— 255 —
ذيل
الكلمة التاسعة عشرة والحادية والثلاثين
معجزة انشقاق القمر
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ اقتَرَبت الساعةُ وانشق القَمَر٭ وإنْ يَرَوا آيةً يُعرِضوا ويقولوا سحرٌ مستمرٌ ﴾
(القمر: ١-٢)
إن فلاسفةً ماديين، ومن يقلّدونهم تقليدًا أعمى، يريدون أن يطمِسوا ويخسِفوا معجزةَ انشقاق القمر الساطع كالبدر، فيثيروا حولَها أوهامًا فاسدة، إذ يقولون: "لو كان الانشقاق قد حدث فعلًا لعَرفَه العالمُ، ولذكرتْه كتبُ التاريخ كُلُّهَا!".
الجواب: إن انشقاق القمر معجزةٌ لإثبات النبوة، وقعَت أمام الذين سمعوا بدعوى النبوة وأنكروها، وحدثتْ ليلا، في وقتٍ تسود فيه الغفلةُ، وأُظهِرت آنيًا، فضلًا عن أن اختلافَ المطالع ووجودَ السحاب والغمام وأمثالَها من الموانع تحُول دونَ رؤية القمر. علمًا أن أعمالَ الرصد ووسائلَ الحضارة لم تكن في ذلك الوقت منتشرةً؛ لذا لا يلزم أن يرى الانشقاقَ كلُّ الناس، في كل مكان، ولا يلزم أيضًا أن يدخل كتبَ التاريخ.
فاستمع الآن إلى نقاط خمسٍ فقط من بين الكثير منها، تبدّد بإذن اللّٰه سُحبَ الأوهام التي تلبّدت على وجهِ هذه المعجزة الباهرة:
النقطة الأولى: إن تعنّت الكفار في ذلك الزمان معلومٌ ومشهور تاريخًا، فعندما أعلن القرآن الكريم: وانشق القمر وبلغ صداه الآفاقَ، لم يجرؤ أحدٌ من الكفار، وهم يجحدون بالقرآن، أن
— 256 —
يكذّب بهذه الآية الكريمة. أي ينكر وقوعَ الحادثة. إذ لو لم تكن الحادثةُ قد وقعت فعلًا في ذلك الوقت، ولم تكن ثابتةً لدى أولئك الكفار، لاندفعوا بشدّة ليُبطلوا دعوى النبوة، ويكذّبوا الرسولَ (ص). بينما لم تنقل كتبُ التأريخ والسير شيئًا من أقوال الكفار حول إنكارهم حدوثَ الانشقاق، إلّا ما بيّنته الآية الكريمة:
﴿ ويقولوا سحر مستمر ﴾
. وهو أن الذين شاهدوا المعجزةَ من الكفار قالوا: هذا سحرٌ فابعثوا إلى أهل الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا؟. ولمّا حان الصباحُ أتت القوافلُ من اليمن وغيرها فسألوهم، فأخبروهم أنهم رأوا مثل ذلك. فقالوا: إنّ سحرَ يتيمِ أبى طالب قد بلغ السماءَ! [٭]: انظر: الطيالسي، المسند ١/٣٨؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ص ٢٨١؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٦٦، ٢٦٧. وانظر: الترمذي، تفسير سورة القمر ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٨١.
النقطة الثانية: لقد قال معظمُ أئمة علم الكلام، من أمثال سعد التفتازاني: "إنَّ انشقاقَ القمر متواترٌ، مثل فورانِ الماء من بين أصابعه الشريفة (ص) وارتواءِ الجيش منه، ومثل حنينِ الجذع من فراقه (ص) الذي كان يستند إليه أثناء الخطبة، وسماعِ جماعةِ المسجد لأنينه. أي أن الحادثة نقلتها جماعةٌ غفيرة عن جماعةٍ غفيرة يستحيل تواطؤهم على الكذب، فالحادثة متواترةٌ تواترًا قطعيًّا كظهور المذنّب قبل ألف سنة وكوجود جزيرة سرنديب التي لم نرها".
وهكذا ترى أن إثارةَ الشكوكِ حول هذه المسألة القاطعة وأمثالِها من المسائل المشاهَدة شهودًا عيانًا إنما هي بلاهةٌ وحماقة، إذ يكفي فيها أنها من الممكنات وليست مستحيلًا. علمًا أن انشقاق القمر ممكن كانفلاق الجبل ببركان.
النقطة الثالثة: إنَّ المعجزة تأتي لإثبات دعوى النبوة عین طريق إقنیاع المنكرين، وليس إرغامَهم على الإيمان. لذا يلزم إظهارها للذين سمعوا دعوى النبوة، بما يوصلهم إلى القناعة والاطمئنان إلى صدق النبوة. أما إظهارُها في جميع الأماكن، أو إظهارُها إظهارًا بديهيًا بحيث يضطر الناسُ إلى القبول والرضوخ فهو منیافٍ لحكمة اللّٰه الحكيم ذي الجلال، ومخالفٌ أيضًا لسرّ التكليف الإلهي. ذلك لأن سرَّ التكليف الإلهي يقتضي فتحَ المجال أمام العقل دون سلب الاختيار منه.
— 257 —
فلو كان الخالقُ الكريم قد ترك معجزةَ الانشقاق باقيةً لساعتين من الزمان، وأظهرَها للعالَم أجمع ودخلت بطونَ التاريخ كما يريدُها الفلاسفةُ لكان الكفار يقولون إنها ظاهرةٌ فلكيةٌ معتادة. وما كانت حجةً عیلى صدق النبوة، ولا میعجزةً تخص الرسول الأعظم (ص). أو لكانت تصبح معجزةً بديهية تُرغم العقلَ على الإيمان وتسلبُ منه الاختيار، وعندئذٍ تتساوى أرواحٌ سافلة كالفحم الخسيس من أمثال أبي جهل، مع الأرواحِ العالية الصافية كالألماس من أمثال أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه، أي لكان يضيع سرُّ التكليف الإلهي.
ولأجل هذا فقد وقعت المعجزةُ آنيًا، وفي الليل، وحين تسود الغفلةُ، وغدا اختلاف المطالع والغمام وأمثالُها حُجُبًا أمام رؤية الناس لها. فلم تدخل بطونَ كتب التاريخ.
النقطة الرابعة: إنَّ هذه المعجزة التي وقعت ليلًا، وآنيًا، وعلى حين غفلة، لا يراها كلُّ الناس دون شك في كل مكان. بل حتى لو ظهرتْ لبعضهم، فلا يصدِّق عينَه، ولو صدّقها، فإن حادثةً كهذه مرويةٌ من شخص واحد لا تكون ذات قيمة للتاريخ.
ولقد ردّ العلماءُ المحققون ما زيدَ في رواية المعجزة من أن القمرَ بعد انشقاقه قد هبط إلى الأرض! قالوا: ربما أدخل هذه الزيادة بعضُ المنافقين ليُسقطوا الرواية من قيمتها ويهوّنوا من شأنها.
ثم إن في ذلك الوقت كانت سُحُب الجهل تغطي سماءَ إنكلترا، والوقتُ على وشك الغروب في إسبانيا، و أمريكا في وضح النهار، والصباحُ قد تنفّس في الصين و اليابان.. وفي غيرها من البلدان هناك موانعُ أخرى للرؤية. فلا تشاهَد هذه المعجزة العظيمة فيها.
فإذا علمتَ هذا فتأمل في كلام الذي يقول: "إنَّ تاريخ إنكلترا والصين واليابان وأمريكا وأمثالِها من البلدان لا تذكر هذه الحادثة، إذن لم تقع!". أيُّ هذرٍ هذا.. ألا تبًّا للذين يقتاتون على فتات أوربا..
النقطة الخامسة: إنَّ انشقاق القمر ليس حادثةً حدثت من تلقاء نفسها، بناءً على أسباب طبيعية وعن طريق المصادفة! بل أوقعها الخالقُ الحكيم، ربُّ الشمس والقمر، حدثًا خارقًا للسنن الكونية،
— 258 —
تصديقًا لرسالة رسوله الحبيب (ص)، وإعلانًا عن صدقِ دعوتِه، فأبرزه سبحانه وتعالى وفقَ حكمته وبمقتضى سرِّ الإرشاد والتكیليف وحكمة تبليغ الرسالة، وليُقيم الحجةَ على من شاء من المشاهدين له، بينما أخفاه، اقتضاءً لحكمته سبحانه ومشيئته، عمن لم تبلغهم دعوةُ نبيه (ص) من الساكنين في أقطار العالم، وحَجَبه عنهم بالغيوم والسحاب وباختلاف المطالع وعدم طلوع القمر، أو شروق الشمس في بعض البلدان وانجلاء النهار في أخرى، وغروب الشمس في غيرها.. وأمثالها من الأسباب الداعية إلى حَجب رؤيةِ الانشقاق.
فلو أُظهرت المعجزةُ إلى جميع الناس في العالم كلِّه فإما أنها كانت تبرز لهم نتيجةَ إشارة الرسول الأعظم (ص) وإظهارًا لمعجزة نبوية، وعندها تصل إلى البداهة، أي يضطرُّ الناسُ كلُّهم إلى التصديق، أي يُسلَب منهم الاختيار، فيضيع سرُّ التكليف. بينما الإيمانُ يحافظ على حرية العقل في الاختيار ولا يسلبها منه.. أو أنها تبرز لهم كحادثةٍ سماوية محضة، وعندها تنقطع صلتُها بالرسالة الأحمدية ولا تبقى لها مزيّة خاصة.
الخلاصة: إن إمكان انشقاق القمر لا ريب فيه. فلقد أُثبت إثباتًا قاطعًا. وسنشير هنا إلى وقوعه بستة براهينَ قاطعة
(٭): أي أن هناك ست حجج قاطعة على وقوع انشقاق القمر في ستة أنواعٍ من الإجماع. ولكن للأسف لم نوف هذا المقام حقّه من البحث فظل مقتضبًا. (المؤلف).
من بين الكثير منها، وهي: إجماعُ الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين وهم العدول. واتفاقُ العلماء المحققين من المفسرين لدى تفسيرهم: وانشق القمر . ونقلُ جميع المحدّثين الصادقين في رواياتهم وقوعَه بأسانيد كثيرة وبطرق عديدة. [٭]: نذكر ثلاثة أحاديث متفق عليها:١. عن عبد اللّٰه بن مسعود رضي اللّٰه عنه قال: انشق القمر على عهد رسول اللّٰه (ص) شقين فقال النبي (ص): "اشهدوا" متفق عليه. ٢. وعن أنس رضي اللّٰه عنه أن أهل مكة سألوا رسول اللّٰه (ص) أن يريهم آية فأراهم انشقاق القمر متفق عليه. ٣. وعن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما أن القمر انشق في زمان النبي (ص) - متفق عليه. وشهادةُ جميع أهل الكشف والإلهام من الأولياء الصادقين الصالحين. وتصديقُ أئمة علم الكلام المتبحرين رغم تباين مسالكهم ومشاربهم. وقبولُ الأمة التي لا تجتمع على ضلالة كما نص عليه الحديث الشريف. [٭]: الترمذي، الفتن ٧؛ أبو داود، الفتن ١؛ ابن ماجه، الفتن ٨؛ الدارمي، المقدمة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٤٥، ٦/٣٩٦.
كل ذلك يبيّن انشقاق القمر ويثبته إثباتًا قاطعًا يضاهي الشمسَ في وضوحها.
— 259 —
حاصل الكلام: كان البحث إلى هنا باسم التحقيق العلمي، إلزامًا للخصم. أما بعد هذا فسيكون الكلامُ باسم الحقيقة ولأجل الإيمان. فقد نطق التحقيقُ العلمي هكذا. أما الحقيقةُ فتقول:
إنّ خاتمَ ديوان النبوة (ص) وهو القمرُ المنير لسماء الرسالة، وقد سمَتْ ولايةُ عبوديته إلى مرتبة المحبوبية، فأظهرت الكرامةُ العظمى والمعجزةُ الكبرى بالمعراج. أي بجولان جسمٍ أرضي في آفاق السماوات العلى، وتعريفِ أهل السماوات به، فأثبتت بتلك المعجزة ولايتُه العظمى للّٰه ومحبوبيتُه الخالصة له وسموُّه على أهل السماوات والملأ الأعلى.. كذلك فقد شقّ سبحانه القمرَ المعلّق في السماء والمرتبط مع الأرض بإشارةٍ من عبده في الأرض، فأظهر معجزتَه هذه، إثباتًا لرسالة ذلك العبد الحبيب، حتى أصبح (ص) كالفلقين المنيرين للقمر، فعرجَ إلى أوج الكمالات بجناحَي الولاية والرسالة النورانيين. حتى بلغ قابَ قوسين أو أدنى وأصبح فخرًا لأهل السماوات كما هو فخرٌ لأهل الأرض.
عليه وعلى آله وصحبه الصلاةُ والتسليمات ملء الأرض والسماوات.
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾
اَللّٰهم بِحَقِّ مَن انشَقَّ الْقَمَرُ بِإِشَارَتِهِ اجْعَل قَلْبِي وَقُلُوبَ طَلَبَة رَسَائِل النُّورِ الصَّادِقِينَ كَالْقَمَرِ في مُقَابَلَةِ شَمْسِ الْقُرآنِ.. آمِينَ. آمِينَ.