المكتوبات العربية
— 200 —

القسم الأول

ما أخبرتْ به التوراةُ والإنجيل والزبور وصحفُ الأنبياء عليهم السلام عن نبوة محمد (ص) وهو ثابتٌ بنص القرآن الكريم.
نعم، فما دامت تلك الكتبُ كتبًا سماوية، وأصحابُها هم أنبياءُ كرام عليهم السلام، فلابد أن إخبارَها عمن سيضيء بالنور الذي يأتيه نصفَ المعمورة، وينسخُ الأديان الأخرى، ويغيّر ملامحَ الكون، أقول لابد أنّ ذكرَها لهذه الذات المباركة ضروري وقطعي. أفيمكن لتلك الكتب التي لا تُهمل حوادث جزئية ألّا تذكر أعظم حادثة في تاريخ البشرية تلك هي حادثة البعثة المحمدية؟ وإذا كان لابد لها أن تبحث عنها وتذكُرها، فهي إما ستكذّبُها كي تصون دينَها وكتابَها من النسخ والتخريب، أو ستصدّقُها، أي تصدّق ذلك النبيَّ الحقَّ كي تحافظ على دينها وكتابها من تسرب الخرافات وتسلل التحريفات. ولما كان الأصدقاء والأعداء متفقين على عدم وجود أية أمارة في تلك الكتب للتكذيب مهما كانت، فهناك إذن أمارات التصديق. فما دام التصديقُ قائمًا بصورة مطلقة، وأن هناك علةً قاطعة، وسببًا أساسًا يقتضي وجود هذا التصديق، فنحن بدورنا سنثبت ذلك التصديق بثلاث حجج قاطعة تدل على وجوده:
الحجة الأولى: إنَّ الرسول الأعظم (ص) تلا عليهم آيات كريمة يتحداهم بها، وكأنه يقول لهم بلسان القرآن الكريم: إن كتبكم تصدّق ما تشتمل عليه شمائلي وأوصافي وتصدّق ما أبلّغه للعالمين.
﴿ قل فأتوا بالتوراة فاتلوها إن كنتم صادقين ﴾
(آل عمران: ٩٣)
﴿ فَقُل تعالوا ندعُ ابناءنا وابناءكم ونساءنا ونساءكم وانفسنا وانفسكم ثم نبتهل فنجعل لَعْنَتَ اللّٰه على الكاذبين ﴾
(آل عمران: ٦١).
ومع هذا التحدي الواضح لم يتقدم حبرٌ من أحبار اليهود، ولا قسٌّ من قسس النصارى
— 201 —
إلى إظهار خلاف ما يقوله (ص). فلو كان هناك شيء مهما كان طفيفًا من هذا القبيل لأعلنه أولئك الكفارُ والمنافقون من اليهود ذوو العناد والحسد، وهم كثيرون في كل مكان وزمان.
فكان التحدي؛ إما أن يجدوا أيَّ خلاف كان فيما يبلّغ من أوامر اللّٰه سبحانه، أو سيجاهدهم جهادًا لا هوادة فيه. وهم لعجزهم عن الإتيان بخلاف ما يبلّغ آثروا الحرب والدمار والهجرة، أي أنهم لم يجدوا شيئًا كي يلزموه. ولو وجدوا خلاف قوله لكان إظهاره أهون عليهم من بذل النفوس والأموال وتخريب الديار.
الحجة الثانية: لقد خالطتْ آياتِ التوراة والإنجيل والزبور كلماتٌ غريبة عنها، لتوالي ترجماتها، والتباس كلام المفسرين وتأويلاتهم الخاطئة مع آياتها، حيث إن آياتِها ليس فيها الإعجاز الذي في آيات القرآن الكريم، فضلا عما قام به الجهلاءُ وذوو الأغراض السيئة من تحريفات في تلك الكتب، فزادت من تلك التحريفات والتغييرات حتى إن العلامة المشهور رحمتَ اللّٰه الهندي ألزم الحجة علماء اليهود والنصارى بإظهار ألوفٍ من التحريفات في الكتب السابقة.
ومع هذا القدر من التحريفات، فقد استخرج في هذا العصر العالمُ المشهور حسين الجسر-رحمه اللّٰه- مائة دليل وعشرة على نبوته (ص) من تلك الكتب وأثبتها في كتابه المسمى بی"الرسالة الحميدية" وقام المرحوم إسماعيل حقي المناسطري بترجمة الكتاب إلى اللغة التركية، فمن أراد فليراجعه.
ثم إن كثيرًا من علماء اليهود والنصارى قد أقروا: أنَّ في كتبنا أوصافَ النبي محمد (ص)، منهم: هرقل من ملوك الروم الذي اعترف قائلا: "إن عيسى عليه السلام قد بشّر بمحمد (ص)" [٭]: انظر: البخاري، بدء الوحي ٦؛ مسلم، الجهاد ٧٤. كما اعترف صاحبُ مصر "المقوقس، [٭]: انظر: الواقدي، كتاب المغازي ٣/٩٦٤-٩٦٧؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٨٥، ٨٩؛ ابن حجر، الإصابة ٦/٣٧٧. و ابن صوريا، [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/١٠٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٤؛ البيهقي، السنن الكبرى ٨/٢٤٦. و ابن أخطب [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٥٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٧٧- ٧٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/٢١٢. وأخوه كعب بن أسد [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ٤/١٩٥؛ الطبري، جامع البيان ٢١، ١٥١، تاريخ الأمم والملوك ٢/٩٩. والزبير بن باطيا [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٤؛ الواقدي، كتاب المغازي ٢/٥٠٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٨٥-٨٩؛ البيهقي، دلائل النبوة ٣/٣٦٢. وغيرهم من علماء اليهود" ورؤسائهم قائلين: "نعم، إنَّ أوصافه موجودةٌ في كتبنا، ومذكورة فيها".
— 202 —
كما أنَّ كثيرًا من مشاهير علماء اليهود والنصارى قد نبذوا الخصومةَ والعناد وآمنوا بالإسلام بعدما رأوا أوصاف النبي (ص) في كتبهم، وبيّنوها لغيرهم من العلماء، فألزموهم الحجة. منهم: عبد اللّٰه بن سلام، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٤٩-٥١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/٣٥٣؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣/٣٨٧. ووهب بن منبه، [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣/٣٩٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/٣٢٦، ٦/٦٢. وأبو ياسر، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٥٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٧٧-٧٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/٢١٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٣١٥. وشامول -صاحب تُبعّ- كما آمن تبّع قبل البعثة غيابًا، [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٨-١٥٩؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ١١/١٤. وإبنا سَعْية وهما أسيد وثعلَبة اللذان ناديا في قبيلة بني النضير منددَين بهم عندما حاربت الرسولَ (ص) قائلَين: "واللّٰه هو الذي عَهِد إليكم فيه ابن هَيْبان". وابن هيْبان هذا هو الرجل العارف باللّٰه الذي كان قد نیزل ضيفًا على بني النضير قبل البعثة، وقال لهم: "قريبٌ ظهور نبي هذا دارُ هجرته" وتوفي هناك، إلّا أن قبيلة بني النضير لم تلق بالًا لهما، فأصابهم ما أصابهم. [٭]: انظر: ابن إسحاق، السيرة ٢/٦٤-٦٥؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٣٨-٤٠؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٠-١٦٢.
كما آمن من علماء اليهود: ابن يامين، [٭]: ابن إسحاق، السيرة ١/٢٩-٣٠؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/٣٥٣؛ ابن حجر، الإصابة ٦/٢٤٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٧/٢٧٥. و مخيريق، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٥١-٥٢؛ ٤-٣٧-٣٨؛ الواقدي، كتاب المغازي ٢/٢٦٢-٢٦٣؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٧٨-٧٩؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٧٣. و كعب الأحبار، [٭]: ابن إسحاق، السيرة ٢/١٢٣؛ الواقدي، كتاب المغازي ٣/١٠٨٣؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٥/٣٨٦؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٨٧. وأمثالهم كثير ممن رأوا نعت الرسیول (ص) في كتبهم وألزموا الحجة من لم يؤمنوا.
وممن أسلم من علماء النصارى بحيرا الراهب -كما مرّ سابقًا- وذلك عندما ذهب (ص) مع عمه أبي طالب إلى الشام، وهو ابن اثنتي عشرة سنة، فصنع بحيرا طعامًا لقافلة قريش، إكرامًا للنبي (ص) ثم نظر وإذا بالغمامة التي تظل القافلة باقيةٌ في مكانها، قال فالذي أريده إذن ما زال باقيًا هناك، فأرسل إليه من يأتي به، وقال لعمه أبي طالب: عُدْ به إلى مكة، فاليهود حسّاد يكيدون له، فإنا نجد أوصافَه في التوارة. [٭]: الترمذي، المناقب ٣؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٢٧؛ البزار، المسند ٨/٩٧؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٢؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٣١٩-٣٢٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٤-١٥٥.
— 203 —
وقد آمن كل من نسطور الحبشة [٭]: انظر: القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٤؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧٤٤. ومليكها النجاشي، [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠-٢٦١؛ الحاكم، المستدرك ٢/٣٣٨، ٤/٢٣؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٣٢. لمّا رأيا أوصاف النبي (ص) في كتابهم. وأعلن العالم النصراني المشهور ضغاطر أوصافَه (ص) بين الروم، فاسیتیشهد. [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٧٦؛ سعيد بن منصور، كتاب السنن ٢/٢٢٦؛ ابن حبان، الصحيح ٢/٧؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٠؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٠١-١٠٢. وقید آمین أيضًا حارث بن أبي شمر الغساني [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/٩٤؛ ابن حجر، الإصابة ٦/٢٨٧؛ الخفاجي، رياض الأنف ٤/٣١٢. -العالم النصراني المشهور- ورؤسیاء الروحانيين في الشام، وملوكها أي صاحب إيليیا، و هرقل، [٭]: انظر: البخاري، بدء الوحي ٦؛ مسلم ، الجهاد ٧٤. وابن ناطور، [٭]: انظر: البخاري، بدء الوحي ٦؛ ابن منده ، الإيمان ٢٩٠-٢٩١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٢٦٥؛ ابن حجر، فتح الباري ١/٤٠. وجارود، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٢٦٩-٢٧٠؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٦/٥٦٣؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٨٥؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ١/٢٦٣. وأمثالهم، لمّا رأوا أوصافه (ص) في كتبهم. إلّا أن هرقل لم يعلن إيمانَه حرصًا على الحكم والسلطة.
وأمثال هؤلاء كثير مثل سلمان الفارسي الذي كان نصرانيًا، وما إن رأى أوصافه (ص) حتى أخذ يتحرى عنه ولمّا رآه أسلم. وكذلك تميم وهو عالم جليل، [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ١١/٧٣؛ وانظر: مسلم، الفتن ١١٩؛ أبو داود، الملاحم ١٤؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٤/٣٨٩. والنجاشي ملك الحبشة المشهور، [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٢/٣٣٨، ٤/ ٢٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠-٢٦١؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٢؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٤/٣٦١. ونصارى الحبشة، [٭]: انظر: الطبري، جامع البيان ١/٧، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٢؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٢/٨٦؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٤؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/١٠٤. وأساقفة نجران.. [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٩٠-١٠٠؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٣٨؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/١٨٠. فهؤلاء كلهم يخبرون بالاتفاق: أننا آمنا لما رأينا أوصافه (ص) في كتبنا. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٣٥٤، ٤٣٨، ٤٤٢؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٢٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ٦/٢٢٥، ٢٤٥، ٢٥٩، ٢٦٧؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٤٤-٤٧.
الحجة الثالثة: سنذكر على سبيل المثال فحسب، آيات من التوراة والإنجيل والزبور [٭]: أورد الأستاذ أغلب هذه الآيات باللغة العربية، وعندما حاولتُ إرجاع كل آية إلى مصدرها في الأناجيل وجدت اختلافًا كبيرًا بين طبعاتها وتفاوتًا واضحًا في ترجماتها المختلفة رغم الاحتفاظ بالمعنى العام، لذا أدرجتها كما ذكرها الأستاذ في الأصل. التي تبشر بالرسول (ص).
— 204 —
الأول: هناك آية في الزبور ما معناه: "اللّٰهم ابعث لنا مقيمَ السنة بعد الفترة". [٭]: علي القاري، شرح الشفا ١/٤٩٦؛ وانظر الخفاجي، نسيم الرياض ٣/٢٧٩؛ النبهاني، حجة اللّٰه على العالمين ١١٥. ومقيمُ السنة هو من أسمائه (ص).
وآية الإنجيل: "قال المسيح إني ذاهب إلى أبي وأبيكم ليبعثَ فيكم الفارقليطا" [٭]: إنجيل يوحنا - الإصحاح السادس عشر، الآية: ٧-٨. أي ليبعث فيكم أحمد.
وآية أخرى من الإنجيل: "وإني أطلب من ربي فيعطيكم فارقليطًا يكون معكم إلى الأبد". [٭]: إنجيل يوحنا - الإصحاح الرابع عشر، الأية: ١٥-١٧.
والفارقليط: الفارق بين الحق والباطل، وهو اسم النبي (ص) في تلك الكتب. [٭]: ولكن يبدو أن المترجمين قد تركوا لفظ فارقليط في تراجمهم للإنجيل لشهرته لدى المسلمين في النبي محمد (ص) ولقد تتبع رحمت اللّٰه الهندي في "إظهار الحق" اختلاف الترجمات في مختلف الطبعات ابتداءً من أقدم طبعاتها.
وآية التوراة: "إن اللّٰه قال لإبراهيم. إنّ هاجر تلد ويكون من ولدها مَن يدُه فوق الجميع ويدُ الجميع مبسوطة إليه بالخشوع". [٭]: سفر التكوين - الإصحاح السابع عشر، الآية: ٢٠ .
وآية أخرى في التوراة: "وقال يا موسى إني مقيمٌ لهم نبيًا من بني إخوتهم مثلك وأجري قولي في فمه والرجل الذي لا يقبل قول النبي الذي يتكلم باسمي فأنا أنتقم منه". [٭]: سفر التثنية - الإصحاح الثامن عشر، الآية: ١٧-١٩.
وآية ثالثة في التوراة: "قال موسى: رب إني أجد في التوراة أمةً هم خيرُ أمة أُخرجت للناس يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون باللّٰه، فاجعلهم أمتي، قال: تلك أمة محمد". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ١/٣٧٩؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧٤٦. وانظر: الطبري، جامع البيان ٩/٦٥؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٢/٢٥٠؛ البغوي، معالم التنزيل ٢/٢٩٨.
تنبيه: لقد عبّرت الكتبُ عن اسم محمد (ص) بأسماء سريانية ضمن أسماء عبرية فمثلًا: (مشفَّح،
— 205 —
مُنْحَمنا، حمياطا) وغيرها من الأسماء التي ترد بمعنى محمد في اللغة العربية. أما الاسم الصريح "محمد" (ص) فلم يأت إلّا نادرًا، وهذا قد حرّفه اليهود لحسدهم وعنادهم، منها آية الزبور:
"يا داود يأتي بعدك نبيٌّ يسمى أحمد ومحمدًا صادقًا سيدًا، أمته مرحومة". وقد أعلن عن وجود هذه الآية الآتية في التوراة قبل أن تلعب فيها أيدي التحريف كثيرًا، كلٌّ من عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص وهو أحد العبادلة السبعة الذين لهم اطلاع واسع على الكتب السابقة، وعبد اللّٰه بن سلام وهو من مشاهير علماء اليهود الذي سبق أقرانه في الإسلام، وكعب الأحبار وهو من علماء اليهود. الآية تخاطب سيدنا موسى عليه السلام، ثم تتجه إلى النبي الذي سيأتي:
"يا أيها النبي إنا أرسلناك شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا، وحرزًا للأميين، أنت عبدي، سمّيتُك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يدفع السيئةَ بالسيئة، بل يعفو ويغفر ولن يقبضه اللّٰه حتى يقيم به الملّة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلّا اللّٰه". [٭]: (أشعيا) الإصحاح٤٢، الآية: ١- ١١.
وآية أخرى من التوراة: "محمد رسول اللّٰه مولده بمكة، وهجرته بطيبة، ومُلكه بالشام. وأمته الحمّادون" [٭]: الدارمي، المقدمة ٢؛ الطبري، المعجم الكبير ١٠/٨٩؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٥/٣٨٧. ولفظ "محمد" في هذه الآية قد ورد باسم سرياني يعني محمد.
وأيضًا آية أخرى من التوراة: "أنت عبدي ورسولي سميتُك المتوكل". فهذه الآية تخاطب الذي سيُبعث بعد موسى عليه السلام من بني إسماعيل الذين هم إخوة بني إسحاق. [٭]: سفر التثنية - الإصحاح ١٨.
وآية أخرى من التوراة: "عبدي المختار ليس بفظٍّ ولا غليظ" [٭]: سفر التثنية - الإصحاح ٤٢، الآية: ١-٢. والمختار هو المصطفى وهو اسم من أسماء النبي (ص). وقد جاءت تعاريفُ متنوعة تخص "رئيس العالم" الذي بُشّر به بعد عيسى عليه السلام في الإنجيل، [٭]: إنجيل يوحنا - الإصحاح ١٤، الآية ١٥-١٧؛ الإصحاح ١٦، الآية: ٧-٩. منها: "معه قضيب من حديد يقاتل به وأمتُه كذلك" [٭]: الإنجيل - المزامير - الإصحاح ٢، الآية ٩. فقضيبٌ من حديد يعني السيف. أي سيأتي من هو صاحب السيف، وأمتُه مأمورةٌ بالجهاد، كما وصفهم القرآن الكريم
— 206 —
في ختام سورة الفتح:
﴿ وَمَثلُهم في الانجيل كَزَرعٍ أخَرَجَ شَطْئَهُ فآزَرَه فاستَغْلظَ فاستوى على سُوقه يُعجِبُ الزُرّاعَ ليغيظَ بهم الكفّار ﴾
(الفتح: ٢٩).
وهناك آيات كثيرة أخرى مشابهة لهذه في الإنجيل. [٭]: يورد الأستاذ المؤلف هذه الآيات في الإنجيل باللغة التركية مشيرًا إلى مواضعها.
جاءت في الباب الثالث والثلاثين من الكتاب الخامس من التوراة هذه الآية: "وقال: جاء الربّ من سيناء وأشرق لنا من ساعيرا ستعلن من جبل فاران ومعه أُلوف رايات الأطهار في يمينه". [٭]: سفر التثنية - الإصحاح ٣٣، الآية: ٢.
فهذه الآية مثلما تخبر عن نبوة موسى عليه السلام بإقبال الحق من طور سينا، فهي تخبر عن نبوة عيسى عليه السلام بی "أشرق لنا من ساعيرا" وفي الوقت نفسه تخبر عن نبوة محمد (ص) بظهور الحق من فاران التي هي جبال الحجاز بالاتفاق، فالآية تخبر بالضرورة عن نبوته (ص). أما "ومعه ألوف الأطهار في يمينه" [٭]: سفر التثنية - الإصحاح ٣٣، الآية: ٢. فهي تصدّق حكم الآية الكريمة في ختام سورة الفتح في:
ذلك مَثَلهُمْ في التوراة...
إذ تصف أصحابه (ص) بالأطهار القديسين وهم الأولياء الصالحون.
وجاءت هذه الآية في الباب الثاني والأربعين من كتاب النبي أشعيا: "إنَّ الحق سبحانه سيبعث صفيَّه في آخر الزمان وسيرسل إليه الروحَ الأمين وهو جبرائيل يعلّمه ثم بعد ذلك يعلّم الناس كما علّمه جبرائيل، ويحكم بين الناس بالحق، وهو نورٌ سيُخرج الناسَ من الظلمات إلى النور. وقد علّمني ربي ما سيقع فأقول لكم". [٭]: سفر أشعيا - الإصحاح ٤٢، الآية: ١، ٤، ٧، ٩. فهذه الآية تبين بوضوح تام أوصاف الرسول (ص).
وفي الباب الرابع من كتاب النبي ميخائيل الآية الآتية:
"ستكون في آخر الزمان أمة مرحومة تعبد الحق وتوثر [٭]: توثر : تطأ. الجبل المقدس، ويجتمع إليها خلق كثير هناك من كل إقليم تعبد الرب ولا تشرك به". [٭]: سفر ميخائيل- الإصحاح ٤، الآية ١، ٢، ٥.
— 207 —
فهذه الآية تبين "عَرَفة" والخلق الكثير هم الحجاج الذين يقصدون ذلك الجبل المقدس ويعبدون اللّٰه، وإن الأمة المرحومة هي أمة محمد، حيث إن هذا الوصف شعارهم.
وفي الباب الثاني والسبعين من الزبور هذه الآية: "إنه يملك من البحر إلى البحر، ومن الأنهار إلى أقاصي الأرض، وتردُه الهدايا من اليمن و الجزائر، وتسجد له الملوك وتنقاد إليه، ويصلّى عليه كلَّ وقت ويدعى له بالبركة كل يوم. وتشع أنوارُه من المدينة، وسيدوم ذكره أبد الآباد، وأن اسمه موجود قبل أن تُخلق الشمس، وسيبقى اسمه ما بقيت الشمسُ". [٭]: سفر المزامير- الإصحاح ٧٢، الآية ١-١٩.
فهذه الآية صريحةٌ في وصف النبي (ص)، فهل جاء بعد نبي اللّٰه داود عليه السلام نبيٌّ غير محمد (ص) الذي أعلن الدين شرقًا وغربًا، وجعل الملوك يعطون له الجزية صاغرين، وانقاد له الملوك والسلاطين انقياد خضوع ومحبة، وتوهب له الصلوات والأدعية يوميًّا من خُمس البشرية، وبزغت أنوارُه من المدينة؟.. فهل هناك غيرُه؟.
والآية العشرون من الباب الرابع عشر من إنجيل يوحنا (المترجم إلى التركية) هي: "لا أتكلم أيضًا معكم كثيرًا لأن رئيس هذا العالم يأتي، وليس له فيّ شيء أو ليس له عندي مثيل". [٭]: إنجيل يوحنا- الإصحاح ١٤، الآية: ٣٠.
فعبارة سيد العالم هو فخر العالم، وهو عنوان مشهور لسيدنا الرسول (ص).
والآية السابعة من الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا: "لكني أقول لكم الحق أنه خير لكم أن انطلق، لأنه إن لم انطلق لا يأتيكم المُعزّي" [٭]: في طبعة الموصل سنة ١٨٧٦ "لا يأتيكم الفارقليط". فهل المسلّي بعد عيسى عليه السلام غيرُ محمد (ص). فهو الذي ينقذ البشرية من حكم الزوال والإعدام الأبدي فيسلّيها، وهو سيد العالمين وفخر الكائنات.
والآية الثامنة من الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا: "ومتى جاء ذاك يبكت العالمُ على خطية وعلى برٍّ وعلى دينونة" (أي يلزمهم على الخطيئة والصلاح والحكم) فالذي يبدّل فسادَ العالم إلى صلاح، وينقذ الناس من الآثام والخطايا والشرك، ويبدل أسس السياسة والحاكمية في الدنيا، مَن يكون غير محمد(ص) ؟.
— 208 —
والآية الحادية عشرة من الباب السادس عشر من إنجيل يوحنا: "لقد جاء زمان قدوم سيد العالم" أو "وأما على دينونة فلأن رئيس هذا العالم قد دِينْ". فلابد أن المراد بسيد العالم (٭): نعم، أعظِم به من سيد، ينقاد له كل عصر ثلاثمئة وخمسون مليون شخص انقياد طاعة وحب منذ ألف وثلاثمئة سنة، ويستسلمون لأوامره، ويجددون معه البيعة يوميًّا بالسلام عليه. (المؤلف). هو سيد البشرية محمد (ص).
والآية الثالثة عشرة من الباب الثاني من إنجيل يوحنا: "إذا جاء روحُ الحق ذاك، فهو الذي يرشدكم إلى الحق كله، لأنه لا ينطق من عنده، بل يتكلم بكل ما يسمع ويخبركم بالآتي من الأمور".
فهذه الآية صريحةٌ في حق الرسول الكريم (ص). فمن غيرُه (ص) دعا الناس جميعًا إلى الحق؟ ومن غيرُه لا ينطق إلّا بالوحي، ويقول ما يسمعه من جبرائيل عليه السلام؟ ومن غيرُه يخبر عن أحداث القيامة والآخرة إخبارًا مفصلًا؟
ثم إن في صحف الأنبياء أسماء للرسول (ص) تفيد معنى "محمد" "أحمد" "المختار" "مصطفى" وذلك باللغة السريانية والعبرية:
ففي صحف شعيب عليه السلام؛ هناك: (مشفّح) وهي بمعنى: "محمد" كما أنه في التوراة اسم (منحمنّا) وهذا بمعنى اسم "محمد". كما جاء في الزبور (حمياطا) وهو بمعنى نبي الحرم. وفيه أيضًا (المختار)، وقد جاء في التوراة اسم (الحاتم، الخاتم)، وجاءت كلمة (مقيم السنة) في كل من التوراة والزبور. وفي صحف إبراهيم والتوراة: (مازماز). وفي التوراة أيضًا (أحيد). [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٣٤؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٤٩٤-٤٩٧.
وقد قال الرسول (ص): "اسمي في القرآن محمد وفي الإنجيل أحمد وفي التوراة أُحيد، وإنما سُمّيتُ أُحيِدَ لأني أُحيد عن أمتي نار جهنم" [٭]: الأنوار المحمدية من المواهب اللدنية ١٤٣. ومن الأسماء النبوية التي وردت في الإنجيل "صاحب القضيب والهراوة" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٣٤؛ النبهاني، حجة اللّٰه على العالمين ١١٤؛ وانظر البيهقي، دلائل النبوة ١/٣٧٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/٧٨. فلا شك أنه أعظم نبي بين الأنبياء بجهاده وجهاد أمته. وكذلك: "إنه صاحب التاج" فهذه الصفة خاصة به (ص) إذ الأمة العربية هم المعروفون
— 209 —
بالعمامة والعقال بين الأمم والتاج والعمامة بمعنى واحد. فصاحبُ التاج المذكور في الإنجيل ليس إلّا الرسول (ص). وفيه كذلك: البارقليط أو الفارقليط، ومعناه كما جاء في تفسير الإنجيل: إنه الفارق بين الحق والباطل، وهو اسم النبي (ص) الذي يدعو الناس إلى الحق. وقد قال عيسى عليه السلام في الإنجيل: "سأذهب كي يجيء سيد العالم" فهل غيرُ محمد (ص) قد جاء بعد عيسى عليه السلام، وترأس العالم وفرّق بين الحق والباطل، وأرشد الناس إلى الخير والصلاح. أي أنَّ عيسى عليه السلام كان يبشّر دومًا أنه سيأتي أحدهم بعدي ولا تبقى الحاجة إليّ فأنا مقدمة له. كما يصرح بذلك القرآن الكريم:
﴿ واذ قال عيسى ابن مريم يا بني اسرائيل اني رسولُ اللّٰه اليكُم مُصَدقًا لما بين يَديّ من التوراة ومبشّرًا برسولٍ يأتي من بعدي اسمُه احمد ﴾
(الصف: ٦).
(٭): لقد رأى الرحال التركي المشهور "أوليا جلبي" في مقبرة شمعون الصفا إنجيلًا مكتوبًا على جلد الغزال فقرأ فيه الآية الآتية:
(ايتون) مولود (آزربيون) من نسل إبراهيم (بروفتون) يصبح نبيًا (لوغسلين) ليس كذابًا (بنت افنزولات) يكون مولده بمكة (كه كالوشير) يأتي بالصلاح والرشاد (تونو منين) اسمه المبارك (مواميت) (محرّفة عن "محمد") أحمد محمد (ايسفيدوس) الذين معه ويتبعونه (تاكرديس) هم أساس هذه الدنيا (بيست بيث) وهو سيد العالم. (المؤلف).
نعم إنَّ عيسى عليه السلام قد بشّر أمتَه كثيرًا بأنه سیيجيء سيدُ العالم ورئيسُه ويذكره بأسماء مختلفة سواء بالسريانية أو العبرية. فالعلماء المحققون يرون أن هذه الأسماء تعني: أحمد، محمد، الفارق بين الحق والباطل. [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٣٤-٢٣٥؛ النبهاني، حجة اللّٰه على العالمين ١١٢، ١١٥.
سؤال: لِمَ بشّر عيسى عليه السلام بقدوم النبي (ص) أكثر من غيره من الأنبياء عليهم السلام بينما اكتفى الآخرون بالإخبار عنه فقط؟
الجواب: لأن الرسول الكريم (ص) قد أنقذ عيسى عليه السلام من تكذيب اليهود ومن افتراءاتهم الشنيعة، وأنقذ دينَه من تحريفات فظيعة، فضلًا عن أنه أتى بشريعة سمحاء بدلًا من تلك الشريعة التي أرهقت بني إسرائيل الذين لا يؤمنون بعيسى عليه السلام، فهذه الشريعة الغراء جامعةٌ للأحكام مكمِّلة لما هو ناقص في شريعة عيسى عليه السلام. ومن هنا تأتي بشارة عيسى عليه السلام بالرسول الكريم (ص) بأنه سيأتي رئيس العالم..
وهكذا نرى كيف أن التوراة والإنجيل والزبور وسائر صحف الأنبياء قد اعتنت بنبيِّ
— 210 —
آخر الزمان وتضم آيات كثيرة نُعوتَه، كما بيّنا نماذجَ منها. فهو مذكورٌ بأسماء ونعوت مختلفة في تلك الكتب. تُرى من يكون نبيُّ آخر الزمان الذي ذكرته جميعُ كتب الأنبياء ذكرًا جادًا إلى هذا الحد، في آيات مكررة منها، غيرَ محمد (ص)!
القسم الثاني
من الإرهاصات ودلائل النبوة هو: إخبارُ الكُهّان والأولياء العارفين باللّٰه في عهد "الفترة" (أي قبل البعثة النبوية) عن مجيئه (ص) فقد أعلنوا عنه أمام الملأ، وتركوا أخبارَهم لنا في أشعارهم. هذه الإخبارات كثيرة جدًّا، فلا نذكر منها إلّا ما هو منتشر ومشهور ومقبول لدى رجال السيَر والتاريخ.
الأول: ما رآه الملك تُبّع -من ملوك اليمن- من أوصاف الرسول (ص) في الكتب القديمة، وآمن. وأعلن ذلك شعرًا:
شیهیدتُ على أحمد أنه رسولٌ من اللّٰه باري النَسَم
فلو مُدَّ عیمري إلى عمره لكنتُ وزيرًا له وابن عم
[٭]: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٦/١٤٥؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/١٦٦، تفسير القرآن ٤/١٤٥؛ ابن حبيب، المكتفى ١/٤٩.
أي كنتُ له كعلي رضي اللّٰه عنه.
الثاني: إعلان قِس بن ساعدة الشهير بأبلغ خطباء العرب والموحِّد، عن الرسالة الأحمدية شعرًا قبل البعثة بالأبيات الآتية:
أُرسل فينا أحمد خير نبي قد بُعث
صلى عليه اللّٰه ما عجّ له ركبٌ وحُث
[٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٢/١١١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/٢٣٦؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٨٢؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٣٢٨.
الثالث: ما قاله كعب بن لؤي وهو أحد أجداد النبي (ص). فأُلهم هذا البيت عن الرسالة الأحمدية.
— 211 —
على غفلةٍ يأتي النبي محمد فيُخبر أخبارًا صدوقًا خبيرها
[٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٩٠؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ١/١٥٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٢/٢٤٤.
الرابع: ما رآه سيف بن ذي يَزَنْ أحد ملوك اليمن في الكتب السابقة من أوصاف الرسول (ص)، وآمن به واشتاق إليه، وعندما ذهب جدُّ النبي (ص) إلى اليمن مع قافلة قريش دعاهم الملك سيف بن ذي يَزَنْ وقال لهم: إذا ولد بتهامة (أي: الحجاز) ولدٌ بين كتفيه شامةٌ كانت له الإمامة وإنك عبد المطلب لجدّه. [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ٢/١٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٩٧-٩٨؛ الماوردي، أعلام النبوة ١/٢٣٥.
الخامس: عندما نیزل الوحيُ لأول مرة على الرسول الكريم (ص) أخذه الخوفُ والروع، فانطلقتْ به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل (ابن عم خديجة) فقالت: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك. فقال له ورقة: يا ابن أخي ماذا ترى؟ فأخبره رسولُ اللّٰه (ص) ما رأى. فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نیزل اللّٰه على موسى يا ليتني فيها جَذَعًا، [٭]: جذع من الرجال: الشاب الحدث. يا ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومُك... [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٠٤.
ومما قاله ورقة: بشِّر يا محمد إنّي أشهد أنّك أنت النبي المنتظَر وبَشَّر بكَ عيسى.
السادس: لما رأى عثكلان الحميَري الیعارف باللّٰه قريشیًا قبل البعثة قیال لهم: هل فيكم من يدّعي النبوة؟ فأجابوه: لا، ثم سیأل السیؤال نفسه زمین البیعیثیة، فقالوا: نعم، إن فينا من يدّعي النبوة، فقال: إن العالَم ينتظره. [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٥/٢٥٠؛ ابن حجر، الإصابة ٥/١٢٦؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٦٩؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٤٤٩.
السابع: أخبر أحدُ علماء النصارى وهو ابن العلا عن النبي (ص) قبل البعثة، ثم جاء بعد البعثة فرأى النبيَّ (ص) وقال له: والذي بعثك بالحق لقد وجدتُ صفتَك في الإنجيل وبشّر بك ابنُ البتول. [٭]: ابن سيد الناس، عيون الأثر ١/١٤٦؛ وانظر: ابن عساكر، تاريخ ٣/٤٣٠؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٢٤؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٣١٩.
الثامن: قال النجاشي ملك الحبشة الذي سبق ذكره: ليتَ لي خِدْمَتَه بدلًا عن هذه السلطنة. [٭]: انظر: أبو داود، الجنائز ٥٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٦١؛ سعيد بن منصور، كتاب السنة ٢/٢٢٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٥٠؛ عبد بن حميد، المسند ١/١٩٣.
— 212 —
وبعد ما ذكرنا ما تنبأ به هؤلاء العارفون بإلهام من اللّٰه عن مجيء الرسول (ص) نورد ما قاله الكهّان وتنبّأوا به من أخبار الغيب بوساطة الأرواح والجن، فقد صرّحوا بمجيء النبي (ص) وتنبّأوا عن نبوته وهم كثيرون، إلّا أننا سوف لا نذكر إلّا ما هو في حكم المتواتر ومذكور في كتب السيرة والتاريخ ونحيل قصصَهم المطولة وأقوالَهم المُسهبة إلى كتب السيرة. فلا نذكر هنا إلّا الخلاصة.
الأول: الكاهن الموسیوم بی"شِیقّ" الذي كان شِیقَّ إنسیان يدًا واحدة ورجلًا واحدة وعينًا واحدة. أخبر هذا الكاهنُ عن النبي (ص) مرارًا حتى وصلت أقوالُه حدّ التواتر. [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ١٢٤، ١٢٩، ١٥٨، ١٩٠، ١٩٢؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٤٣١؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٢٥- ١٢٨.
الثاني: كاهن الشام المسمى بی"سَطيح" الذي كان أعجوبة من العجائب حيث كان جسدًا لا جوارح له ولا عظم فيه إلّا الرأس ووجهه في صدره، وقد عاش كثيرًا، اشتهرت أخبارُه الغيبية الصادقة كثيرًا حتى إن كسرى ملك فارس عندما رأى الرؤيا العجيبة التي هالته -زمن ولادة الرسول (ص)- من انشقاق شرفات إيوانه الأربعة عشرة وسقوطها، بعث عالِمًا اسمه "مويزان" ليسأل سطيحًا عن حكمة هذه الرؤيا، فأرسل إلى كسرى كلامًا بهذا المعنى: "سيحكم فيكم أربعة عشر ملكًا ثم ستُمحى سلطنتكم وتُزال دولتُكم، وسيأتي من يظهر دينًا جديدًا، فيكون سببًا في زوال دينِكم ودولتكم". وهكذا أخبر سطيح خبرًا صريحًا عن مجيء نبيّ آخر الزمان. [٭]: الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٤٥٩-٤٦٠؛ البيهقي، دلائل النبوة ١/١٢٦-١٣٠؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٧/٣٦١-٣٦٣.
وقد أخبر سَواد بن قارب الدَّوسي، [٭]: البخاري، مناقب الأنصار ٣٥؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٣٤-٣٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ٧/٩٢-٩٥؛ الحاكم، المستدرك ٣/٧٠٤-٧٠٥. وخنافِر [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٤٦٠؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/٥٢-٥٣؛ ابن حجر، الإصابة ٢/٣٦٢-٣٦٣، ٣/٣٤٩. وأفعى نَجران (من ملوكها)، وجذل بن جذل الكندي، [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٦٥. وابن خُلّصة الدَّوسي، [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣/٤٥١-٤٥٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٨٥-١٨٦. وفاطمة بنت النعمان النّجارية [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٦٧؛ الطبراني، المعجم الأوسط ١/٢٣٤؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٠٧. وأمثالُهم من
— 213 —
الكهّان المشهورين. قد أخبروا جميعًا عن مجيء نبي آخر الزمان وأنه محمد (ص) كما ذكرته كتب التاريخ والسيرة مفصلًا.
وإن سعد بن بنت كريز وهو من أقارب عثمان رضي اللّٰه عنه قد تلقّى بطريق الكهانة خبر نبوة محمد (ص) من الغيب، فأشار إلى عثمان رضي اللّٰه عنه بالإيمان في أول ظهور الإسلام قائلًا: انطلق إلى محمد وآمن، فآمن عثمان وأورده سعدٌ شعرًا:
هدى اللّٰه عثمانَ بقولي إلى التي بها رُشْدُه واللّٰه يَهدِي إلى الحق
[٭]: ابن حجر، الإصابة ٧/٦٩٨؛ وانظر: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٩/٢٥؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٧/٢٠٠.
وأخبرت الهواتفُ أيضًا كما أخبر الكهان عن مجيء الرسول (ص). والهاتف هو الصوت العالي الذي يُسمَع ممن لا يُرى شخصُه.
منها: سماع ذياب بن الحارث هاتفًا من جنّي، وأصبح سببًا لإسلامه وإسلام غيره:
يا ذياب يا ذياب اسمع العَجَب العُجاب
بُعث محمدٌ بالكتاب يدعو بمكة فلا يُجاب
[٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٥٩؛ ابن الأثير، اسد الغابة ٢/١٥؛ ابن حجر، الإصابة ٢/٤٠٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٧٤.
ومنها: سماع ابن قُرّة الغطفاني هاتفًا يقول:
جاء الحق فسَطعودُمِّر باطلٌ فانقمع
[٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٥٩؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧٤٨؛ الخفاجي، نسيم الرياض ٤/٣٢٣.
فكان سببًا في إيمان بعض الناس.
وهكذا فبشارة الكهان والهواتف مشهورة وكثيرة جدًّا.
— 214 —
وقد سُمع من جوف الأصنام وذبائح النُّصب خبرُ مجيء النبي (ص) كما سمع من الكهان والهواتف.
منها: أن صنم قبيلة مازن أخبر عن الرسالة الأحمدية إذ نادى فقال: هذا النبي المُرسَل جاء بالحق المُنیزَل. [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ١١٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٥٦؛ وانظر: الطبراني، المعجم الكبير ٢٠/٣٣٨.
وكذلك فإن سبب إسلام عباس بن مرداس هذه الحادثة المشهورة: أنه كان له صنمٌ يسمى بی"ضمار" فقال ذلك الصنم يومًا.
أوْدى ضِمار وكان يُعبد قبل البيان من النبي محمد
[٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٩٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١١٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٣١٢.
وقد سمع عمر رضي اللّٰه عنه قبل إسلامه صوتًا من عجل قرَّبَه رجلٌ ليذبحه قربانًا لصنم يقول: يا آل الذبيح، أمرٌ نجيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلّا اللّٰه. [٭]: انظر: البخاري، مناقب الأنصار ٣٥؛ أبو يعلى، المسند ١/٢٦٦؛ ابن هشام ، السيرة النبوية ٢/٣٥؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٨.
وهكذا فهناك حوادثُ مشابهة كثيرة جدًّا أمثال ما ذكرناه قد نقلته الكتب الموثوقة في السيرة والتاريخ.
وكمیا أن الكهان والیعیارفیيین بیاللّٰه والهواتیف حیتیى الأصینیام والیذبیائیح أخیبیروا عن الرسالة الأحمديیة، وأصبح كلُّ حادث سببًا لإسیلام قِسیم من الناس كذلك بعضُ الأحجیار وشیواهید الیقیبیور وُجیدت عليها عبیاراتٌ بالخط القیديیم "محمد مصیلح أميین" وقد آمین بسیبب ذلك قیسیم من الینیاس. [٭]: البخاري، التاريخ الكبير ١/٢٩؛ البيهقي، دلائل النبوة ١/٦١؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٤/١٠٢؛ ابن حجر، الإصابة ١/٧٢.
نعم، إن عبارة "محمد مصلح أمين" حَريَّة بالنبي (ص) إذ هو المتصف بالمصلح الأمين ولأنه لم يكن قبل ذلك من يتسمى باسم محمد سوى رجال وهم غير حَريّين بهذا التوصيف.