) أفبعد هذا تجد لنفسك مبررات وتدّعي أنك على حق؟
فاعلم! أَنّ المفاسد التي هي سبب العداء والبغضاء كثيفة في نظر الحقيقة، كالتراب والشر نفسه، وشأن الكثيف أنه لا يسرى ولا ينعكس إلى الغير -إلّا ما يتعلمه الإنسان من شر من الآخرين- بينما البرّ والإحسان وغيرهما من أسباب المحبة فهي لطيفة كالنور وكالمحبة نفسها، ومن شأن النور الانعكاس والسرَيان إلى الغير. ومن هنا سار في عداد الأمثال: "صديقُ الصديق صديقٌ". وتجد الناس يرددون: "لأجل عينٍ أَلفُ عين تُكرَم".
فيا أيها المُجحف! إنْ كنت تروم الحقَّ، فالحقيقة هي هذه، لذا فإن حملَك عداءً مع أقارب ذلك الذي تَكره صفةً فيه، وحقدَك على ذويه المحبوبين لديه، خلافٌ للحقيقة وأي خلاف!
الوجه الرابع: إن عداءك للمؤمن ظلمٌ مبين، من حيث الحياة الشخصية. فإن شئت فاستمع إلى بضعة دساتير هي أساس هذا الوجه الرابع:
الدستور الأول: عندما تعلم أنك على حق في سلوكك وأفكارك يجوز لك أن تقول: "إن مسلكي حق أو هو أفضل" ولكن لا يجوز لك أن تقول: "إن الحق هو مسلكي أنا فحسب". لأن نظرك الساخط وفكرَك الكليل لن يكونا محكًّا ولا حَكَمًا يقضي على بطلان المسالك الأخرى، وقديمًا قال الشاعر:
— 328 —
وَعَيْنُ الرِّضَا عَنْ كُلِّ عَيْبٍ كَلِيلَةٌ وَلكِنَّ عَيْنَ السُّخْطِ تُبْدِى الْمَسَاوِيَا
[٭]: لعبد اللّٰه بن معاوية بن عبد اللّٰه بن جعفر بن أبى طالب (أدب الدنيا والدين ص٣٧) والبيت منسوب للإمام الشافعي أيضا. (ديوان الشافعي ص٩١) طبعة دار النور-بيروت. وفيه: كما ان عين السخط .
الدستور الثاني: "عليك أن تقول الحقَّ في كل ما تقول، ولكن ليس لك أن تذيع كل الحقائق. وعليك أن تصدق في كل ما تتكلمه، ولكن ليس صوابًا أن تقول كل صدق".
لأن مَنْ كان على نية غير خالصة -مثلك- يُحتمل أن يثير المقابلَ بنصائحه فيحصل عكس المراد.
الدستور الثالث: إن كنت تريد أن تعادي أحدًا فعادِ ما في قلبك من العداوة، واجتهد في إطفاء نارها واستئصال شأفتها. وحاول أن تُعادي مَن هو أعدى عدوك وأشدّ ضررًا عليك، تلك هي نفسُك التي بين جنبيك. فقاوم هواها، واسعَ إلى إصلاحها، ولا تعادِ المؤمنين لأجلها. وإن كنتَ تريد العداء أيضًا فعادِ الكفار والزنادقة، فهم كثيرون. واعلم أن صفة المحبة محبوبةٌ بذاتها جديرة بالمحبة، كما أن خصلة العداوة تستحق العداء قبل أي شيء آخر.
وإن أردت أن تغلب خصمَك فادفع سيئَتَه بالحسنة، فبه تخمد نارُ الخصومة. أما إذا قابلت إساءته بمثلها فالخصومةُ تزداد. حتى لو أصبح مغلوبًا -ظاهرًا- فقلبه يمتلئ غيظًا عليك، فالعداءُ يدوم والشحناء تستمر. بينما مقابلته بالإحسان تسوقُه إلى الندم، وقد يكون صديقًا حميمًا لك، إذ إن من شأن المؤمن أن يكون كريمًا، فإن أكرمتَه فقد ملكتَه وجعلته أخًا لك، حتى لو كان لئيمًا -ظاهرًا- إلّا أنه كريم من حيث الإيمان، وقد قال الشاعر:
اذَا اَنْتَ اَكْرَمْتَ الْكَرِيمَ مَلَكْتَهُ وَاِنْ اَنْتَ اَكْرَمْتَ اللَّئِيمَ تَمَرَّدًا
[٭]: البيت للمتنبي. انظر العرف الطيب في شرح ديوان أبى الطيب. ص ٣٨٧- دار القلم، بيروت.
نعم، إن الواقع يشهد: أن مخاطبة الفاسد بقولك له: "إنك صالح، إنك فاضل..". ربما يدفعه إلى الصلاح، وكذا مخاطبة الصالح: "إنك طالح، إنك فاسد..". ربما يسوقه إلى الفساد، لذا استمع بأذن القلب إلى قوله تعالى:
﴿ وَاِذَا مَرّوُا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا ﴾
(الفرقان: ٧٢)،
﴿ وَاِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتغْفِروُا فَاِنَّ اللّٰه غَفُورٌ رَحيمٌ ﴾
(التغیابین: ١٤) وأمثالها من الدساتير القرآنية المقدسة، ففيها التوفيق والنجاح والسعادة والأمان.
— 329 —
الدستور الرابع: إن الذي يملأ قلبَه الحقد والعداوة تجاه إخوانه المؤمنين إنما يظلم نفسه أولا، علاوة على ظلمه لإخوانه، فضلا عن تجاوزه حدودَ الرحمة الإلهية، حيث يوقع نفسه بالحقد والعداوة في عذاب أليم، فيقاسيها عذابًا كلما رأى نعمةً حلّت بخصمه، ويعانيها ألمًا من خوفه. وإن نشأت العداوةُ من الحسد فدونه العذاب الأليم، لأنَّ الحسد أشدُّ إيلامًا للحاسد من المحسود حيث يحرق صاحبَه بلهيبه، أما المحسود فلا يمسه من الحسد شيء، أو يتضرر طفيفًا.
وعلاج الحسد هو: أن يلاحظ الحاسد عاقبة ما يحسده، ويتأمل فيها، ليدرك أن ما ناله محسودُه من أعراض دنيوية -من مال وقوة ومنصب- إنما هي أعراض زائلة فانية. فائدتُها قليلة، مشقتها عظيمة.
أما إذا كان الحسد ناشئًا من دوافع أخروية، فلا حسد أصلا. ولو تحرك عرقُ الحسد حتى في هذه الأمور، فالحاسد إما أنه مُراء، يُحبط حسناتِه الأخروية في الدنيا. أو أنه يسيء الظن بمحسوده فيظلمه.
ثم إن الحاسد في حسده يسخط على قدر اللّٰه، لأنه يحزن من مجيء فضلٍ من اللّٰه ورحمته على محسوده، ويرتاح من نزول المصائب عليه، أي كأنه ينتقد القدرَ الإلهي ويعترض على رحمته الواسعة. ومعلوم أن من ينتقد القدرَ كمن يناطح الجبل، ومن يعترض على الرحمة الإلهية يُحرم منها.
تُرى هل من إنصافٍ يرضى أن يمتلئ صدرُ المؤمن لسنةٍ كاملة غيظًا وحقدًا على أخيه لشيء جزئي تافه لا يساوي العداءَ عليه ليوم واحد؟! علمًا أنه لا ينبغي أن تنسب السيئة التي أتتك من أخيك المؤمن إليه وحده وتدينه بها لأن:
أولًا: القدرُ الإلهي له حظُّه في الأمر، فعليك أن تستقبل حظَّ القدر هذا بالرضى والتسليم.
ثانيًا: إن للشيطان والنفس الأمارة بالسوء حظَّهما كذلك.
فإذا ما أخرجتَ هاتين الحصتين لا يبقى أمامَك إلا الإشفاق على أخيك بدلًا من عدائه.
— 330 —
لأنك تراه مغلوبًا على أمره أمام نفسه وشيطانه. فتنتظر منه بعد ذلك الندمَ على فعلته وتأمُلُ عودته إلى صوابه.
ثالثًا: عليك أن تلاحظ في هذا الأمر تقصيرات نفسك، تلك التي لا تراها أو لا ترغب أن تراها.
فاعزِل هذه الحصة أيضًا مع الحصتين السابقتين، تَرَ الباقي حصةً ضئيلة جزئية، فإذا استقبلتَها بهمّة عالية وشهامة رفيعة أي بالعفو والصفح، تنجو من ارتكاب ظلم وتتخلص من إيذاء أحد. بينما إذا قابلت إساءته بحرص شديد على توافه الدنيا -كأنك تخلد فيها- وبحقد مستديم وعداء لا يفتر، فلا جرم أن تنطبق عليك صفة ظلومًا جهولًا وتكون أشبه بذلك اليهودي الأحمق الذي صرف أموالًا طائلة لقطعٍ زجاجية لا تساوي شيئًا وبلورات ثلجية لا تلبث أن تزول، ظنّا منه أنها الألماس.
وهكذا فقد بسطنا أمامك ما يسببه العداءُ من أضرار لحياة الإنسان الشخصية.
فإن كنت حقًا تحب نفسك فلا تفسح له مجالًا ليدخل قلبَك، وإن كان قد دخل فعلًا واستقر فلا تصغ إليه، بل استمع إلى حافظ الشيرازي ذي البصيرة النافذة إلى الحقيقة. إنه يقول:
دُنْيَا نَه مَتَاعِيسْتِى كِه اَرْزَدْ بَنِزَاعِى
أي "إن الدنيا كلها لا تساوي متاعًا يستحق النیزاع عليه".
فلئن كانت الدنيا العظيمة وبما فيها تافهة هكذا، فما بالك بجزء صغير منها. واستمع إليه أيضًا حيث يقول:
آسَايِشِ دُو گِيتِى تَفْسِيرِ اِينْ دُو حَرْفَسْتْ بَادُوسِییتَانْ مُیرُوَّتْ بَادُشْییمَیینَانْ مُیدَارَا
أي "نيل الراحة والسلامة في كلا العالَمين توضّحه كلمتان: معاشرةُ الأصدقاء بالمروءة والإنصاف، ومعاملةُ الأعداء بالصفح والصفاء".
إذا قلت: إنَّ الأمر ليس في طوقي، فالعداءُ مغروز في كياني، مغمور في فطرتي، فليس لي خيار، فضلًا عن أنهم قد جرحوا مشاعري وآذوني، فلا أستطيع التجاوز عنهم.
— 331 —
فالجواب: الخُلق السيئ إن لم يُجرِ أثرَه وحُكمَه، وإن لم يُعمَل بمقتضاه كالغيبة مثلًا، وعَرف صاحبُه تقصيره، فلا ضير، ولا ينجم منه ضرر. فما دمتَ لا تملك الخيار من أمرك، ولا تستطيع أن تتخلص من العداء، فإن شعورك بأنك مقصّر في هذه الخصلة، وإدراكَك أنك لست على حق فيها، ينجيانك -بإذن اللّٰه- من شرور العداء الكامن فيك، لأن ذلك يعدّ ندمًا معنويًّا، وتوبة خفية، واستغفارًا ضمنيًا. ونحن ما كتبنا هذا المبحث إلا ليضمن هذا الاستغفار المعنوي، فلا يلتبس على المؤمن الحق والباطل، ولا يوصِم خصمَه المُحقّ بالظلم.
وقد مرت عليَّ حادثة جديرة بالملاحظة: رأيت ذات يوم رجلا عليه سيماء العلم يقدح بعالم فاضل، بانحياز مُغرض حتى بلغ به الأمر إلى حدّ تكفيره، وذلك لخلافٍ بينهما حول أمور سياسية، بينما رأيته قد أثنى -في الوقت نفسه- على منافق يوافقه في الرأي السياسي!. فأصابتني من هذه الحادثة رِعدةٌ شديدة، واستعذت باللّٰه مما آلت إليه السياسةُ وقلت: "أعوذ باللّٰه من الشيطان والسياسة".
ومنذئذٍ انسحبتُ من ميدان الحياة السياسية.
الوجه الخامس: هذا الوجه يبين مدى الضرر البالغ الذي يصيب الحياة الاجتماعية من جراء العناد والتنافر والتفرقة.
فإذا قيل:
لقد ورد في حديث شريف: (اِخْتِلافُ أُمَّتِي رَحْمَةٌّ)[٭]: النووي، شرح صحيح مسلم ١١/٩١؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/١٥٩؛ السيوطي، تدريب الراوي ٢/١٧٥. والاختلاف يقتضي التفرق والتحزب والإعتداد بالرأي. وأيضا داء التفرق والاختلاف هذا فيه وجهٌ من الرحمة لضعفاء الناس من العوام، إذ ينقذهم من تسلّط الخواص الظلمة الذين إذا حصل بينهم اتفاقٌ في قرية أو قَصبة اضطهدوا هؤلاء الضعفاء ولكن إذا كانت ثمة تفرقةٌ بينهم فسيجد المظلوم ملجأً في جهة، فينقذ نفسه.
ثم إن الحقيقة تتظاهر جلية من تصادم الأفكار ومناقشة الآراء وتخالف العقول.
الجواب: نقول إجابة عن السؤال الأول:
— 332 —
إن الاختلاف الوارد في الحديث هو الاختلاف الإيجابي البنّاء. ومعناه: أن يسعى كلُّ واحد لترويج مسلكِه وإظهارِ صحة وجْهتِه وصواب نظرته، دون أن يحاول هدمَ مسالك الآخرين أو الطعن في وجهة نظرهم وإبطال مسلكهم، بل يكون سعيُه لإكمال النقص ورأب الصدع والإصلاح ما استطاع إليه سبيلًا. أما الاختلاف السلبي فهو محاولةُ كل واحد تخريب مسلك الآخرين وهدمه، ومبعثُه الحقدُ والضغينة والعداوة، فهذا النوع من الاختلاف مردود أصلًا في نظر الحديث، حيث المتنازعون والمختلفون يعجزون عن القيام بأي عمل إيجابي بنّاء.
وجوابًا عن السؤال الثاني نقول:
إن كان التفرق والتحزب لأجل الحق وباسمه، فلربما يكون ملاذَ أهل الحق، ولكن الذي نشاهده من التفرق إنما هو لأغراض شخصية ولهوى النفس الأمارة بالسوء. فهو ملجأ ذوي النيَّات السيئة بل متكأُ الظَلمة ومرتكزُهم، فالظلم واضح في تصرفاتهم. فلو أتى شيطان إلى أحدهم معاونًا له موافقًا لرأيه تراه يُثني عليه ويترحّم عليه، بينما إذا كان في الصف المقابل إنسانٌ كالملَك تراه يلعنه ويقذفه.
أما عن السؤال الثالث فنقول:
إن تصادم الآراء ومناقشة الأفكار لأجل الحق وفي سبيل الوصول إلى الحقيقة إنما يكون عند اختلاف الوسائل مع الاتفاق في الأسس والغايات، فهذا النوع من الاختلاف يستطيع أن يقدّم خدمةً جليلة في الكشف عن الحقيقة وإظهار كل زاوية من زواياها بأجلى صوَر الوضوح. ولكن إن كانت المناقشة والبحثُ عن الحقيقة لأجل أغراض شخصية وللتسلط والاستعلاء وإشباع شهوات نفوس فرعونية ونيل الشهرة وحب الظهور، فلا تتلمع بارقةُ الحقيقة في هذا النوع من بسط الأفكار، بل تتولد شرارةُ الفتن. فلا تجد بين أمثال هؤلاء اتفاقًا في المقصد والغاية، بل ليس على الكرة الأرضية نقطةُ تلاقٍ لأفكارهم، ذلك لأنه ليس لأجل الحق، فترى فيه الإفراط البالغ دون حدود، مما يُفضي إلى انشقاقات غير قابلة للالتئام. وحاضر العالَم شاهد على هذا..
وصفوة القول:
إن لم تكن تصرفاتُ المؤمن وحركاتُه وفقَ الدساتير السامية التي وضعها الحديث الشريف: (الحبُ في اللّٰه والبُغضُ في اللّٰه)[٭]: أبو داود، السنة ٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٤٦؛ البزار، المسند ٩/٤٦١. وانظر: الطيالسي، المسند ١٠١؛ ابن أبى شيبة، المصنف ٦/١٧٠، ١٧٢، ٧/٨٠. والاحتكام إلى أمر اللّٰه في الأمور
— 333 —
كلها، فالنفاق والشقاق يسودان.. نعم، إن الذي لا يستهدي بتلك الدساتير يكون مقترفًا ظلمًا في الوقت الذي يروم العدالة.
حادثة ذات عبرة: في إحدى الغزوات الإسلامية، كان الإمام علي رضي اللّٰه عنه يبارز أحد فرسان المشركين فتغلب عليه الإمام وصرعه. فلما أراد الإمام أن يُجهِز عليه تفل على وجه الإمام. فما كان من الإمام إلّا أن أخلى سبيله وانصرف عنه، فاستغرب المشرك من هذا العمل.
فقال: إلى أين؟
قال الإمام: كنت أقاتلك في سبيل اللّٰه، فلما فعلتَ ما فعلت خشيت أن يكون قتلي إياك فيه ثأر لنفسي فأطلقتُك للّٰه.
فأجابه الكافر: كان الأولى أن تثيرَك فعلتي أكثر فتسرع في قتلي!. وما دمتم تدينون بدين هو في منتهى الإخلاص فهو بلا شك دين حق. [٭]: انظر: المثنوي الرومي، ترجمة الكفافي ج ١ ص٤٤٣.
وحادثة أخرى: عزل حاكم مسلم قاضيه، لمّا رأى منه شيئًا من الحدة والغضب أثناء قطعه يدَ السارق. فما ينبغي لمن ينفذ أمر اللّٰه أن يحمل شيئًا من حظّ نفسه على المحكوم، بل عليه أن يشفق -من حيث النفس- على حاله دون أن تأخذه رأفةٌ في تنفيذ حكم اللّٰه. وحيث إن شيئًا من حظّ النفس قد اختلط في الأمر وهو مما ينافي العدالة الخالصة فقد عُزل القاضي.
مرض اجتماعي خطر وحالة اجتماعية مؤسفة أصابت الأمة الإسلامية يَدْمَى لها القلب:
إنَّ أشد القبائل تأخرًا يدركون معنى الخطر الداهم عليهم، فتراهم ينبذون الخلافات الداخلية، وينسون العداوات الجانبية عند إغارة العدو الخارجي عليهم.
وإذ تقدّر تلك القبائلُ المتأخرة مصلحتَهم الاجتماعية حقَّ قدرِها، فما للذين يتولون خدمة الإسلام ويدعون إليه لا ينسون عداوتهم الجزئية الطفيفة فيمهّدون بها سبلَ إغارة الأعداء الذين لا يحصرهم العدّ عليهم؟! فلقد تراصف الأعداءُ حولَهم وأطبقوا عليهم من كل مكان.. إنَّ هذا الوضع تدهورٌ مخيف، وانحطاط مفجع، وخيانة بحق الإسلام والمسلمين.
— 334 —
وأذكرُ للمناسبة حكاية ذات عبرة:
كانت هناك قبيلتان من عشيرة "حَسنان" و كانت بينهما ثارات دموية، حتى ذهب ضحيتَها أكثرُ من خمسين رجلًا، ولكن ما إن يداهمهما خطرٌ خارجي من قبيلة "سبكان" أو "حيدران" إلّا تتكاتفان وتتعاونان وتنسيان كليًا الخلافات لحين صدّ العدوان.
فيا معشر المؤمنين، أتدرون كم يبلغ عددُ عشائر الأعداء المتأهبين للإغارة على عشيرة الإيمان؟ إنهم يزيدون على المائة وهم يحيطون بالإسلام والمسلمين كالحلقات المتداخلة. فبينما ينبغي أن يتكاتف المسلمون لصد عدوان واحد من أولئك، يعاند كلُّ واحد وينحاز جانبًا سائرًا وفق أغراضه الشخصية كأنه يمهّد السبيل لفتح الأبواب أمام أولئك الأعداء ليدخلوا حَرم الإسلام الآمن.. فهل يليق هذا بأمة الإسلام؟
وإن شئت أن تُعدّد دوائر الأعداء المحيطة بالإسلام، فهم ابتداء من أهل الضلالة والإلحاد وانتهاء إلى عالم الكفر ومصائب الدنيا وأحوالها المضطربة جميعها، فهي دوائرُ متداخلةٌ تبلغ السبعين دائرة، كلُّها تريد أن تصيبَكم بسوء، وجميعُها حانقةٌ عليكم وحريصة على الانتقام منكم، فليس لكم أمام جميع أولئك الأعداء الألدّاء إلّا ذلك السلاح البتّار والخندق الأمين والقلعة الحصينة، ألاَ وهي الأخوة الإسلامية. فأفِق أيها المسلم! واعلم أن زعزعة قلعة الإسلام الحصينة بحُجج تافهةٍ وأسباب واهية، خلافٌ للوجدان الحي وأيُّ خلاف ومناف لمصلحة الإسلام كليًا.. فانتبه!
ولقد ورد في الأحاديث الشريفة ما مضمونه: أن الدجال و السفياني وأمثالَهما من الأشخاص الذين يتولون أهل الزندقة والنفاق ويظهرون في آخر الزمان، يستغلون الشیقاق بين النیاس والمسلمين ويستفيدون من تكالبهم على حطیام الدنيیا، فيُهلكون البشیرية بقوة ضئيلة، وينشیرون الهیرجَ والمیرج بينها ويسيطرون على أمیة الإسلام ويأسیرونها.
أيها المؤمنون!
إن كنتم تريدون حقًا الحيیاة العزيزة، وترفضون الرضوخ لأغلال الذل والهوان، فأفيقوا من رقدَتِكم، وعودوا إلى رشدكم، وادخلوا القلعة الحصينة المقدسة: اِنَّمَا الْیمُؤْمِنُونَ اِخْوَةٌ (الحجرات: ١٠) وحصّنوا أنفسكم بها من أيدي أولئك الظلمة الذين يستغلون خلافاتكم
— 335 —
الداخلية.. وإلّا تعجزون عن الدفاع عن حقوقكم بل حتى عن الحفاظ على حياتكم، إذ لا يخفى أن طفلًا صغيرًا يستطيع أن يضرب بَطَلين يتصارعان، وأن حصاة صغيرة تلعب دورًا في رفع كفة ميزان وخفض الأخرى ولو كان فيهما جبلان متوازنان.
فيا معشر أهل الإيمان!
إنَّ قوتكم تذهب أدراج الرياح من جراء أغراضكم الشخصية وأنانيتكم وتحزبكم، فقوةٌ قليلة جدًّا تتمكن من أن تذيقكم الذلَّ والهلاك. فإن كنتم حقًا مرتبطين بملة الإسلام فاستهدُوا بالدستور النبوي العظيم:
(المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًَا)[٭]: البخاري، الصلاة ٨٨؛ مسلم، البر ٦٥.
وعندها فقط تسلَمون من ذل الدنيا وتنجون من شقاء الآخرة.
الوجه السادس: إن الحياة المعنوية وصحة العبودية تتزعزعان بسبب العداء والعناد، إذ يضيع الإخلاص الذي هو واسطة الخلاص ووسيلة النجاة!. ذلك لأن المعاند الذي ينحاز إلى رأيه وجماعته يروم التفوقَ على خصمه حتى في أعمال البر التي يزاولها. فلا يوفَّق توفيقًا كاملًا إلى عمل خالص لوجه اللّٰه. ثم إنه لا يوفَّق أيضًا إلى العدالة، إذ يرجِّح في أحكامه ومعاملاته الموالين لرأيه الموافقين له على غيرهم.. وهكذا يضيع أساسان مهمان لبناء البِرّ "الإخلاص والعدالة" بالخصام والعداء.
إنَّ بحث هذا الوجه يطول، فلا يتسع هذا المقام أكثر من هذا القدر، فنكتفي به.