— 264 —
المرتبة السادسة عشرة من رسالة "الآية الكبرى"
التي تبحث عن "الرسالة الأحمدية"
(لمناسبة المقام أُلحقت هذه المرتبة هنا)
ثم خاطب ذلك السائحُ في الدنيا عقلَه قائلًا: ما دمتُ أبحث عن مالكي وخالقي باستنطاق موجودات الكون هذا. فمن الأَولى لي أن أزور مَن هو أكملُ إنسان في الوجود، وأعظمُ من يقود إلى الخير -حتى بتصديق أعدائه- وأعلاهم صيتًا وأصدقُهم حديثًا وأسماهم منیزلةً وأنورُهم عقلًا، ألا وهو محمد (ص) الذي أضاء بفضائله وبقرآنه أربعةَ عشر قرنًا من الزمان.. ولأجل أن أحظى بزيارته الكريمة وأستفسرَ منه ما أبحثُ عنه، ينبغي أن نذهب معًا إلى خير القرون إلى عصر السعادة.. عصر النبوة... فدخل بعَقله إلى ذلك العصر فرأى أن ذلك العصر قد صار به (ص) عصرَ سعادةٍ للبشرية حقًا. لأنه (ص) قد حوّل في زمن يسير بالنور الذي أتى به قومًا غارقين في أشدِّ أمّية، وأعرقِ بداوةٍ حوّلَهم إلى أساتذةِ العالَم وسادتِه.
وكذا خاطب عقلَه قائلًا: "علينا قبل كل شيء أن نعرف شيئًا عن عظمة هذه الذات المعجزة وعن أحقية أحاديثِه وصدق إخباره. ثم نستفسر منه عن خالقنا سبحانه".. فباشر بالبحث. فوجَد على صِدق نبوته من الأدلة القاطعة الثابتة ما لا يُعد ولا يحصى، ولكنه خلُص إلى تسع منها:
أولها: هو اتّصافُه (ص) بجميع السجايا الفاضلة والخصال الحميدة، حتى شهد بذلك غرماؤه.. وظهورُ مئات المعجزات منه؛ كانشقاق القمر الذي انشقّ إلى نصفين بإشارة من إصبعه كما نصَّ عليه القرآن: وانشق القمر (القمر: ١).. وانهزامُ جيش الأعداء بما دخل أعيُنَهم جميعًا من التراب القليل الذي رماه عليهم بقبضته، كما نصت عليه الآية الكريمة: وما رميت اذ رميت ولكن اللّٰه رمى (الأنفال: ١٧).. وارتواءُ أصحابه من الماء النابع كالكوثر من بين أصابعه الخمسة المباركة عندما اشتدّ بهم العطشُ.. وغيرُها من مئات
— 265 —
المعجزات التي ظهرت بين يديه، والمنقولة إلينا نقلًا صحيحًا قاطعًا أو متواترًا، فاستطلَعها السائحُ إلى "المكتوب التاسع عشر" أي رسالة "المعجزات الأحمدية" تلك الرسالة الخارقة ذات الكرامة المتضمنة لأكثر من ثلاثمائة معجزة من معجزاته (ص) بدلائلها القاطعة وأسانيدها الموثوقة.
ثم حدّث نفسَه قائلًا: "إنَّ مَن كان ذا "أخلاق حسنة" بهذا القدر و "فضائل" إلى هذا الحد، و "معجزات" باهرة بهذه الكثرة، فلا جرم أنه صاحبُ أصدق حديث ومن ثم لا يمكن أبدًا -وحاشاه- أن يتنازل إلى الحيلة والكذب والتَمويه التي هي دأب الفاسدين".
ثانيها: كونُ القرآن الذي بيده (ص) معجِزًا من سبعة أوجه، ذلك الأمر الصادر من مالك الكون الذي يسلّم به ويصدّقُه أكثرُ من ثلاثمائة مليونٍ من البشر في كل عصر. ولما كانت "الكلمة الخامسة والعشرون" أي رسالة "المعجزات القرآنية" وهي شمس "رسائل النور" قد أثبتت بدلائل قوية أنَّ هذا القرآن الكريم معجِزٌ من أربعين وجهًا، وأنه كلام رب العالمين، لذا أحال السائحُ ذلك إلى تلك الرسالة المشهورة لبيانها المفصل للإعجاز. ثم قال: إنَّ الأمين على كلام اللّٰه، والمترجِم الفعلي له، والمبلِّغ لهذا النبأ العظيم إلى الناس كافة، وهو الحق بعينه والحقيقة بذاتِها، لا يمكن أنْ يصدر منه كذبٌ قط، ولن يكون موضعَ شبهة أبدًا.
ثالثها: إنه (ص) قد بعث بشريعةٍ مطهَّرة، وبدِينٍ فطري، وبعبودية خالصة، وبدعاء خاشع، وبدعوة شاملة، وبإيمان راسخ، لا مثيلَ لما بُعثَ به ولن يكون، وما وُجِد أكملَ منه ولن يوجد.
لأن "الشريعة" التي تجلّت من أمّي (ص) وأدارت خمسَ البشرية على اختلافها منذ أربعة عشر قرنًا إدارةً قائمة على الحق والعدل بقوانينها الدقيقة الغزيرة، لا تقبل مثيلًا أبدًا.
وكذا "الإسلام" الذي صدر من أفعال أمّيٍ (ص) ومن أقواله، ومن أحواله، هو رائد ثلاثمائة مليون من البشر ومرجعُهم في كل عصر، ومعلّمٌ لعقولهم ومرشدٌ لها، ومنوِّرٌ لقلوبهم ومهذِّبٌ لها، ومربٍّ لنفوسهم ومزكٍّ لها، ومدارٌ لانكشاف أرواحهم ومعدِنٌ لسموها، لم يأت ولن يأتيَ له مثيل.
— 266 —
وكذا تفوُّقُه (ص) في جميع أنواع "العبادات" التي يتضمنها دينُه، وتقواه العظيمة أكثر من أي أحدٍ كان، وخشيتُه الشديدة من اللّٰه ومجاهدتُه المتواصلة ورعايتُه الفائقة لأدقّ أسرار العبودية حتى في أشدّ الأحوال والظروف، وقيامُه (ص) بتلك العبودية الخالصة، دون أن يقلّد أحدًا وبكل معانيها مبتدئًا، وبأكملِ صورة، موحِّدًا الابتداء والانتهاء، لا شك لم يُرَ ولن يُرَى له مثيل.
وكذا فإنه يصف، "بالجوشن الكبير" -الذي هو واحدٌ من آلاف أدعيته ومناجاته- يصف ربَّه بمعرفةٍ ربانية سامية لم يبلغ العارفون والأولياء جميعًا تلك المرتبة من المعرفة، ولا درجةَ ذلك الوصف منذ القِدَم مع تلاحق الأفكار.. مما يُظهِر أنه لا مثيلَ له في "الدعاء". ومن ينظر إلى الإيضاح المختصر لفقرة واحدة من بين تسع وتسعين فقرة للجوشن الكبير، وذلك في مستهل رسالة "المناجاة" لا يسَعُه إلّا القول أنه لا مثيل لهذا الدعاء الرائع (الجوشن) الذي يمثّل قمة المعرفة الربانية.
وكذا فإن إظهاره في "تبليغ الرسالة" وفي دعوته الناسَ إلى الحق من الصلابة والثبات والشجاعة ما لا يقاربُها أحدٌ، فلم يُداخله -ولو بمقدار ذرة- أيُّ أثرٍ للتردد ولا ساوَرَه القلقُ قط، ولم ينَل الخوفُ منه شيئًا، رغم معاداة الدول الكبرى والأديان العظمى له -وحتى قومه وقبيلته وعمه ناصَبوه العداء الشديد- فتحدّى وحده الدنيا بأسرها، ونصره اللّٰه وأعزّه فكلل هامة الدنيا بتاج الإسلام، فمَن مِثلُ محمد (ص) في تبليغ رسالات اللّٰه؟..
وكذا حملُه "إيمانًا قويًا راسخًا، ويقينًا جازمًا خارقًا، وانكشافًا للفطرة معجِزًا، واعتقادًا ساميًا ملأ العالَم نورًا" فلم تتمكن أن تؤثر فيه جميعُ الأفكار والعقائد وحكمةُ الحكماء وعلومُ الرؤساء الروحانيين السائدة في ذلك العصر، ولو بشبهةٍ، أو بتردد، أو بضعف، أو بوسوسة. نعم، لم تتمكن أن تؤثرَ لا في يقينه، ولا في اعتقاده ولا في اعتماده على اللّٰه، ولا في اطمئنانه إليه، مع معارضتِها له ومخالفتها إياه، وإنكارِها عليه. زد على هذا استلهامَ جميعِ الذين ترقّوا في المعنويات والمراتب الإيمانية من أهل الولاية والصلاح، وفي مقدّمتهم الصحابة الكرام، واستفاضتهم دومًا من مرتبته الإيمانية، ورؤيتهم له أنه في أسمى الدرجات والمراتب. كل ذلك يُظهر -بداهة- أن إيمانَه (ص) لا مثيل له أيضًا.
— 267 —
ففهم السائح وصدق عقلُه أيضًا أن مَن كان صاحبَ هذه الشريعة السمحاء التي لا مثيل لها، والإسلامِ الحنيف الذي لا شبيه له، والعبوديةِ الخالصة التي لا نظير لها، والدعاءِ البديع الرائع، والدعوى الكونية الشاملة، والإيمانِ المعجِز، لن يكونَ عنده كذبٌ قط، ولن يكون خادعًا أبدًا.
الدليل الرابع: إجماعُ الأنبياء عليهم السلام واتفاقُهم على الحقائق الإيمانية نفسِها كما أنه دليلٌ قاطع على وجود اللّٰه سبحانه وعلى وحدانيته، فهو شهادةٌ صادقة أيضًا على صدقِ هذا النبي (ص) وعلى رسالته، ذلك لأن كلَّ ما يدلّ على صدق نبوة أولئك الأنبياء عليهم السلام، وكلَّ ما هو مدارٌ لنبوتهم من الصفات القدسية، والمعجزاتِ، والمهامِّ التي اضطلعوا بها يوجد مثلُها وبأكملَ منها فيه (ص)، كما هو مصدَّق تاريخًا. فأولئك الأنبياء عليهم السلام قد أخبروا بلسان المقال -أي بالتوراة والإنجيل والزبور والصحف التي بين أيديهم- بمجيء هذه الذات المباركة وبشّروا الناس بقدومه (ص) (حتى إن أكثر من عشرين إشارة واضحة ظاهرة من الإشارات المبشِّرة لتلك الكتب المقدسة قد بُيّنت بيانًا جليًا وأُثبتت في رسالة المعجزات الأحمدية) فكما أنهم قد بشّروا بمجيئه (ص) فإنهم يصدّقونه (ص) بلسان حالهم -أي بنبوتهم وبمعجزاتهم- ويختمون بالتأييد على صدق دعوتِه إذ هو السابقُ الأكملُ في مهمة النبوة والدعوة إلى اللّٰه. فأدرك السائحُ أنهم مثلما يدلّون -أي أولئك الأنبياءُ- بلسان المقال والإجماع على الوحدانية، فإنهم يشهدون -بلسان الحال وبالاتفاق كذلك- على صدق هذا النبي الكريم (ص).
الدليل الخامس: إن وصولَ آلاف الأولياء إلى الحق والحقيقة، وما نالوا من الكمالات والكرامات وما فازوا من الكشفيات والمشاهدات ليس إلّا بالاقتداء بهَدي دساتير هذا النبي (ص)، وبتربيته، وباتّباعه، وتعقّب أثَره، فمثلما أنهم يدلّون جميعًا على الوحدانية فهم يشهدون بالإجماع والاتفاق على صدق هذا النبي الكريم (ص) -أستاذهم وإمامهم- وعلى أحقّية رسالته. فرأى السائحُ أن مشاهدة هؤلاء قسمًا مما أخبرَ به (ص) من عالم الغيب بنور الولاية واعتقادهم به وتصديقهم لجميع ما أخبر به بنور الإيمان له -إما بعلم اليقين أو بعين اليقين أو بحق اليقين- إنما تُظهر ظهورًا كالشمس: ما أصدقَ مرشدَهم الأعظم وما أحقَّ رائدَهم الأكبر (ص).
— 268 —
الدليل السادس: إن ملايينَ العلماء المُدققين الأصفياء، والمحَققين الصديقين، ودهاةَ الحكماء المؤمنين، ممن بلغوا أعلى المراتب بفضل ما درسوا وتتلمذوا على ما جاء به هذا النبيُّ الكريم (ص) -مع كونه أميًا- من الحقائق القدسية، وما أبدعه من العلوم العالية، وما كشفه من المعرفة الإلهية.. إن هؤلاء جميعًا مثلما يُثبتون الوحدانية التي هي الأساس لدعوته (ص) ويصدقّونها متفقين ببراهينهم القاطعة فإنهم يتفقون كذلك ويشهدون على صدق هذا المعلِّم الأكبر وصوابِ هذا الأستاذ الأعظم وعلى أحقيةِ كلامه (ص). فشهادتُهم هذه حجةٌ واضحة كالنهار على صدقه وصواب رسالته، وما "رسائل النور" بأجزائها التي تزيد على المائة مثلًا إلّا برهانٌ واحد فقط على صدق وصواب هذا النبي الحبيب (ص).
الدليل السابع: إن الجمعَ العظيم الذين يُطلق عليهم (الآل والأصحاب) الذين هم أشهرُ بني البشر بعد الأنبياء فراسةً وأكثرُهم درايةً، وأسماهم كمالاتٍ وأفضلُهم منیزلة، وأعلاهم صيتًا، وأشدُّهم اعتصامًا بالدين، وأحدُّهم نظرًا... إن تحريّ هؤلاء وتفتيشَهم وتدقيقهم لجميع ما خفيَ وما ظهرَ من أحوال هذا النبي الكريم (ص) وأفكارِه وتصرفاتِه بحثًا بكمال اللهفة والشوق، وبغاية الدقة، وبمنتهى الجدّية، ثم تصديقهم بالاتفاق والإجماع أنه (ص) هو أصدقُ مَن في الدنيا حديثًا، وأسماهم مكانةً وأشدُّهم اعتصامًا بالحق والحقيقة. فتصديقُهم هذا الذي لا يتزعزع مع ما يملكون من إيمان عميق، إنما هو دليلٌ باهر كدلالة النهار على ضياء الشمس.
الدليل الثامن: إنَّ هذا الكون مثلما يدل على صانعِه، وكاتبِه، ومصوِّره الذي أوجده، والذي يديره، ويرتّبه، ويتصرف فيه بالتصوير والتقدير والتدبير كأنه قصرٌ باذخ، أو كأنه كتابٌ كبير، أو كأنه مَعرِضٌ بديع، أو كأنه مشهر عظيم، فهو كذلك يستدعي لا محالة وجودَ مَن يعبّر عما في هذا الكتاب الكبير من معانٍ، ويعلَم ويُعلِّم المقاصد الإلهية من وراء خلق الكون، ويعلِّم الحكم الربانية في تحولاته وتبدلاته، ويدرِّس نتائج حركاته الوظيفية، ويعلن قيمةَ ماهيته وكمالات ما فيه من الموجودات. أي يقتضي داعيًا عظيمًا، ومناديًا صادقًا، وأستاذًا محققًا، ومعلِّمًا بارعًا. فأدرك السائحُ: أن الكون -من حيث هذا الاقتضاء- يدل ويشهد على صدق هذا النبي الكريم (ص) وصوابِه الذي هو أفضلُ من أتمّ هذه الوظائف والمهمات، وعلى كونه أفضلَ وأصدقَ مبعوث لرب العالمين.
— 269 —
الدليل التاسع: ما دام هناك وراء الحجاب مَن يشهر كمالات إبداعه، بمصنوعاته هذه؛ ذات الإتقان والحكمة.. ويعرِّف نفسَه ويودِّدُها، بمخلوقاته غير المحدودة ذات الزينة والجمال.. ويُوجِب الشكرَ والحمد له، بنِعَمه التي لا تُحصى ذات اللذة والنفاسة.. ويشوّق الخلقَ إلى العبادة نحو ربوبيته بعبودية تتّسم بالحب والامتنان والشكر إزاء هذه التربية، والإعاشة العامة، ذات الشفقة والحماية (حتى إنه يهيئ أطعمة وضيافات ربانية ما تُطَمئِن أدقَّ أذواق الأفواه وجميع أنواع الاشتهاء)... ويُدين الخلقَ إلى الإيمان والتسليم والانقياد والطاعة نحو ألوهيته التي يُظهرها بتبديل المواسم، وتكوير الليل على النهار، واختلافهما، وأمثالها من التصرفات العظيمة، والإجراءات الجليلة، والفعالية المدهشة والخلاقية الحكيمة... ويُظهر عدالتَه وانتصافه بحمايته دومًا البرَّ والأبرار وإزالته الشر والأشرار ومَحقِه الظالمين والكذابين وإهلاكِهم بنوازل سماوية.
فلا جرم، أنَّ أَحب مخلوقٍ لدى ذلك المستتر بالغيب، وأصدقَ عبدٍ له هو مَن كان عاملًا خالصًا لمقاصده المذكورة آنفًا، ومَن يحُلّ السر الأعظم في خلق الكون ويكشف لَغزَه، ومن يسعى دومًا باسم خالقه ويستمد القوة منه ويستعين به وحده في كل شيء فينال المَدَد والتوفيق منه سبحانه. ومن ذا يكون هذا غيرَ محمد القرشي عليه الصلاة والسلام.
ثم خاطب السائح عقلَه: "لَمّا كانت هذه الحقائق التسع شاهدةَ إثبات على صدق هذا النبي الكريم (ص). فلا ريب إذن: أنه قُطبُ شرَف البشرية، ومدارُ افتخار العالم، وأنه حَريّ ولائق تسميتُه شرفُ بني آدم، وتلقيبُه بفَخر العالمين. وأن ما في يده من أمر الرحمن وهو القرآن الكريم المهيمنُ جلالُ سلطانه المعنوي على نصف الأرض مع ما يملك من كمالاته الشخصية وخصاله السامية يظهران أن أعظم إنسان في الوجود هو هذا النبي العظيم، فالقول الفصلُ إذن بحق خالقنا سبحانه هو قولُه (ص)".
فتعال يا عقلي وتأمل: إنَّ أساس جميع دعاوى هذا النبي الكريم (ص)، وغايةَ حياته كلِّها، إنما هي الشهادة على وجود واجب الوجود، والدلالة على وحدانيته، وبيان صفاته الجليلة، وإظهار أسمائه الحسنى، وإثبات كل ذلك، وإعلانه، وإعلامه؛ استنادًا إلى ما في دينه من ألوف الحقائق الراسخة الأساس وإلى قوة ما أظهره اللّٰه على يده من مئاتٍ من معجزاته القاطعة الباهرة.
— 270 —
أي أنَّ الشمس المعنوية التي تضيء هذا الكون والبرهانَ النيّر على وجود خالقنا سبحانه ووحدانيته، إنما هو هذا النبي الكريم الملقّب بی"حبيب اللّٰه" (ص). فهنالك ثلاثة أنواع من الإجماع عظيمة لا تخدع ولا تنخدع، تؤيد شهادته وتصدّقها:
الإجماع الأول: إجماعُ الذين اشتهروا، وتميزوا في العالم باسم (آل محمد (ص)) تلك الجماعة النورانية التي يتقدمها الإمامُ علي رضي اللّٰه عنه الذي قال: "لو رُفع الحجاب ما ازددتُ يقينًا"، وخلفَه آلاف الأولياء العظام من ذوي البصائر الحادة والنظر الأنيس للغيب من أمثال الشيخ الكيلاني (قُدس سرُّه) الذي كان ينظر ببصيرته النافذة إلى العرش الأعظم وإسرافيلَ بعظمته وهو بعدُ على الأرض.
الإجماع الثاني: إجماع تلك الجماعة المعروفة بالصحابة الكرام المشهورين في العالم رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين وتصديقُهم بالاتفاق وبإيمان راسخ قوي لهذا النبي الكريم، حتى ساقهم ذلك إلى التضحية والفداء بأرواحهم وأموالهم وآبائهم وعشيرتهم، وهم الذين كانوا قومًا بدوًا يقطنون في محيط أمّيٍ خالٍ من مظاهر الحياة الاجتماعية والأفكار السياسية، ليس لهم هدى ولا كتاب منير. وكانوا مغمورين في ظلمة عصر "الفترة"، فصاروا في زمن يسير أساتذةً مرشدين وسياسيين وحكامًا عادلين لأرقى الأمم حضارة وعلمًا واجتماعًا وسياسةً، فحكموا العالم شرقًا وغربًا ورفرفت راياتُ عدالتهم برًا وبحرًا.
الإجماع الثالث: هو تصديق الجماعة العظيمة من العلماء الأجلاء الذين لا يُعدون ولا يُحصَون، المتبحرين في علومهم والمحققين المدققين الذين نشأوا في أمته وسلكوا مسالك شتى، ولهم في كل عصر آلافٌ من الحائزين على قصب السبق -بدهائهم- في كل علم. فتصديقُ هؤلاء جميعًا له بالاتفاق وبدرجة علم اليقين إجماعٌ أيُّ إجماع!..
فحَكَم السائح بأن شهادة هذا النبي الأمي (ص) على الوحدانية ليست شهادةً شخصية وجزئية، وإنما هي شهادةٌ عامة وكلّيةٌ راسخة لا تتزعزع، ولن تستطيع أن تجابهها الشياطينُ كافة في أية جهة ولو اجتمعوا عليها.
وهكذا ذُكرتْ إشارةٌ مختصرة لما تلقّاه ذلك السائح الذي جال بعقله في عصر السعادة جوانبَ الحياة من تلك المدرسة النورانية في "المرتبة السادسة عشرة من المقام الأول" كالآتي:
— 271 —
«لاَ إِلٰهَ إِلَّا اللّٰه الْوَاجِبُ الْوُجُودِ الْوَاحِدُ الْأَحَدُ الَّذي دَلَّ عَلٰى وُجُوبِ وُجُودِه في وَحْدَتِه: فَخْرُ العَالَمِ وَشَرَفُ نَوْعِ بَني أٰدَمَ بِعَظَمَةِ سَلْطَنَةِ قُرْأٰنِه، وَحِشْمَةِ وُسْعَةِ دينِه، وَكَثْرَةِ كَمَالاَتِه، وَعُلْوِيَّةِ أَخْلاَقِه، حَتّٰى بِتَصْديقِ أَعْدَائِه، وَكَذَا شَهِدَ وَبَرْهَنَ بِقُوَّةِ مِئَاتِ مُعْجِزَاتِهِ الظَّاهِرَاتِ الْبَاهِرَاتِ الْمُصَدِّقَةِ الْمُصَدَّقَةِ، وِبِقُوَّةِ أٰلاَفِ حَقَائِقِ دينِهِ السَّاطِعَةِ الْقَاطِعَةِ، بِإِجْمَاعِ أٰلِه ذَوِي الْأَنْوَارِ، وَبِاتِّفَاقِ أَصْحَابِه ذَوِي الْأَبْصَارِ، وَبِتَوَافُقِ مُحَقِّقي أُمَّتِه ذَوِي الْبَرَاهينِ وَالْبَصَائِرِ النَّوَّارَةِ.»