المكتوبات العربية
— 260 —

قطعة من ذيل رسالة "المعجزات الأحمدية"

كُتب هذا البحث -ضمن بحوث دلائل النبوة الأحمدية- جوابًا عن سؤال ورد في الإشكال الأول من ثلاثة إشكالات مهمة وردت في نهاية الأساس الثالث من رسالة "المعراج" فهو بمثابة فهرس مختصر.).
سؤال: لِمَ اختُصَّ بهذا المعراج العظيم محمدُ (ص) ؟
الجواب: إن إشكالكم الأول هذا، قد حُلَّ مفصلًا في الكلمات الثلاث والثلاثين ضمن كتاب "الكلمات"، إلّا أننا نشير هنا مجرد إشارة مجملة على صورة فهرس موجز إلى كمالات النبي الكريم (ص)، ودلائل نبوته، وأنه هو الأحرى بهذا المعراج العظيم.
أولا: إن الكتب المقدسة، التوراة والإنجيل والزبور تضم بشاراتٍ بنبوة الرسول الكريم (ص) وإشارات إليه، رغم تعرّضها إلى التحريفات طوال العصور. وقد استنبط في عصرنا هذا العالمُ المحقق حسين الجسر عشرًا ومائة بشارة منها، وأثبتها في كتابه الموسوم "الرسالة الحميدية".
ثانيًا: إنه ثابت تاريخيًا، ورويت بروايات صحيحة، بشارات كثيرة بشّر بها الكهانُ من أمثال الكاهنين المشهورين: شِق وسطيح، قبيل بعثته (ص) وأَخبرا أنه نبي آخر الزمان.
ثالثًا: ما حدث ليلةَ مولده (ص) من سقوط الأصنام في الكعبة وانشقاق إيوان كسرى وأمثالِها من مئات الإرهاصات والخوارق المشهورة في كتب التاريخ.
رابعًا: نبعانُ الماء من بين أصابعه الشريفة وسقيه الجيش به، وحنينُ الجذع اليابس الموجود في المسجد النبوي إلى رسول اللّٰه (ص) لفراقه عنه وأنينُه أمام جماعة غفيرة من الصحب الكرام وانشقاق القمر كما نصت عليه الآية الكريمة: وانشق القمر وأمثالُها من المعجزات الثابتة لدى العلماء المحققين والتي تبلغ الألف قد أثبتتها كتب السير والتاريخ.
— 261 —
خامسًا: لقد اتفق الأعداء والأولياء بما لا ريب فيه أن ما يتحلى به (ص) من الأخلاق الفاضلة هو في أسمى الدرجات، وأن ما يتصف به من سجايا حميدة في دعوته هو في أعلى المراتب، تشهد بذلك معاملاتُه وسلوكُه مع الناس. وأن شريعته الغراء تضم أكمل الخصال الحسنة، تشهد بذلك محاسنُ الأخلاق في دينه القويم.
سادسًا: لقد أشرنا في الإشارة الثانية من "الكلمة العاشرة" إلى أن الرسول الكريم (ص) هو الذي أظهر أعلى مراتب العبودية وأسماها بالعبودية العظيمة في دينه تلبيةً لإرادة اللّٰه في ظهور ألوهيته بمقتضى الحكمة.
وأنه هو كذلك -كما هو بديهي- أكرمُ دالّ على جمالٍ في كمالٍ مطلق لخالق العالم وأفضلُ معرّف لبّى إرادةَ اللّٰه سبحانه في إظهار ذلك الجمال بوساطة مبعوثٍ كما تقتضيه الحكمة والحقيقة.
وأنه هو كذلك -كما هو مشاهد- أعظمُ دالّ على كمال صنعةٍ في جمال مطلق لصانع العالم، وبأعظم دعوة وأندى صوت، فلبّى إرادةَ اللّٰه جل وعلا في جلب الأنظار إلى كمال صنعته والإعلان عنها.
وأنه هو كذلك -بالضرورة- أكملُ مَن أعلن عن جميع مراتب التوحيد، فلبّى إرادة رب العالمين في إعلان الوحدانية على طبقات كثرة المخلوقات.
وأنه هو كذلك -بالضرورة- أجلى مرآة وأصفاها لعكس محاسنِ جمال مالك العالم ولطائفِ حُسنه المنیزّه -كما تشير إليه آثاره البديعة- وهو أفضلُ مَن أحبَّه وحبَّبه، فلبّى إرادته سبحانه في رؤية ذلك الجمال المقدس وإراءته بمقتضى الحقيقة والحكمة.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أعظمُ مَن عرَّف ما في خزائن الغيب لصانع هذا العالم، تلك الخزائن الملآى بأبدع المعجزات وأثمن الجواهر، وهو أفضلُ مَن أعلن عنها ووصفها، فلبّى إرادته سبحانه في إظهار تلك الكنوز المخفية.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أكملُ مرشد بالقرآن الكريم للجن والإنس بل للروحانيين والملائكة، وأعظمُ مَن بيّن معاني آثار صانع هذه الكائنات التي زيّنها بأروع زينة ومكّن فيها
— 262 —
أرباب الشعور من مخلوقاته لينعموا بالنظر والتفكر والاعتبار، فلبّى إرادته سبحانه في بيان معاني تلك الآثار وتقدير قيمتها لأهل الفكر والمشاهدة.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أَحسنُ من كشف بحقائق القرآن عن مغزى القصد من تحولات الكائنات والغاية منها، وأَكملُ مَن حلّ اللغز المحير في الموجودات. وهو أسئلة ثلاثة معضلة: مَن أنت؟ ومن أين؟ وإلى أين؟ فلبّى إرادته سبحانه في كشف ذلك الطلسم المغلق لذوي الشعور بوساطة مبعوث.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أَكملُ مَن بيّن المقاصد الإلهية بالقرآن الكريم وأحسنُ مَن وضّح السبيل إلى مرضاة رب العالمين، فلبّى إرادته سبحانه في تعريف ما يريده من ذوي الشعور وما يرضاه لهم بوساطة مبعوث، بعدما عرّف نفسَه لهم بجميع مصنوعاته البديعة وحبَّبها إليهم بما أسبغ عليهم من نِعَمه الغالية.
وأنه هو كذلك -بالبداهة- أَعظمُ من استوفى مهمةَ الرسالة بالقرآن الكريم وأدّاها أفضلَ أداء في أسمى مرتبة وأَبلغَ صورةٍ وأحسنَ طرازٍ، فلبّى إرادة رب العالمين في صرفِ وجهِ هذا الإنسان من الكثرة إلى الوحدة ومن الفاني إلى الباقي، ذلك الإنسان الذي خلَقه سبحانه ثمرةً للعالم ووهبَ له من الاستعدادات ما يسعُ العالمَ كله وهيأه للعبودية الكلية وابتلاه بمشاعرَ متوجهةٍ إلى الكثرة والدنيا.
وحيث إنّ أشرفَ الموجودات هم ذوو الحياة، وأنبلَ الأحياء هم ذوو الشعور، وأكرمَ ذوي الشعور هم بنو آدم الحقيقيون الكاملون، لذا فالذي أدّى من بين بني الإنسان المكرم تلك الوظائف المذكورة آنفًا وأعطى حقَّها من الأداء في أفضل صورةٍ وأعظمِ مرتبةٍ من مراتب الأداء، لا ريب أنه سيعرج -بالمعراج العظيم- فيكونُ قابَ قوسين أو أدنى، وسيطرق بابَ السعادة الأبدية وسيفتح خزائنَ الرحمة الواسعة، وسيرى حقائقَ الإيمان الغيبية رؤيةَ شهودٍ، ومن ذا يكون غير ذلكم النبي الكريم (ص)؟
سابعًا: يجد المتأمل في هذه المصنوعات المبثوثة في الكون أن فيها فعلَ التحسين في منتهى الجمال وفعلَ التزيين في منتهى الروعة، فبديهي أن مثل هذا التحسين والتزيين يدلان
— 263 —
على وجود إرادةِ التحسين وقصدِ التزيين لدى صانع تلك المصنوعات. فتلك الإرادة الشديدة تدل بالضرورة على وجود رغبةٍ قويةٍ سامية، ومحبةٍ مقدسةٍ لدى ذلك الصانع نحو صنعته...
لذا فمن البديهي أن يكون أحبُّ مخلوق لدى الخالق الكريم الذي يحبّ مصنوعاته هو مَن يتصف بأجمعِ تلك الصفات، ومَن يُظهر في ذاته لطائفَ الصنعة إظهارًا كاملًا، ومن يعرفُها ويعرِّفُها، ومَن يحبِّب نفسَه ويستحسن -بإعجاب وتقدير- جمالَ المصنوعات الأخرى.
فمَن الذي جعل السماوات والأرض ترنّ بصدى "سبحان اللّٰه... ما شاء اللّٰه... اللّٰه أكبر" من أذكار الإعجاب والتسبيح والتكبير تجاه ما يرصّع المصنوعات من مزايا تُزيّنُها ومحاسنَ تجمِّلُها ولطائفَ وكمالات تنوّرها؟ ومَن الذي هزّ الكائنات بنغمات القرآن الكريم فانجذب البرُّ والبحرُ إليها في شوق عارم من الاستحسان والتقدير في تفكر وإعلان وتشهير، في ذكر وتهليل؟ من ذا يكون تلك الذات المباركة غيرَ محمد الأمين (ص) ؟.
فمثلُ هذا النبي الكريم (ص) الذي يضافُ إلى كفة حسناته في الميزان مثلُ ما قامت به أمتُه من حسنات بسر "السبب كالفاعل"... والذي تُضاف إلى كمالاته المعنوية الصلواتُ التي تؤديها الأمة جميعًا.. والذي يُفاض عليه من الرحمة والمحبة الإلهية ما لا يحدهما حدود، فضلًا عما يناله من ثمراتِ ما أدّاه من مهمة رسالته من ثواب معنوي عظيم.. نعم، فمثلُ هذا النبي العظيم (ص) لا ريب أن ذهابه إلى الجنة، وإلى سدرة المنتهى، وإلى العرش الأعظم، فيكون قاب قوسين أو أدنى، إنما هو عينُ الحق، وذاتُ الحقيقة ومحضُ الحكمة.
[٭]:لقد ذكرت جريدة إسلامية تهتم بأحوال المسلمين بأن رجال السياسة المشهورين والحقوقيين المهتمين بالحياة الاجتماعية قد عقدوا مؤتمرًا في أوربا سنة ١٩٢٧، فتكلم في هذا المؤتمر فلاسفة أجانب حول الشريعة الإسلامية، ندرج أدناه نص كلامهم ثم نترجمه بالحرف الواحد، فتصبح لدينا (٤٥) شهادة صادقة حول أحقية الشريعة، وذلك بعد علاوة هاتين الشهادتين إلى تلك الشهادات الصادقة البالغة (٤٣) شهادة والمذكورة في ختام رسالة "منبع النور". والفضل ما شهدت به الأعداء:
وقد اعترف حتى علماء الغرب بسمو مبادئ الإسلام وصلاحها للعالم.. وقال عميد كلية الحقوق بجامعة فينا الأستاذ شبول في مؤتمر الحقوقيين المنعقد في سنة ١٩٢٧: (إن البشرية لتفتخر بانتساب رجل كمحمد (عليه الصلاة والسلام) إليها، إذ انه رغم أميته استطاع قبل بضعة عشر قرنًا أن يأتي بتشريع سنكون نحن الأوربائيين أسعد ما نكون لو وصلنا إلى قيمته بعد ألفي عام).
وقال برنارد شو: (لقد كان دين محمد (عليه الصلاة والسلام) موضع تقديري السامي دائمًا لما ينطوي عليه من حيوية مدهشة، لأنه على ما يلوح لي : هو الدين الوحيد الذي له ملكة الهضم لأطوار الحياة المختلفة والذي يستطيع لذلك أن يجذب إليه كل جيل من الناس وارى واجبًا أن يدعى محمد (عليه الصلاة والسلام) منقذ الإنسانية، واعتقد أن رجلًا مثله إذا تولى زعامة العالم الحديث ينجح في حل مشكلاته ويحلّ في العالم السلامة والسعادة (يعني المسالمة والصلح العمومي) وما أشد حاجة العالم اليوم إليها).