المكتوبات العربية
— 215 —

القسم الثالث من الإرهاصات

هو الآيات والحوادث التي ظهرت عند مولده (ص)، فالحوادث التي يرتبط ظهورُها بمولده والتي حدثتْ قبل البعثة يُعدّ كلٌّ منها معجزةً من معجزاته وهي كثيرة جدًّا، إلّا أننا سنورد هنا أمثلة مشهورة قبِلها أئمةُ الحديث. وثبتت لديهم صحتُها.
الأول: ما رأتیه أمُّه (ص) "من النور الذي خرج معه عند ولادته" ورأته أم عثمان بن العاص وأم عبید الرحمن بن عوف اللتان باتتا عندها ليلة الولادة. فقد قلن: رأينا نورًا حين الولادة أضاء لنا ما بين المشرق والمغرب... [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ١٣٥، ١٣٧؛ وانظر: أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٢٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٨/٢٥٢؛ ابن إسحاق، السيرة ١/٢٢، ٢٨؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٢٩٣.
الثاني: انتكاس معظم الأصنام التي كانت في الكعبة. [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ١/١٩؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٨١؛ ابن حبيب، المكتفى من سيرة المصطفى ٣٦؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٧٦.
الثالث: "ارتجاج إيوان كسرى وسقوط شرفاته" الأربعة عشرة.
الرابع: "غيض بحيرة" ساوة تلك الليلة وهي التي كانت تُقدَّس. "وخمود نار فارس وكان لها ألف عام لم تُخْمد" [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ١/١٩، ١٢٦، ١٢٧؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٣٩؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٤٥٩؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٧/٣٦١. حيث كانت توقد في اصطخراباد ويعبدها المجوس.
فهذه الحوادث الأربعة إنما هي إشاراتٌ إلى أن ذلك المولود الجديد سيحظر عبادة الأصنام وسيدمّر سلطنة فارس، وسيُحرم تقديس ما لا يأذن به اللّٰه.
الخامس: حادثة الفيل: وهي مع أنها ليست من حوادث تلك الليلة إلّا أنها قريبة الحدوث للولادة، لذا فهي من الإرهاصات أيضًا، وقد بينها القرآن الكريم في قوله تعالى:
﴿ ألَمْ تَر كَيفَ فعَلَ ربُّك باصحاب الفيل ﴾
... الخ. وخلاصة قصتها: أن أبرهة ملك الحبشة أراد هیدمَ الكعبة، فساق أمام الجيش فيلا عظيمًا يقال له: "محمود". فلما وصل الفيل قرب مكة بَرَك ولم يمض مهما حاولوا معه، فلما عجزوا عادوا، إلّا أنّ طيیورًا أبابيل لم تتركهم سالمين فرمَتهم بحجارة من سجيل وأذلّتهم فانهزموا شر هزيمة. هذه القصة مشیهورة في كتب
— 216 —
التاريخ وهي من علائم نبوتیه (ص) حيث نَجتْ قِبلَتُه وأحبُّ موطن إليه، الكعبة، من دمار أبرهة نجیاةً خارقة للعادة. [٭]: انظر: ابن إسحاق، السيرة ٣٦-٤١؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/١٦٨-١٧٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٩١-٩٢؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٤٤٠-٤٤٥.
السادس: إظلالُ اللّٰه له بالغمام في سفره وقد روى أن حليمة السعدية رأت غمامة تُظلّه وهو عندها في صباه وشهدها زوجُها، فأخبر الناس بذلك فأصبحت حادثة معروفة مشهورة. [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١١٢.
"كما رأى الغمام بحيرا الراهب وأراه الناسَ لما سافر للشام مع عمّه وهو في الثانية عشرة من عمره". [٭]: انظر: الترمذي، المناقب ٣؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٢٧؛ البزار، المسند ٨/٩٧؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٣١٩-٣٢٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٤-١٥٥.
"وفي رواية أن خديجة ونساءها رأينَه لما قدِم" (ص) من سفره من الشام "ومَلَكان يُظلّانه -كالغمام- فذكرت ذلك لميْسرة" غلام خديجة "فأخبرها أنه رأى ذلك منذ خرج معه في سفره". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٦-٧؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٣٠-١٣١، ١٥٦-١٥٧؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٧٢-١٧٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/٦٧.
السابع: وثبت بالنقل الصحيح "أنه نیزل في بعض أسفاره قبل البعثة تحت شجرة يابسة فاعشَوشَب ما حولَها وأينَعتْ هي فأشرقت" أي نمت وعلت "وتدلت عليه أغصانُها". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٨؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٢١٨.
الثامن: "وأنه كان إذا أكل مع عمه أبي طالب وآله وهو صغير شبعوا ورووا وإذا غاب، فأكلوا في غيبته لم يشبعوا" وهذه حادثة مشهورة وصحيحة. [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١١٩-١٢٠، ١٦٨؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٦٦؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣/٨٦؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٤٠-١٤١.
وقد قالت أم أيمن مولاة رسول اللّٰه (ص) وحاضنته: "ما رأيته (ص) شكى جوعًا ولا عطشًا صغيرًا ولا كبيرًا". [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٨؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٦٧؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٤١؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/١٨٩.
— 217 —
التاسع: البركة التي حصلت في غنم وجمال مُرضعته حليمة السعدية خلافًا للقوم. وهذه حادثة مشهورة ولا ريب في صحتها. [٭]: ابن حبان، الصحيح ١٤/٢٤٤-٢٤٦؛ أبو يعلى، المسند ٩٣-٩٦؛ الطبراني، المعجم الكبير، ٢٤/٢١٤؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٢٩٩-٣٠١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥١. و "أنَّ الذباب كان لا يقع على جسده ولا ثيابه" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٨؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٢/٦٢٤، ٣/٣٨١. وما كان يؤذيه. ولقد ورث الشيخ عبد القادر الكيلاني (قُدِّس سرُّه) هذا عن جدّه الأعظم (ص)، إذ كان لا يقع عليه الذباب أيضًا. [٭]: الخفاجي، نسيم الرياض ٤/٣٣٥؛ النبهاني، جامع كرامات الأولياء ٢/٢٠٣.
العاشر: كثرة الرَّجم بالشُّهب السماوية بعد مجيء النبي (ص) للدنيا، ولاسيما ليلة مولده.
ولقد أثبتنا سقوط الشهب السماوية ورجم الشياطين في "الكلمة الخامسة عشرة"، وبيّنا أن المراد من سقوط الشهب السماوية هو الإشارة إلى قطع رصد الشياطين والجن عن السماء ومنعهم من استراق السمع. فما دام الرسول (ص) قد برز بالوحي إلى العالم أجمع لزم إذن أن تُمنع أقوالُ الكهان ومن يتكلم عن الغيب من أقوال الجن الملفَّقة بالكذب وخلاف الواقع حتى لا يلتبس الوحيُ بغيره ولا تكون هناك أيةُ شبهة كانت في أمر الوحي. فلقد كانت الكهانة كثيرة جدًّا قبل النبوة، ولكن بعد نیزول القرآن الكريم حُظرت بتاتًا، حتى إن كثيرين منهم آمنوا، لأنهم لم يجدوا مُخبريهم من الجن ليتنبأوا لهم بالأخبار الغيبية. فسدَّ القرآنُ الكريم إذن الطريق عليهم. ولقد ظهر نوعٌ من الكهانة السابقة في أوربا في الوقت الحاضر لدى الوسائط الذين يريدون تحضير الأرواح... وعلى كل حال...
الحاصل: لقد ظهرت حوادثُ كثيرة وأشخاص كثيرون لتأييد نبوة محمد (ص) قبل بعثته.
نعم، إن الذي سيكون سيد العالم (٭): إن من قيل في حقه "لولاك لولاك.." لهو سيد عظيم حقًا؛ إذ يدوم سلطانه ألفًا وثلاثمائة وخمسين سنة، وله اتباع في كل عصر بعد عصره يزيدون على ثلاثمائة وخمسين مليونًا من البشر، وقد نشر رايته في نصف المعمورة ويجدّد معه اتباعه البيعة يوميًّا في صلواتهم وسلامهم عليه وبكل استسلام وإذعان وينقادون لأوامره. (المؤلف). [٭]: "لولاك لولاك لما خلقت الأفلاك": تناوله العلماء معنًى ومبنًى، ولعل قول على القاري هو الوسط بين المثبتين والنافين له إذ يقول: إنه صحيح معنًى ولو ضُعف مبنًى (شرح الشفا ١/ ٦). معنًى، والذي سيبدّل ملامحَ العالم المعنوية، والذي سيحوّل الدنيا مزرعةً للآخرة، والذي سيُعلن عن علو منیزلة المخلوقات ونفاستها، والذي
— 218 —
سيهدي الجن والإنس إلى الرُّشدِ وطريق السعادة، وينقذهم -وهم الفانون- من العدم المطلق، والذي سيحلّ حكمةَ الخلق واللغز المحيّر للعالم، والذي سيعلَم ويعلّم مقاصد رب العالمين، والذي سيَعرف ويعرّف ذلك الخالق العظيم... إنَّ إنسانًا كهذا لابد أن يكون كل شيء، وكل نوع، وكل طائفة من المخلوقات، مشتاقًا إلى مجيئه وسيرقُبه بلهفة، ويستعد احتفاءً بمقدَمه العظيم، بل سيبشّر الآخرين بقدومه -إذا ما أعلمه خالقُه بذلك- كما رأينا مصداق ذلك في الإشارات والأمثلة السابقة من أنَّ كلَّ نوع من المخلوقات قد أظهر معجزاته بما يشبه الترحيب به، وكأنه يقول بلسان المعجزة: أنت صادق في دعوتك.
الإشارة السابعة عشرة
إنَّ أعظم معجزة للرسول الكريم (ص) بعد القرآن الكريم هو ذاتُه المباركة، أي ما اجتمع فيه (ص) من الأخلاق السامية والخصال الفاضلة، وقد اتفق الأعداءُ والأولياء على أنه أعلى الناس قدرًا وأعظمُهم محلًا وأكملهُم محاسن وفضلًا. حتى إن بطل الشجاعة الإمام علي رضي اللّٰه عنه يقول: "إنا كنا إذا حَمي البأسُ -ويُروى اشتد البأس- واحمرّت الحَدَق اتقينا برسول اللّٰه (ص)"... [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٨٦؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٥٤؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٣/٣٧١. وهكذا كان (ص) في ذروة ما لا يرقى إليها أحدٌ غيره من كل خصلة حميدة كما هو في الشجاعة.
نحيل هذه المعجزة الكبرى إلى كتاب "الشفا في حقوق المصطفى" للقاضي عياض المغربي، فقد أجاد فيه حقًا وفي بيانها أيّما إجادة، وأثبتها في أجمل تفصيل.
ثم إن الشريعة الغراء التي لم يأت ولا يأتي مثلُها هي معجزة أخرى عظيمةٌ للرسول الكريم (ص) حتى اتفق الأعداءُ والأصدقاء عليها..
نحيل تفصيلَ هذه المعجزة وبيانَها إلى جميع ما كتبناه من "الكلمات" الثلاث والثلاثين، و"المكتوبات" الثلاثة والثلاثين و"اللمعات" الإحدى والثلاثين و"الشعاعات" الثلاثة عشر.
— 219 —
ثم المعجزة العظمى.. تلك هي معجزة "انشقاق القمر" التي رُويت روايات متواترة وهي ثابتة ثبوتًا قاطعًا لا تقترب منها شبهةٌ. فقد رُويت بطرق عديدة وبصورة متواترة عن: ابن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، والإمام علي، وأنس، وحذيفة، وأمثالِهم كثير من الصحابة الأجلّاء رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين. فضلا عن تأييد القرآن الكريم وإعلانه تلك المعجزة في:
﴿ اقتربت الساعةُ وانشقّ القمر ﴾
(القمر:١) بل لم يسَعْ كفارَ قريش وهم أهلُ عناد وتعنُّت أن ينكروا هذه المعجزة، ولكنهم قالوا: "إنه سِحر". أي أن انشقاق القمر أمرٌ ثابت مقطوع به حتى من قِبل الكفار أنفسهم إلّا أنهم أوّلوا الحادثة بأنها سحر.
نحيل إلى رسالة انشقاق القمر التي هي ذيل "رسالة المعراج".
ثم إن الرسول الكريم (ص) أظهر المعجزة العظمى معجزة "المعراج" لأهل السماء كما أظهر لأهل الأرض معجزة "انشقاق القمر". فنحيل إلى رسالة "المعراج" وهي "الكلمة الحادية والثلاثون"، التي أثبتت صدقَ تلك المعجزة وأظهرتها بوضوح، إلّا أننا سنذكر هنا ما هو مقدمةٌ لتلك المعجزة وهي سفرُه (ص) إلى بيت المقدس، وطلبُ قريش منه وصفَ بيت المقدس صبيحة المعراج، وما حصل في هذا السفر من معجزة أيضًا.
فعندما أخبر الرسول الكريم صبيحةَ ليلة المعراج عن سفره، كذّبتْه قريشٌ وقالوا: إن كنت حقًا قد ذهبتَ إلى بيت المقدس فصِف لنا أبوابَه وجدرانه وأحوالَه.
قال الرسول الكريم (ص): "فكربتُ كربةً ما كربتُ مثله قط، فرفعه اللّٰه لي أنظر إليه" [٭]: البخاري، مناقب الأنصار ٤١؛ تفسير سورة الإسراء ٣؛ مسلم، الإيمان ٢٧٦-٢٧٨. أي رُفع له بيتُ المقدس وبدأ يصفه وهو ينظر إليه، فتيقنتْ قريشٌ من الخبر "وقالوا: متى تجيء" أي القافلة التي رآها الرسولُ في الطريق، "قال يوم الأربعاء. فلما كان ذلك اليوم أشرفت قريش ينتظرون وقد ولّى النهار، ولم تجئ: فدعا رسول اللّٰه (ص)، فزيدَ له في النهار ساعة وحبست الشمسُ". [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ٢/٤٠٤؛ النووي، شرح صحيح مسلم ١٢/٥٢؛ القاضي عياض، الشفا ١/٢٨٤؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/٢٨٢.
— 220 —
فأنت ترى أن الأرض تُعطِّل وظيفتَها ساعة من نهار تصديقًا لخبَره (ص)، وتشهد على صدقه الشمسُ الضخمة.. تُرى ما أشقاه ذلك الذي لا يصدّق كلام هذا النبي الكريم (ص) الذي عطلتْ الأرضُ وظيفتَها وحبستْ الشمسُ نفسها تصديقًا لكلامه. وما أسعد أولئك الذين نالوا شرفَ امتثال أوامره (ص) وقالوا: سمعنا وأطعنا.. تأمل في هذا وقل:
الحمد للّٰه على الإيمان والإسلام.
الإشارة الثامنة عشرة
إنَّ أعظم معجزة من معجزات الرسول الأكرم (ص) هو القرآن الكريم؛ الذي يضم مئاتِ دلائل النبوة، وقد ثبت إعجازه بأربعين وجهًا كما في "الكلمة الخامسة والعشرين"، لذا سنحيل بيان هذا الكنیز العظيم للمعجزات إلى تلك الكلمة، ونكتفي هنا ببيان ثلاث نكات دقيقة.
النكتة الأولى
سؤال: إنْ قيیل: إن سر إعجاز القرآن الكريم إنما هو في بلاغته الفائقة، بينما لا يرقى إلّا واحد من الألیف من علماء البلاغة الفطاحل إلى إدراك هذا السیر، مع أنیه كیان ينبغي أن تكون لكل طبقة مین طبقات النیاس حظُّها مین هیذا الإعجاز؟
الجواب: إنَّ للقرآن الكريم إعجازًا لكل طبقة من طبقات الناس، إلّا أنه يُشعر إعجازَه هذا بأسلوب معين وبنمط خاص.
فمثلًا؛ يبيّن إعجازه الباهر في البلاغة "لأهل البلاغة والفصاحة".
ومثلًا؛ يبين أسلوبه الرفيع الجميل الفريد "لأرباب الشعر والخطابة". هذا الأسلوب مع أنه تستسيغه كلُّ طبقة من الناس إلّا أن أحدًا لا يجرأ على تقليده، فلا تخلقه كثرةُ الرد ولا يبليه مرورُ الزمان، فهو أسلوب غض طري يحتفظ بفتوته وشبابه ونضارته دائمًا، وهو أسلوب يحمل من النثر المنظوم والنظم المنثور ما يجعله رفيعًا عاليًا ولذيذًا ممتعًا في الوقت نفسه.
— 221 —
ثم إنه يبين إعجازَه فيما يخبر من أنباء معجزة عن الغيب فيتحدى به طبقة الكهان "والذين يدّعون أنهم يخبرون أشياء عن الغيب".
ثم إنه يقصّ "لأهل التاريخ" والذين يتتبعون أحداث العالم من العلماء ما يُشعرهم إعجازَه، وذلك بذكره أحداث الأمم الغابرة وأحوالها، وما سيحدث في المستقبل من وقائع، سواء في الحياة الدنيا أو في البرزخ أو في الآخرة، فيتحداهم بإعجازه الرائع هذا.
ويعرِض أيضًا إعجازَه "لعلماء الاجتماع والسياسة والحكم" وذلك بعرض ما في الدساتير القرآنية المقدسة من إعجاز.. نعم! إن الشريعة الغراء المنبثقة من القرآن الكريم تُظهر إظهارًا تامًا سر ذلك الأعجاز.
ويبين كذلك لأولئك الذين توغلوا في "المعارف الإلهية والحقائق الكونية" إعجازًا باهرًا في سَوقه الحقائق الإلهية السامية المقدسة، أو يشعرهم بوجود هذا الإعجاز.
ولأولئك الذين يسلكون "طرق الولاية والتصوف" يبين القرآن الكريم إعجازَه لهم بكنوز الأسرار التي ينطوي عليها بحرُ آياته الزاخرة.
وهكذا تُفتح أمام كلِّ طبقة من الطبقات الأربعين للناس نافذةٌ مطلّة على الإعجاز الباهر. بل إنه يبين إعجازه حتى لأولئك الذين لا يملكون سوى قدرة الاستماع من دون أن يقدروا على التوغل في الفهم من "عوام الناس". فنراهم يصدِّقون إعجازَه ويشعرون به بمجرد سماعهم له، إذ يحاور ذلك العامي نفسه ويقول: "إنَّ أسلوب هذا القرآن يختلف تمامًا عن أساليب الكتب الأخرى، فإما أنه في مستوى من الأسلوب هو أدنى منها وهذا محال -بل لم يتفوه به ألدُّ الأعداء وأهل الخصومة- أو هو أسلوب أرقى من الجميع، أي أنَّه معجِز".
فالعامي الذي لا يستطيع إلّا الاستماع، يفهم الإعجاز على هذه الشاكلة، ولأجل أن نساعده شيئًا في إدراكه هذا نوضح ما يلي:
لقد أثار القرآن الكريم لدى الناس من أول ما برز إلى ميدان التحدي رغبتين شديدتين:
أُولاهما: رغبةَ التقليد لدى أوليائه، أي حبّهم الشديد بالتشبه بأسلوبه الرفيع، فاشتاقوا إلى تشبيه أسلوبهم به.
— 222 —
ثانيتها: الرغبة في المعارضة والنقد التي تولّدت لدى الأعداء والخصماء، أي إتيان أسلوب مثلِه لدحض دعوى الإعجاز.
فهاتان الرغبتان الشديدتان سببتا ظهور ملايين الكتب العربية الماثلة أمامنا، ولكن لو قارنّا أبلغ هذه الكتب وأوضحَها قاطبة بالقرآن الكريم، أي لو قرأناهما معًا لقال كلُّ سامع وقارئ بلا تردد، إنّ القرآن لا يشبه أيًا من هذه الأساليب، فهو إذن ليس بمستوى تلك الكتب، فإما أنه أدنى أسلوبًا من الجميع، وهذا محال بلا أدنى ريب، ولم يتفوّه به أحد قط بل حتى الشيطان يعجز عن أن يتفوّه بهذا، (٭): إن المبحث الأول المهم للمكتوب السادس والعشرين يوضح هذه الفقرة.(المؤلف). فثبت إذن أن أسلوب القرآن الكريم فوق الجميع وذلك بإعجازه الرائع.
بل إنَّ "العامي الجاهل" الذي لا يفهم شيئًا من معاني القرآن الكريم يشعر بإعجاز القرآن من عدم سأمه في التلاوة. فيحاور ذلك العامي الجاهل قائلًا: إنَّ الاستمرار على تلاوة هذا القرآن لا يولّد السأمَ قط، بل تزيد كثرةُ تلاوته حلاوتَه، بينما لو استمعت إلى قصائد جميلة رائعة لمرات عدة فإني أَشعر بالمَلل، لذا فالقرآن ليس بكلام بشر بلا شك.
ثم إنَّ "الأطفال" الذين يرغبون في حفظ القرآن الكريم، يُظهر لهم إعجازَه في قدرتهم على حفظه في عقولهم اللطيفة الصغيرة، على الرغم من وجود مواضعَ متشابهة تلتبس عليهم، فتراهم يحفظون القرآن الكريم بكل سهولة ويُسر بينما يعجزون عن حفظ صحيفة واحدة من غيره.
بل حتى "المرضى والمحتضرون" في سَكَرات الموت ممن يتألمون بأدنى كلام، تراهم يستمعون إلى القرآن الكريم وتنیزل آياتُه على أسماعهم كأنه السلسبيل، وبهذا يشعرون بإعجازه.
نحصل مما سبق: إن القرآن الكريم لا يدَع أحدًا محرومًا من تذوق إعجازه، فلكلِّ طبقة من أربعين طبقة من الطبقات المتباينة للناس لهم حظُّهم من هذا الإعجاز أو يُشعِرهم القرآن بإعجازه، حتى إنه بيّن نوعًا من إعجازه لأولئك الذين ليس لهم نصيب من العلم ولا يملكون "سوى الرؤية"
(٭): إن وجه الإعجاز لهذه الطبقة الفاقدة للسمع والعلم والإدراك، والتي لا تملك سوى الرؤية قد ظل مجملًا وناقصًا : مبتورًا، إلّا أن "المكتوب التاسع والعشرين" و "المكتوب الثلاثين"(٭)، قد وضّحا بجلاء تام هذا النوع من الإعجاز بحيث يمكن أن يلمسه حتى الأعمى. وقد وضعنا كتابة مصحف شريف لإظهار هذا الوجه الجميل من الإعجاز موضع التنفيذ، نسأل اللّٰه أن نوفق في طبعه. (المؤلف).
(٭) كنا على نية كتابة "المكتوب الثلاثين" على أجمل وجه وأفضله إلّا أنه تخلى عن موضعه إلى "إشارات الإعجاز" فلم يظهر في الميدان. (المؤلف).
من دون القدرة على الاستماع أو الفهم أو الإدراك القلبي. وذلك كالآتي:
— 223 —
إن كلمات المصحف المطبوع بخط (الحافظ عثمان) تتقابل وينظر بعضها إلى بعض.
فمثلًا: إن كلمة وثامنُهم كلبُهم التي هي في سورة الكهف تناظر كلمة قطمير التي هي في سورة فاطر، فلو ثُقبت الصفحات ابتداءً من الكلمة الأولى لتبينت الكلمة الثانية بانحراف يسير ولَفُهِم اسمُ الكلب.
وكذا كلمة مُحیضَرون المكررة مرتين في سورة (يس) نرى إحداهما فوق الأخرى. وهما يقابلان كلمة مُحیضَرون ، مُحْضَرينَ التي في سیورة الصافات، فإذا ما ثُقبت إحداها لظهرت من خلال الصفحات الكلمةُ نفسها مع انحراف قليل.
وكذا كلمة مثنى التي في آخر سورة سبأ تنظر إلى الكلمة نفسها التي هي في مستهل سورة فاطر ، ففي القرآن تتكرر كلمة مثنى ثلاث مرات، وتَناظُرُ اثنتين منها ليس بموضعٍ للمصادفةِ قطعًا.
ولهذا النوع من التناظر والتقابل أمثلةٌ كثيرة جدًّا في المصحف الشريف حتى إن الكلمة الواحدة تتكرر في ما يقرب من ست مواضع، فإذا أُوصل بينها بثقب لتراءت الأخريات بانحرافٍ يسير.
ولقد شاهدتُ مصحفًا خُطَّت الجملُ المتناظرة في كل صحائفه المتقابلة بخط أحمر، فقلت آنذاك: "هذه الأوضاع إنما هي أمارات لنوع من الإعجاز"، ثم بعد ذلك أخذتُ أنظر إلى جمل القرآن الكريم فرأيت أن كثيرًا منها تتناظر من خلال الصفحات تناظرًا ينمّ عن معنى دقيق.
ولما كان ترتيب القرآن المتداول توقيفيًا بإرشاد من الرسول (ص)، وقد خطَّه خطاطون مُلهَمون، فإنَّ في نقشه البديع وفي خطه الجميل إشارةً إلى نوع من علامات الإعجاز، وذلك لأنَّ هذا الوضع لا يمكن أن يكون مصادفةً ولا نابعًا من نتاج فكر إنسان. فلولا قصورُ الطبع لطابقت الكلمات المتناظرة مطابقة تامة.
— 224 —
ثم إننا نرى أن في السور المدنية المطوّلة والمتوسطة تكرارًا بديعًا منسقًا للفظ الجلالة (اللّٰه)، فهو في الغالب يتكرر بأعداد معينة، أما خمس أو ست أو سبع أو ثمان أو تسع مرات أو إحدى عشرة مرة فضلًا عن أنه يبين مناسبةً عددية لطيفة على وجهَي ورقة المصحف والمتقابلتين.
(٭): وكذا إنه إزاء "أهل الذكر والمناجاة"، فإن ألفاظ القرآن الكريم الجميلة والمقفاة وأسلوبه الفصيح البديع، ومزايا بلاغته التي تستقطب الأنظار، رغم أنها كثيرة جدًّا فإنها تمنح جدية سامية، وحضورًا وسكينة تامة، وجمعًا للخواطر دون تشتيتها، بينما أمثال تلك المزايا للفصاحة والصنعة اللفظية والتقيد بالنظم والقافية تخل بالإخلاص والجدية -رغم ما يشف عن ظرافة لفظية- وتفسد اطمئنان القلب وسكينته وتشتت أفكار المتأمل. حتى إن ألطف المناجاة وأكثرها إخلاصًا وجديّة وأعلاها نظمًا هي مناجاة الإمام الشافعي المشهورة، والتي كانت سببًا لرفع الغلاء والقحط عن مصر، فكنتُ أقرأها كثيرًا، فرأيت: أن كونها نظمًا ومقفاة، لا تحافظ على الإخلاص التام والجد السامي في المناجاة، ورغم أنها كانت من أورادي منذ ما يقرب من تسع سنوات فلم أتمكن أن أوفّق بين الجدية والإخلاص في المناجاة والنظم والقافية، فأيقنت أن القافية الفطرية الممتازة الخاصة بالقرآن الكريم ومزايا نظمه إنما هي من أنواع الإعجاز بحيث إنها تحافظ على الإخلاص الجاد وسكينة القلب وطمأنينته من دون أن يخل بشيء منها. وهكذا إن لم يدرك أهل المناجاة والذكر هذا النوع من الإعجاز عقلًا، فهم يشعرون به قلبًا.
،
(٭): إن سرًا من أسرار إعجاز القرآن الكريم المعنوية هو: إن القرآن يبين الدرجة العظيمة والساطعة "لإيمان الرسول الأعظم (ص)" الذي حظي بتجلي الاسم الأعظم. وكذا يبين ويعلّم بأسلوب فطري -كخارطة مقدسة مشهورة- تلك المرتبة السامية للدّين الحق العظيم والواسع، المبيّن للحقائق الرفيعة لعالم الآخرة وعالم الرّبوبية.
وكذا يمثل القرآن الكريم "خطاب رب العالمين" وهو في علياء عزته وعظمته وربوبيته المطلقة، فلا بد أنّ تعبيرًا فرقانيًا بهذا الأسلوب، وبيانًا قرآنيًا بهذا النمط لا يمكن أن تأتي بمثله عقولُ البشر قاطبة ولو اجتمعت في عقل واحد، بمثل ما عبّر القرآن الكريم: (قُلْ لَئِنْ اجتمعتِ الأنس والجنُّ على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتونَ بمثلهِ) (الإسراء: ٨٨) لأنه لا يمكن من حيث هذه الأسس الثلاثة أن يقلَّد القرآن ولا أن يأتي بمثله أحد أبدًا.
،
(٭): تنتهي الآيات الكريمة بنهاية الصحيفة (في كثير من المصاحف المسمى بركنار) فتختم الصحيفة بقافية جميلة، وسر هذا هو أن أطول آية في القرآن الكريم، وهي آية المداينة قد اتخذت وحدة قياس صحيفة المصحف، واتخذت سورة الإخلاص والكوثر وحدة قياس طول السطر، وبهذا ظهرت هذه الميزة اللطيفة وعلامة الإعجاز للقرآن الكريم.
،
(٭): لقد اكتفي في هذا المقام وفي مبحثه هذا على أمثلة جزئية وقليلة جدًّا، وقصيرة جدًّا، واقتصر على أمارات صغيرة جدًّا حيث اضطررت إلى الاستعجال في الكتابة، رغم أن هذا البحث في غاية الأهمية والسعة والعظمة، وإنه يبين كرامة لطيفة جميلة في غاية الأهمية من زاوية التوفيق الإلهي الذي آزر رسائل النور. نعم، إن تلك الكرامة اللطيفة والحقيقة العظيمة تظهر سلسلة من كرامات رسائل النور في التوافق وذلك في خمسة أو ستة أنواع منه، وتبين نوعًا مشهودًا بالإبصار من إعجاز القرآن وتشكّل منبعًا للإشارات الغيبية ورموزها. وقد حصل هذا فعلًا بعدئذٍ؛ إذ قد استُكتب مصحف شريف يبيّن فيه التوافق في لفظ الجلالة في كل صحيفة. وظهرت ثماني رسائل صغيرة باسم "الرموز الثمانية" التي تبيّن المناسبة اللطيفة والإشارات الغيبية الناشئة من التوافق بين حروف القرآن الكريم، وكتبت كذلك خمس رسائل في تصديق رسائل النور وتقدير قيمتها بما فيها من سر التوافق، وهي الكرامة الغوثية وثلاث رسائل من الكرامة العلوية ورسالة الإشارات القرآنية.
ففي تأليف "رسالة المعجزات الأحمدية" إذن قد استشعرت تلك الحقيقة العظمى ولكن مع الأسف لم يَرَ المؤلف منها إلّا طرفًا ضئيلًا، ولم يبيّن إلّا قطرة من بحرها، فانصرف ولم يعقب. (المؤلف).