— 225 —
النكتة الثانية
كان السِحر رائجًا في عهد موسى عليه السلام ، فجاءت معجزاتُه العظيمة بما يشبه السحر، وكان الطبُّ رائجًا في عهد عيسى عليه السلام فجَرت أغلبُ معجزاتِه من هذا الجنس، كما كانت هناك أربعة أشياء رائجة في الجزيرة العربية زمن بعثة الرسول (ص):
أولاها: البلاغة والفصاحة.
ثانيتها: الشعر والخطابة.
ثالثتها: الكهانة والإنباء عن الغيب.
رابعتها: معرفة الحوادث الماضية والوقائع الكونية.
وجاء القرآن الكريم يتحدّى أرباب هذه المعارف الأربع.
فجثا البلغاءُ والفصحاء أولا مبهوتين أمام بلاغته المعجزة، مُنصتين إليه في حيرة وإعجاب.
وجعل الشعراءَ والخطباء في ذهول من أمرهم، حتى إنَّهُ حطَّ من شأن ما كانوا يعتزون به من "المعلقات السبع" التي تمثّل أفضل نماذج شعرهم، بل كتبوها بماء الذهب وعلَّقوها على جدار الكعبة.
وأفقد الكهانَ والسحرة صوابَهم وأنساهم ما كانوا يتكلمون به من أنباء الغيب، حيث طرّد جِنَّهم وأَسدلَ الستار على الكهانة وسدَّ أبوابَها إلى الأبد.
وأَنقذ قرّاءَ تاريخ الأمم السالفة وحوادث العالم مما يطرأ عليها من الخرافات والافتراءات والأكاذيب، وأرشدَهم إلى أحداث الماضي الحقيقية ووقائع الكون النيّرة.
وهكذا جثتْ على الرُكَب هذه الطبقات الأربع أمامَ عظمة القرآن الكريم، والحيرةُ والإجلال يغمُرهم، فشرعوا يتتلمذون على يديه، ويتلقّون منه الهداية والرشاد، فلم يظهر قط أنْ استطاع أَحدٌ من هؤلاء القيام بمعارضة القرآن بشيء مهما كان ، ولو بسورة واحدة.
— 226 —
وإن قيل: كيف نعرف أنه لم يبرز أحدٌ في ميدان المعارضة، ولم يتمكن أحدٌ من الإتيان بمثل القرآن، وكيف نعرف أن إتيان النظير بحد ذاته أمرٌ مستحيل؟.
الجواب: لو كانت المعارضة ممكنة، فلا محالة كانوا يحاولونها. وما كان أحدٌ يتوانى في هذا الأمر، إذ الحاجة إلى المعارضة كانت ماسَّة، وذلك للنجاة من خطر التحدي لإنقاذ دينهم وأموالهم وأنفسِهم وأهليهم؛ لذا لو كانت المعارضة ممكنة لَما أحجم أحدٌ عنها أبدًا، ولكان الكفارُ والمنافقون -وهم الأغلبية- يشيعون خبرَها في الأوساط، بل يبثّونها في الأرجاء كافة مثلما كانوا يبثون كلَّ ما يعادي الإسلام.. ثم لو كانوا ناشرين لها -فيما لو كان الاعتراض ممكنًا- لكان المؤرخون يسجّلونها في كتبهم العديدة. ولكن ها هو التاريخُ وكتبُه كلُّها أمامنا، لا نرى فيها شيئًا من معارضة القرآن سوى فقرات تقوّلها مُسيلمة الكذاب. علمًا أنَّ القرآن الكريم قد تحدّاهم طوال ثلاث وعشرين سنة، وقرَع أسماعَهم بآياته المعجزات، وعلى هذا النمط من التحدي:
ها هو القرآن الكريم أمامَكم، فأْتوا بمثله من "أميّ" كمحمد الأمين!.
فإن كنتم عاجزين عن هذا، فليكن ذلك الشخصُ "عالمًا" عظيمًا، وليس أميًّا!
وإن كنتم عاجزين عن هذا أيضًا، فأْتوا بمثله "مجتمعين" وليس من فرد واحد! فلتجتمع عليه علماؤكم وبلغاؤكم، وليعاون بعضُهم بعضًا، بل ادعوا شهداءكم من دون اللّٰه، فليأتوا بمثله.
وإن كنتم عاجزين عن كل هذا، فأْتوا "بالكتب السابقة" البليغة جميعِها واستعينوا بها في المعارضة، بل ادعوا "الأجيال" المُقبلة أيضًا!
وإن كنتم عاجزين أيضًا، فليكن المِثل "بعشر سُورٍ" فحسب، وليس ضروريًا أن يكون بالقرآن كله.
وإن كنتم عاجزين كذلك فليكن كلامًا بليغًا مثل بلاغة القرآن، ولو كان من "الحكايات المفتريات".
وإن كنتم عاجزين كذلك فأْتوا "بسورة واحدة" ولتكن سورة قصيرة...
— 227 —
وإن كنتم عاجزين كذلك:
فأديانُكم وأنفسُكم إذن مهددةٌ بالخطر في الدنيا كما هي في الآخرة.
وهكذا تحدى القرآن الكريم بثماني تحديات طبقات الإنس والجن، ولم يحصر تحدّيه في ثلاث وعشرين سنة بل استمر إلى الألف وثلاثمائة سنة بل لا يزال يتحدى العالم وسيبقى هكذا إلى أن يرث اللّٰه الأرضَ ومَن عليها.
ولهذا فلو كانت المعارضةُ ممكنة لما اختار أولئك الكفارُ طريق الحرب والدمار ويُلقون أنفسَهم وأموالهم وأهليهم إلى التهلكة ويَدَعون طريق المعارضة القصيرة السهلة. إذن فالمعارضة غير ممكنةٍ وليست في طوق البشر. إذ هل يمكن لعاقل فَطِن -ولا سيما أهل الجزيرة العربية ولا سيما قريش الأذكياء- أن يعرّض نفسَه وماله وأهله للخطر ويختار طريق الحرب والدمار إن كان باستطاعته سلوكَ طريق المعارضة ولو بسورة من القرآن من أديب منهم، فينقذ نفسَه وماله من التحدي القرآني، إن كان إتيان مثله سهلًا ميسورًا؟
وحاصل الكلام: ما قاله "الجاحظ": لمّا لم يمكن المعارضةُ بالحروف اضطروا إلى المقارعة بالسيوف.
فإن قيل: لقد قال بعض العلماء المحققين: "لا يمكن معارضة أية آية من آيات القرآن الكريم ولا جملة منها ولا كلمة منها، فكيف بالسورة؟ ولم يبرز أحدٌ في ميدان المعارضة. أي لم يعارَض القرآن إذن". ونرى أن في هذا الكلام مجازفة ومبالغة لا يقبلها العقل، لأنَّ هناك كثيرًا من الجمل في كلام البشر يشبه جملَ القرآن وعباراته. إذن فما معنى هذا القول، وما حكمته؟
الجواب: هناك مذهبان في بيان إعجاز القرآن:
المذهب الأول: وهو الغالب والراجح وهو مذهب الأكثرية من العلماء وهو أنَّ لطائفَ بلاغة القرآن ومزايا معانيه هي فوق طاقة البشر.
أما المذهب الثاني: وهو المرجوح فهو أن معارضة سورةٍ واحدة من القرآن ضمن طاقة البشر، إلّا أن اللّٰه سبحانه قد منَعها عن الخلق، ليكون القرآنُ معجزةَ الرسول (ص)، ويمكن أن يوضح هذا بمثال:
— 228 —
إن قيام الإنسان وقعوده ضمن قدرته ونطاق استطاعته، فإن قال نبيٌ كريم لشخصٍ ما: لا استطعتَ من القيام، إظهارًا للمعجزة، ولم يستطع الشخصُ من القيام فعلًا، فقد وقعت المعجزة.
يطلق على هذا المذهب المرجوح: مذهب الصَرفة. أي أن اللّٰه سبحانه هو الذي صرفَ الجن والإنس عن القدرة على المعارضة، فلو لم يصرفهم اللّٰه سبحانه عن الإتيان بالمِثل لكان الجن والإنس بمقدورهم الإتيان بمثله.
وهكذا فكلام الذين يقولون : "لا يمكن معارضة القرآن حتى بكلمة واحدة" هو كلام حق وفق هذا المذهب لا مراء فيه؛ لأن اللّٰه سبحانه قد منعهم عن ذلك إظهارًا للإعجاز، فلا يستطيعون إذن أن يتفوهوا بشيء للمعارضة، ولو أرادوا قولَ شيء ما للمعارضة فلا يقدرون عليه من غير إرادة اللّٰه ومشيئته.
أما بالنسبة للمذهب الأول وهو الراجح والذي ارتضاه معظمُ العلماء، فلهم فيه وجه دقيق:
إنَّ كلمات القرآن الكريم وجُمَله ينظر بعضها إلى البعض الآخر، فتتواجه وتتناظر الكلماتُ والجُمَل، فقد تكون كلمةٌ واحدة متوجهةً إلى عشرة مواضع، وعندها تجد فيها عشرَ نكات بلاغية، وعشرَ علاقات تربطها مع الكلمات الأخرى، وقد ذكرنا هذه العلاقات في تفسيرنا "إشارات الإعجاز في مظان الإيجاز" سواء في سورة الفاتحة أم في بداية سورة البقرة:
﴿ الم٭ ذلك الكتاب لا ريب فيه ﴾
ولنوضح ذلك بمثال:لو تصورنا قصرًا عظيمًا جدرانُه منقّشة بنقوش بديعة، ومزيّنة بزخارفَ رائعة، فإنّ وضعَ حجرٍ يحمل العُقدة الأساس لتلك الزخارف والنقوش في موضعه اللائق به -بحيث يرتبط معها جميعًا ويشرف عليها جميعًا- يحتاج إلى معرفة كاملة بتلك النقوش جميعها وبتلك الزخارف التي تملأ جدران القصر.
ومثال آخر؛ نأخذه من جسم الإنسان: إن وضعَ بؤبؤ عين الإنسان في موضعه اللائق يتوقف على معرفة علاقة العين بالجسم كلّه، ومعرفة مدى علاقة وارتباط بؤبؤ العين بكل جزء من أجزاء الجسم وبوظيفته.
— 229 —
فَقِسْ على هذين المثالين لتعلَم كيف بيّن السابقون من أهل الحقيقة ما في كلمات القرآن من الوجوه العديدة والعلاقات والأواصر والارتباطات التي تربطها مع سائر جُمَله وآياته. ولاسيما علماء علم حروف القرآن، فقد أَوغلوا كثيرًا في هذا الموضوع، وأَثبتوا بدلائل: أن في كل حرف من القرآن الكريم أسرارًا دقيقة تَسَع صحيفة كاملة من البيان والتوضيح.
نعم، ما دام القرآن الكريم كلامَ رب العالمين وخالق كل شيء، فكلُّ كلمة من كلماته إذن بمثابة نواة، أي يمكن أن تكون تلك الكلمة نواةً تنبت منها شجرةٌ معنوية من الأسرار والمعاني، أو بمثابة قلب تتجسد حولَه المعاني والأسرار.
لذلك نقول: نعم، إنَّ في كلام البشر ما يشبه كلمات القرآن وجُمَله وآياته، إلّا أن تلك الآية الكريمة أو الكلمة والجملة القرآنية قد وُضعَت في موضعها الملائم لها بحيث روعي في وضعها كثيرٌ جدًّا من الارتباطات والعلاقات مما يلزم علمًا محيطًا كليًا كي يضعَها في ذلك الموقع اللائق به.
النكتة الثالثة
لقد أنعم اللّٰه سبحانه وتعالى عليّ يومًا تفكرًا حقيقيًا حول مُجمَل ماهية القرآن الحكيم فأدوّن ذلك التفكر كما ورد للقلب باللغة العربية، ثم أُورد معناه.
سُبْحَانَ مَنْ شَهِدَ عَلٰى وَحْدَانِيَّتِه وَصَرَّحَ بِأَوْصَافِ جَمَالِه وَجَلاَلِه وَكَمَالِهِ الْقُرْأٰنُ الْحَكيمُ الْمُنَوَّرُ جِهَاتُهُ السِّتُّ الْحَاوي لِسِرِّ إِجْمَاعِ كُلِّ كُتُبِ الْأَنْبِيَاءِ وَاْلأَوْلِيَاءِ وَالْمُوَحِّدينَ الْمُخْتَلِفينَ فِي الْأَعْصَارِ وَالْمَشَارِبِ وَالْمَسَالِكِ الْمُتَّفِقينَ بِقُلُوبِهِمْ وَعُقُولِهِمْ عَلٰى تَصْديقِ أَسَاسَاتِ الْقُرْأٰنِ وَكُلِّيَّاتِ أَحْكَامِهِ عَلٰى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَهُوَ مَحْضُ الْوَحْيِ بِإِجْمَاعِ الْمُنْزِلِ وَالْمُنْزَلِ وَالْمُنْزَلِ عَلَيْهِ وَعَيْنُ الْهِدَايَةِ بِالْبَدَاهَةِ وَمَعْدِنُ أَنْوَارِ الْإيمَانِ بِالضَّرُورَةِ وَمَجْمَعُ الْحَقَائِقِ بِالْيَقينِ وَمُوصِلٌ إِلَى السَّعَادَةِ بِالْعِيَانِ وَذُو الْأَثْمَارِ الْكَامِلينَ بِالْمُشَاهَدَةِ وَمَقْبُولُ الْمَلَكِ وَالْإِنْسِ وَالْجَانِّ بِالْحَدْسِ الصَّادِقِ مِنْ تَفَاريقِ الْأَمَارَاتِ وَالْمُؤَيَّدُ بِالدَّلاَئِلِ الْعَقْلِيَّةِ بِاتِّفَاقِ الْعُقَلاَءِ الْكَامِلينَ وَالْمُصَدَّقُ مِنْ جِهَةِ الْفِطْرَةِ السَّليمَةِ بِشَهَادَةِ اطْمِئْنَانِ الْوِجْدَانِ وَالْمُعْجِزَةُ الْأَبَدِيَّةُ الْبَاقي وَجْهُ إِعْجَازِه عَلٰى مَرِّ الزَّمَانِ بِالْمُشَاهَدَةِ وَالْمُنْبَسِطُ دَائِرَةُ إِرْشَادِه مِنَ الْمَلَإِ الْأَعْلٰى إِلٰى مَكْتَبِ الصِّبْيَانِ يَسْتَفيدُ مِنْ
— 230 —
عَيْنِ دَرْسٍ اَلْمَلٰئِكَةُ مَعَ الصَّبِيّينَ وَكَذَا هُوَ ذُو الْبَصَرِ الْمُطْلَقِ يَرَى الْأَشْيَاءَ بِكَمَالِ الْوُضُوحِ وَالظُّهُورِ وَيُحيطُ بِهَا وَيُقَلِّبُ الْعَالَمَ في يَدِه وَيُعَرِّفُهُ لَنَا كَمَا يُقَلِّبُ صَانِییعُ السَّاعَةِ السَّاعَةَ في كَفِّه وَيُعَرِّفُ لِلنَّاسِ فَهٰذَا الْقُرْأٰنُ الْعَظيمُ الشَّانِ هُوَ الَّذي يَقُولُ مُكَرَّرًا اللّٰه لا اِله الّا هو ، فاعلم أنه لا اِله الّا اللّٰه.
أما معنى هذا التفكر فكما يأتي:
إن الجهات الست للقرآن الكريم منوّرةٌ وضّاءةٌ لا تدنو منها الشبهاتُ والأوهام، لأن:
من ورائه العرشُ الأعظم، يستند إليه، فهناك نورُ الوحي.
وبين يديه سعادةُ الدارين، يستهدفها، فقد امتدت ارتباطاتُه وعلاقته بالأبد والآخرة فهناك نورُ الجنة ونور السعادة.
ومن فوقه تتلألأ آيةُ الإعجاز وتسطعُ طغراؤه.
ومن تحته أعمدةُ البراهين الرصينة والدلائل الدامغة، ففيها الهداية المحضة.
وعن يمينه يقف استنطاقُ العقول وتصديقُها، لكثرة ما فيه أفلا يعقلون.
وعن يساره استشهادُ الوجدان حتى ينطق من إعجابه: "تبارك اللّٰه" بما ينفخ من نفحات روحية للقلب.
فمن أين يمكن يا تُرى أن تتسلل إليه الأوهامُ والشبهات؟
فالقرآن الكريم جامعٌ لسّر إجماع كتب الأنبياء والأولياء والموحّدين قاطبة، رغم اختلاف عصورهم ومشاربهم ومسالكهم. أي أن جميع أربابِ العقول السليمة والقلوب المطمئنة يصدّقون مجملَ أحكام القرآن الكريم وأساسَ ما يدعو إليه، حيث يذكرونه في كتبهم. فهم إذن بمثابة أُصول شجرة القرآن السماوية.
ثم إنَّ القرآن الكريم يستند إلى الوحي الإلهي، بل هو وحيٌ محض، لأن اللّٰه سبحانه الذي أنیزله على قلب محمد (ص) يبيّنه بمعجزات رسوله الكريم وحيًا محضًا. والقرآن النازل من عند اللّٰه يبين بإعجازه الظاهر أنه من العرش الأعظم. وأن أطوارَ المُنیزَل عليه وهو الرسول
— 231 —
الكريم (ص) واضطرابَه في أول نیزول الوحي، وضعه كأنه أغمي عليه في أثناء نزوله، وما يُظهره من توقير وتبجيل أكثر من كل ما عداه، يبيّن أنه وحيٌ خالص ينیزل عليه ضيفًا من الملك الأزلي.
ثم إن ذلك القرآن العظيم وحيٌ محض بالبداهة، لأن خلافَه ضلالةٌ وكفر.
ثم إنه بالضرورة معدن الأنوار الإيمانية، فليس خلافُ الأنوار إلّا الظلمات الدامسة. وقد أثبتنا هذه الحقيقة في كلمات كثيرة.
ثم إنَّ القرآن الكريم مجمَع الحقائق يقينًا فالخيالُ والخرافات بعيدة عنه بُعدًا مطلقًا، إذ إن ما شكّله من عالَم الإسلام، وما أتى به من شريعة غراء، وما يبيّنه من مُثُل سامية، يثبت أن بحثه عن عالم الغيب -كما هو عند بحثه عن عالم الشهادة- هو عينُ الحقائق، لا يدنو منه شيء خلافًا للحقيقة أبدًا.
ثم إن القرآن الكريم -كما هو واقع- يوصِل إلى سعادة الدارين بلا ريب، ويسوق البشرية إليها، فمن يساوره الشكُّ فليراجع القرآن مرةً واحدة، وليستمع إليه وليرى بعد ذلك ماذا يقول القرآن.
ثم إنَّ الثمار التي يَجنيها الإنسانُ من القرآن الكريم إنما هي ثمارٌ يانعة ذات حياة وحيوية. فلا غرو أن جذور شجرة القرآن متوغلةٌ في الحقائق ممتدةٌ في الحياة، لأن حياة الثمرة تدل على حياة الشجرة. فإن شئت فانظر كم أعطى القرآنُ من ثمار الأصفياء المنوّرين والأولياء الصالحين الكاملين على طول العصور.
ثم إنَّ القرآن الكريم موضعُ رضى الإنس والجن والملائكة وذلك بالحدس الصادق، الناشئ من أمارات عديدة، حيث يجتمعون حوله عند تلاوته كالفراش حول النور.
ثم إن القرآن مع أنه وحي إلهي فهو مؤيدٌ بالدلائل العقلية، والشاهد على هذا: اتفاقُ العقلاء الكاملين وفي مقدمتهم أئمة علم الكلام ودهاة الفلسفة أمثال "ابن سينا" و "ابن رشد"، فجميعهم بالاتفاق قد اثبتوا أسسَ القرآن بأصولهم ودلائلهم.
ثم إن القرآن الكريم مصدَّق من قبل الفطرة السليمة -ما لم يعتَرِها عارضٌ أو مرض- حيث إن اطمئنان الوجدان وراحةَ القلب إنما ينشآن من أنواره، أي أنَّ الفطرة السليمة تصدّقُه
— 232 —
باطمئنان الوجدان. نعم! إنَّ الفطرة بلسان حالها تقول للقرآن الكريم: "لا يتحقق كمالُنا من دونك". وقد أثبتنا هذه الحقيقة في مواضعَ متفرقةٍ من الرسائل.
ثم إنَّ القرآن معجزةٌ دائمة أبدية بالمشاهدة والبداهة، فهو يبين إعجازَه كلَّ حين، فلا يخبو نورُه -كبقية المعجزات- ولا ينتهي وقتُه، بل يمتد زمنُه إلى الأبد.
ثم إنَّ منیزلة إرشاد القرآن الكريم لها من السعة والشمول بحيث إن درسًا واحدًا منه يتلقاه جبريل عليه السلام جنبًا إلى جنب صبي صغير. ويجثو أمامه فلاسفةٌ دهاة -أمثال ابن سينا- مع أبسط شخص أمي، يتلقيان الدرسَ نفسه. بل قد يستفيض ذلك الرجل العامي من القرآن بما يحمل من قوة الإيمان وصفائه ما لا يستفيضه "ابن سينا".
ثم إن في القرآن الكريم عينًا باصرةً نافذة بحيث ترى جميعَ الوجود وتحيط به، وتضع جميعَ الموجودات أمامَه، كأنها صحائفُ كتاب فيوضّح طبقاتها وعوالِمها. فكما إذا استلم الساعاتي ساعة صغيرة بيده يقلّبها، ويعرّفها ويفتحها، كذلك الكون بين يدي القرآن الكريم يعرّفه ويبين أجزاءه.
فهذا القرآن العظيم يثبت الوحدانية بی فاعلم أنه لا اله الّا اللّٰه.
اللّٰهمَّ اجْعَلِ الْقُرْأٰنَ لَنَا فِي الدُّنْيَا قَرينًا وَفِي الْقَبْرِ مُونِسًا وَفِي الْقِيَامَةِ شَفيعًا وَعَلَى الصِّرَاطِ نُورًا وَمِنَ النَّارِ سِتْرًا وَحِجَابًا وَفِي الْجَنَّةِ رَفيقًا وَإِلَى الْخَيْرَاتِ كُلِّهَا دَليلًا وَإِمَامًا. أَللّٰهمَّ نَوِّرْ قُلُوبَنَا وَقُبُورَنَا بِنُورِ الْإيمَانِ وَالْقُرْأٰنِ وَنَوِّرْ بُرْهَانَ الْقُرْأٰنِ بِحَقِّ وَبِحُرْمَةِ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْأٰنُ، عَلَيْهِ وَعَلٰى أٰلِهِ الصَّلاَةُ وَالسَّلاَمُ مِنَ الرَّحْمٰنِ الْحَنَّانِ، أٰمينَ.
الإشارة البليغة التاسعة عشرة
لقد أُثبت يقينًا وبدلائیل قاطعة، في الإشارات السابقة أن الرسیولَ الأكرم (ص) الذي ثبتت رسالته بألوف الدلائل القاطعة في الإشارات السابقة لهو برهان باهر للوحدانية الإلٰهية، ودليل ساطع للسعادة الأبدية. وسنعرّف في هذه الإشیارة تعريفًا مُجملًا بشكل خلاصة الخلاصة ذلك البرهان الصادق والدليل السیاطع على الوحدانية؛ لأنیه: يلزم معرفةُ الدليیل والإحاطة بیوجیه دلالته ما دام هو دليلًا إلى المعرفة الإلهية.
— 233 —
لذا سنبيّن هنا باختصار شديد وجهَ دلالته (ص) على التوحيد ومدى صدقِه وصوابه فنقول: إنَّ الرسول الكريم (ص) دليلٌ بذاته على وجود الخالق العظيم وعلى وحدانيته كما يدل عليه أي موجود من موجودات الكون. وقد أعلن بلسانه (ص) وجهَ دلالته هذا على التوحيد والوجود مع دلالة الموجودات قاطبة. ومن حيث إنه (ص) دليل على التوحيد سنشير إلى صدقِ دلالته وحجيتِه وصوابه وأحقيته ضمن خمسة عشر أساسًا:
الأساس الأول إنَّ هذا الدليل الذي يدل على خالق الكون بذاته وبلسانه وبدلالة أحواله وبلسان أطواره، لهو صادقٌ مصدَّق من قِبل حقائق الكون؛ لأن دلالات جميع الموجودات إلى الوحدانية إنما هي بمثابة شهاداتِ تصديقٍ لمن ينطق بالوحدانية. أي أن ما يدعو إليه مصدَّقٌ لدى الكون كله. وحيث إن ما يبيّنُه من الوحدانية، التي هي الكمال المطلق، وما يبشّره من السیعادة الأبدية التي هي الخير المطلق، مطابقان تمامًا للحُسن والكمال المتجليَين في حقائق العالم. فهو صادق في دعواه قطعًا. فالرسول الكريم (ص) إذن برهان صادق مصدَّق للوحدانية الإلهية والسعادة الأبدية.
الأساس الثاني إنَّ ذلك الدليلَ الصادق المصدَّق الذي يملك ألوفًا من المعجزات -أكثر مما لدى الأنبياء السابقين- والذي أتى بشريعة سمحةٍ غراء لا تُنسَخ ولا تُبدَّل، وبدعوة شاملة للجن والإنس، لاشك أنه سيدُ المرسلين عليهم السلام؛ فهو إذن جامعٌ للحِكَم والأسرار التي تنطوي عليها معجزاتُ الأنبياء عليهم السلام واتفاقهم. أي أن قوةَ إجماع الأنبياء كلهم إذن، وشیهادة معجزاتهم، تشكّل ركيزةً لصدقه وصوابَ دعوته.
ثم إنَّ الأصفياء والأولياء الصالحين الذين بلغوا من الكمال ما بلغوا إنما كان بتربيته السامية وبهدي شريعته الحقة فهو مرشدُهم وسيدُهم؛ لذا فهو جامعٌ لسرِّ كراماتهم وتصديقهم بالإجماع وقوة دراساتهم وتحقيقاتهم، حيث إنهم سلكوا طريقًا فتح أبوابَه أستاذُهم، وتركها مفتوحة، فوجدوا الحقيقة. فجميعُ كراماتهم وتحقيقاتهم العلمية وإجماعهم إنما تمثل ركيزةً لصدق أستاذهم الطاهر وصوابَ دعوته.
— 234 —
ثم إنَّ ذلك البرهان الباهر للوحدانية -كما تبيّنَ في الإشارات السابقة- يملك من المعجزات الباهرة القاطعة اليقينية، والإرهاصات الخارقة، ودلائل نبوةٍ لا ريب فيها، كلٌّ منها تصدّقه تصديقًا عظيمًا، بحيث لو اجتمع الكونُ كلُّه لِيجرَح ذلك التصديقَ لَعَجز دونَه.
الأساس الثالث إنَّ ذلك الداعي إلى الوحدانية والمبشّر بالسعادة الأبدية الذي له هذه المعجزات الباهرات يملك من الأخلاق السامية في ذاته المباركة، ومن السجايا الرفيعة في مهمة رسالتِه، ومن الخصال الفاضلة فيما يبلّغه من شريعةٍ ودين، ما يضطر إلى تصديقه ألدُّ أعدائه فلا يجد سبيلًا للإنكار.
فما دام يملك في ذاتِه وفي مهمته وفي دينه أسمى الأخلاق وأجملَها، وأكملَ السجايا وأثمنَها، وأرفعَ الخصال وأفضلَها، فلا ريب أنه مثالٌ لكمال الموجودات، وممثلٌ لفضائل الأخلاق ومثالُها المجسم، والقدوة الحسنة لها؛ ولهذا فالكمالات التي تشعُّ من ذاته ومن مهمته ومن دينه لهي ركيزةٌ قوية عظيمة لصدقه بما لا يمكن أن يزحزحها شيءٌ.
الأساس الرابع إنَّ ذلك الداعي إلى الوحدانية والسعادة الأبدية الذي هو مَعدِنُ الكمالات ومعلّمُ الأخلاق الفاضلة. لا ينطق عن نفسه وحسب هواه -حاشاه- وإنما ينطق بالوحي الإلهي. فهو يستلم الوحيَ من ربه الجليل ويبلّغ به الآخرين. لأنه قد ثبت بألوفٍ من دلائل النبوة، كما ذُكر في الأسس السابقة ووضّح قسم منها:
أنَّ رب العالمين سبحانه الذي خلق جميعَ تلك المعجزات وأجراها بيد رسوله (ص)، إنما يبين أنَّ رسولَه الكريم (ص) ينطق لأجله وفي سبيله ويبلّغ كلامَه المبين.
وأنَّ القرآن الكريم الذي نیزل عليه يبيّن بإعجازه الظاهر والباطن أنه (ص) مبلّغٌ عن رب العالمين.
وأنَّ ذاتَه الشريفة (ص) وما يتحلى به من عظيم الإخلاص والتقوى وجدِّيّة بالغة في تبليغ
— 235 —
أمر اللّٰه، وأمانة صادقة فيه، تبين في جميع أحواله وأطواره، أنه لا يتكلم باسمه الشخصي، ولا من بنات فكره الذاتي وإنما يتكلم باسم اللّٰه رب العالمين.
ثم إنَّ الذين استمعوا إليه من أهل الحقيقة قاطبة قد صدّقوا بالكشف والتحقيق العلمي، وآمنوا إيمانًا يقينيًا بأنه لا ينطق عن الهوى، إن هو إلّا وحي يوحى، فهو مبلّغ أمين عن رب العالمين، يدعو الناس إلى الرشاد بالوحي الإلهي.
وهكذا فإنَّ صدق هذا الدليل (ص) وأحقيتَه يستند إلى هذه الأسس الأربعة الثابتة الرصينة.
الأساس الخامس إنَّ ذلك المبلغ الأمين لكلام اللّٰه الأزلي يرى الأرواح، ويتكلم مع الملائكة، ويُرشد الجن والإنس معًا. فلا يتلقى العلمَ من عوالم الملائكة والأرواح التي هي أسمى من عالم الإنس والجن بل يتلقى العلمَ من فوق تلك العوالم كلِّها، بل يطّلع على ما وراءها من شؤون إلهية، فالمعجزاتُ المذكورة سابقًا، وسيرتُه الشريفة التي نُقلت إلينا بالتواتر تثبتان هذه الحقيقة. لذا فلا يتدخل الجن ولا الأرواح ولا الملائكة فيما يبلّغه من أمور بل لا يتقرب إلى تبليغه حتى المقرَّبين من الملائكة سوى جبريل عليه السلام، بل يتقدم أحيانًا حتى رفيقَه جبريل عليه السلام الذي كان يصحبه معظم الأوقات.
الأساس السادس إنَّ ذلك الدليل الذي هو سيدُ المَلَك والجن والإنس إنما هو أنورُ ثمار شجرة الكائنات وأكملُها، وتمثالُ الرحمة الإلهية، ومثالُ المحبة الربانية، والبرهان النير للحق، والسراج الساطع للحقيقة، ومفتاح طلسم الكائنات، وكشاف لغز الخلق، وشارح حكمة العالم والداعي إلى سلطان الألوهية. والمرشد البارع لمحاسن الصنعة الربانية، فتلك الذات المباركة، بما تملك من صفات جامعة إنما تمثل أكمل نموذج لكمالات الموجودات. لذا فهذه المزايا التي يمتلكها ذلك النبي الكريم (ص) وما يتصف به من شخصية معنوية تظهران بوضوح أنَّ ذلك النبي الكريم (ص) هو علّةُ الكون الغائية، أي أنه موضعَ نظر خالق الكون. نظر إليه وخلق الكون، ويصحّ القول أنه لو لم يكن قد أوجدَه ما كان يوجِد الكونَ.
— 236 —
نعم؛ إنَّ ما أتى به هذا النبي الكريم من حقائق القرآن وأنوار الإيمان إلى الإنس والجن كافة، وما يشاهَد في ذاته المباركة من أخلاق سامية وكمالات فائقة، شاهدٌ صادق قاطع على هذه الحقيقة.
الأساس السابع إن ذلك البرهان الساطع للحق والسراجَ المنير للحقيقة قد أظهر دينًا قيّمًا، وأبرز شريعة شاملة بحيث تضم من الدساتير الجامعة ما تحقق سعادة الدارين، كما أنه بيّن أكمل بيان حقيقة الكون ووظيفته وأسماءَ الخالق الجليل وصفاته. فالذي يُمعن النظر في ذلك الإسلام الحنيف والشريعة الغراء الشاملة في طرز تعريفها للكون يُدرك يقينًا أن ذلك الدين إنما هو نظامُ خالق هذا الكون الجميل الذي يعرّف ذلك الخالق. إذ كما أنَّ بنّاءً بارعًا لقصر بديع يضع تعريفًا يليق بالقصر، ويكتبه تبيانًا لمهارته الفائقة، كذلك هذا الدينُ العظيم والشريعة السمحة وما فيه من الشمول والإحاطة والسمو يُظهر بوضوح أن الذي وضعَه على هذه الصورة الرفيعة إنما هو واضعُ الكون ومدبّرُه. و إنَّ مَن كان منظِّمًا لهذا الكون البديع وبهذا التنظيم الرائع لابد أنه هو الذي نظّم هذا الدين الأكمل بهذا النظام الأجمل. نعم، إن ذلك نظام الأكمل يقتضي هذا النظم الأجمل.
الأساس الثامن إنَّ من يتصف بهذه الصفات الجميلة المذكورة، وتستند رسالتُه إلى تلك الأدلة والركائز الرصينة، ذلك الرسول الحبيب (ص)، يتكلم باسم عالم الغيب متوجهًا إلى عالَم الشهادة، معلنًا على رؤوس الأشهاد من الجن والإنس، مخاطبًا الأقوام المتراصين وراء العصور المقبلة، فيناديهم جميعًا نداءً رفيعًا ساميًا يُسمعهم قاطبة في جميع الأعصار أينما وُجدوا وحيثما كانوا... نعم .. نعم نسمع!.
الأساس التاسع إنَّ خطابه هذا رفيع إلى حدٍّ تسمعه العصورُ جميعًا.. نعم، إنَّ كل عصر يسمع رجع صدى كلامه.
— 237 —
الأساس العاشر إننا نرى في أحواله وسيرته المطهَّرة أنه يرى ثم يبلّغ في ضوء ما يرى، لأنه يبلّغ حتى عندما تحدِق به المخاطرُ، بلا تردد ولا اضطراب وبكل ثقة واطمئنان بل قد يتحدى وحدَه العالم كله.
الأساس الحادي عشر إنه قد أعلن دعوته بكل ما آتاه اللّٰه من قوة، أعلنها جِهارًا حتى جعل نصفَ الأرض وخُمس البشرية يلبّون أوامره ويقولون لكل كلمة صدرت منه: سمعنا وأطعنا.
الأساس الثاني عشر إنه يدعو بإخلاص كامل وبجدّية تامة فيربّي تربية راسخة، بحيث إنَّ دساتيرها تُنقَش في جباه العصور وصحائفِ الأقطار ووجوه الدهور.
الأساس الثالث عشر إنه يتكلم بكلام ملؤه الثقة والاطمئنان فيبلّغ الأحكامَ وهو واثق كل الثقة من صدقها وصوابِها، ويدعو إليها دعوة صريحة لا لَبسَ فيها بحيث لو اجتمع العالمُ كله ما صرَفَه عن دعوته ولا عن حُكمٍ من تلك الأحكام. وسيرتُه المُطهَّرة وتاريخُ حياته المباركة أصدقُ شاهد على هذه الحقيقة.
الأساس الرابع عشر إنه يدعو باطمئنان بالغ واعتماد تام ويبلّغ بثقة كاملة، بحيث لا يتنازل في دعوته عن شيءٍ، ولا يتردد أمام أية مشكلة مهما كانت، فلا يُداخله الخوفُ والدهشة، بل يدعو بصفاء كامل وإخلاص تام. وينفّذ ما يدعو إليه من الأحكام على نفسه أولًا ويذعنُ إليه ثم يعلّمه الآخرين. والشاهد على هذا زهدُه العظيم واستغناؤه عن الناس وإعراضُه عن زخارف الدنيا الفانية، كما هو معلوم لدى الأصدقاء والأعداء.
— 238 —
الأساس الخامس عشر إنه كان أخشى الناس للّٰه وأخضَعهم لأوامره سبحانه وأعبدَهم له وأتقاهم عن نواهيه، مما يدلنا على أنه مبلّغٌ أمين لسلطان الأزل والأبد، فهو رسولُه الحبيب وأخلص عباده، ومبلّغ رسالاته. نخلص من هذه الأسس الخمسة عشرة:
إنَّ هذا الرسول الكريم (ص) الموصوف بتلك الأوصاف المذكورة قد أعلن الوحدانية فنادى بكل ما آتاه اللّٰه من قوة، وعلى مدار حياته المباركة كلها: لاَ إلهَ إلّا اللّٰه
اللّٰهمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَيْهِ وَعَلٰى أٰلِه عَدَدَ حَسَنَاتِ أُمَّتِه
﴿ سُبْحَانَكَ لاَ عِلْمَ لَنَا اِلّا ما عَلَّمْتَنا اِنَّكَ اَنْتَ الْعَليمُ الْحَكيم ﴾