— 173 —
الإشارة الثالثة عشرة
ومن معجزاته (ص): شفاءُ المرضى والجرحى بنفثه المبارك. وهذا النوع من المعجزات متواتر معنوي -من حيث النوع- أما جزئياتها فقسمٌ منها بحكم المتواتر المعنوي وقسمٌ آخر آحادي، إلّا أنه يورث القناعةَ العلمية والاطمئنانَ وذلك لتوثيق العلماء له وتصحيح أئمة الحديث.
سنذكر من أمثلةِ هذا النوع من المعجزات بضعةَ أمثلة فقط من بين أمثلتها الغزيرة.
المثال الأول: يروي القاضي عياض عن سعد بن أبي وقاص وهو من العشرة المبشرين بالجنة وتولى خدمة النبي (ص) وأصبح أحد قواده، وقاد جيش الإسلام في عهد عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه، أنه قال: "إن رسول اللّٰه (ص) لَيُناوِلني السهمَ لا نَصْلَ لَهُ، فيقول: ارْمِ به، وقد رمى رسولُ اللّٰه (ص) يومئذٍ عن قوسه حتى اندقّت" كان ذلك في غزوة أُحد، وكانت السهام التي لا نصلَ لها تَمرُقُ كالمريّشة وتثبتُ في جسد الكفار. [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ٤٢؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/١٤٢؛ وانظر: ابن إسحاق، السيرة ٣/٣٠٧، ابن هشام، السيرة النبوية ٤/ ٣١.
وقال أيضًا: "وأُصيبت يومئذٍ عينُ قتادة (بن النعمان) حتى وقعتْ على وجنَته، فردّها رسولُ اللّٰه (ص)" بيده المباركة الشافية "فكانت أحسنَ عَينَيه" [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٨٧؛ البيهقي، دلائل النبوة ٣/٢٥١-٢٥٢؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/١٢٧٥. واشتهرت هذه الحادثة حتى إن أحدَ أحفاد قتادة حينما جاء إلى عمر بن عبد العزيز عرّفَ نفسَه بإنشاده الأبيات الآتية: [٭]: ابن كثير، البداية والنهاية ٦/٢٩٤؛ ابن سيد الناس، عيون الأثر ٢/٢٣؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٢/٥٤٣؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٥٢.
أنا ابن الذي سالَت على الخدِّ عينُهفرُدَّتْ بكفِّ المصطفى أحسنَ الردّ
فیعییادت كما كانت لأول أمرهیا فيا حُیسیینَ ما عينٍ ويیا حُسنَ ما ردّ
وثبت أيضًا: أنه جعل ريقَه على جراحةِ: "أثر سهمٍ في وجه أبي قتادة في يوم ذي قرد [٭]: (ذي قرد): غزوة كانت بعد الحديبية (عن زاد المعاد). قال: فما ضرب عليّ ولا قاح" [٭]: أي: ما آلمني ولا سال منه قيح. انظر: الحاكم، المستدرك ٣/٥٤٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٤/١٩٣؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٤/١٧٣١. إذ مسحه رسول اللّٰه (ص) بيده المباركة.
— 174 —
المثال الثاني: روى البخاري ومسلم وغيرهما: أنَّ الرسول (ص) أعطى الراية عليًا يومَ خيبر، وكان رمدًا، فلما تفل في عينه أصبح ترياقًا لعينه فبرئت بإذن اللّٰه. [٭]: البخاري، الجهاد ١٠٢، ١٤٣، فضائل الأصحاب ٩، المغازي ٣٨؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤.
ولما جاء الغد أخذ عليٌّ بابَ القلعة وهو من حديد وكأنه ترس في يده، وفتح القلعة.
"ونفث على ضربةٍ بساقِ سلَمة بن الأكوَع يوم خيبر فبرِئت". [٭]: البخاري، المغازي ٣٨؛ أبو داود، الطب ١٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٤٨.
المثال الثالث: "روى النسائي عن عثمان بن حُنَيف: أن أعمًى أتى إلى رسول اللّٰه (ص)، فقال: يا رسول اللّٰه ادعُ اللّٰه أنْ يكشف لي عن بصري. قال: أوَ أدعك؟ قال: يا رسول اللّٰه إنه قد شقّ عليّ ذهاب بصري. قال: فانطلِق فتوضأْ ثم صلِّ ركعتين ثم قل: اللّٰهم إني أسألك وأتوجه إليك بنبيي محمدٍ نبيّ الرحمة، يا محمدُ إني أتوجه إلى ربّك بك، أن يكشف لي عن بصري، اللّٰهمُّ شفِّعه فيّ، وشفِّعني في نفسي. فرجَع وقد كشفَ اللّٰه عن بصره". [٭]: النسائي، السنن الكبرى ٦/١٦٨، ١٦٩؛ عمل اليوم والليلة ٤١٨؛ وانظر: الترمذي، الدعوات ١١٨؛ ابن ماجة، الاقامة ١٨٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٣٨.
المثال الرابع: "قطع أبو جهل يوم بدر يدَ معوَّذ بن عفراء" أحد الأربعة عشر الذين استشهدوا في بدر "فجاء يحملُ يدَه فبصق عليها رسولُ اللّٰه (ص) وألصقَها فلَصَقتْ، رواه ابن وهب" وهو من أئمة الحديث- ثم عاد إلى القتال فقاتل حتى استشهد. [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٢٤.
"ومن روايته أيضًا: أن خُبيب بن يساف أُصيب يومَ بدر مع رسول اللّٰه (ص)، بضربةٍ على عاتقِه حتى مال شِقُّه، فردَّه رسولُ اللّٰه (ص)، ونفثَ عليه حتى صحّ". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٧٨؛ ابن الأثير، أسد الغابة ١/٥٩٥؛ ابن حجر، الإصابة ٢/٢٦١.
فهاتان الحادثتان وإن كانتا آحادية إلّا أن تصحيحَ الإمام الجليل ابن وهب لهما، وكون وقوعهما في منبع المعجزات، بدر، ولوجود شواهد كثيرة من أمثالهما يجعلهما لا يشك أحدٌ في وقوعهما.
وهكذا هناك ألفُ مثال ومثال قد ثبت بالأحاديث الصحيحة، من أن يدَ الرسول الأعظم (ص) أصبحت شفاءً ودواءً لذوي العاهات والمرضى.
— 175 —
لو سطرت هذه القطعة بماء الذهب ورصعت بالألماس لكانت جديرة
حقًا! وكما مرّ سابقًا: إن تسبيح الحصى وخشوعَه في كفه (ص) ..
وتحوّل التراب والحصيات فيها كقذائف في وجوه الأعداء حتى ولّوا مُدبرين بقوله تعالى:
﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ اللّٰه رمى ﴾
(الأنفال: ١٧)
وانفلاق القمر فلقتين بإصبعٍ من الكفِّ نفسها كما هو نص القرآن الكريم:
وَانشَقَّ الْقَمَر
وفوران الماء كعينٍ جارية من بين الأصابع العشرة وارتواء الجيش منه. وكون تلك اليدِ بلسمًا للجرحى وشفاءً للمرضى..
ليبيّن بجلاء: مدى بركة تلك اليد الشريفة:
ومدى كونها معجزة قدرة إلهية عظيمة. لكأن كفَّ تلك اليد:
زاويةُ ذكر سبحانية صغيرة بين الأحباب، لو دخلها الحصى لسبّح وذكر..
وتِرسانةٌ ربانية صغيرة تجاه الأعداء، لو دخلها الترابُ لتطاير تطايرَ القنابل..
وتعود صيدليةً رحمانية صغيرة للمرضى والجرحى، لو لامستْ داءً لغدتْ له شفاءً..
وحينما تنهضُ تلك اليدُ تنهض بجلالٍ فتشقُّ القمرَ شِقين بإصبع منها.
وإذا التفتتْ التفاتةَ جمالٍ فجّرتْ ينبوعَ رحمةٍ يَدفُق من عشر عيونٍ تجري كالكوثر السلسبيل
فلئن كانت يدُ هذا النبي الكريم (ص) موضعَ معجزاتٍ باهرة إلى هذا الحد.. ألا يُدرَك بداهةً: مدى حظوتِه عند ربه.. مبلغَ صدقه في دعوته
ومدى سعادة أولئك الذين بايعوا تلك اليد المباركة ؟.
— 176 —
سؤال: إنك تقول في كثير من الروايات أنها متواترةٌ، بينما لم نسمع بها إلّا الآن فهل يُجهَل التواترُ إلى هذا الحد؟.
الجواب: هناك أمورٌ كثيرة متواترةٌ لدى علماء الشرع بينما هي مجهولةٌ لدى غيرهم. فلدى علماء الحديث من الأحاديث المتواترة ما لا يُعرف إلّا بالآحاد لدى سواهم.. وهكذا، فبديهياتُ ونظرياتُ كلِّ علم إنما تُبيَّن حسب ما تواضَع عليه أهلُ اختصاص ذلك العلم، أما بقيةُ الناس فهم يعتمدون عليهم في ذلك العلم. فإما أنهم يستسلمون لقولهم، أو يعكفون على دراسة ذلك العلم فيجدون ما وجدوه.
فما أخبرْنا عنه من المتواتر الحقيقي أو المعنوي، أو ما هو بحكم المتواتر من الحوادث، قد بيّن حكمَها رجالُ الحديث، وعلماءُ الشريعة وعلماءُ الأصول، وأغلب العلماء الآخرين. فإذا جَهِلَه العوام الغافلون، أو مَن يغمض عينَه عن العلم من الجهال، فلا يقع اللومُ إلّا عليهم.
المثال الخامس: أخرج الإمام البغوي: أُصيبت "ساق علي بن الحكم يومَ الخندق إذ انكسرت" فمسحَها رسولُ اللّٰه (ص) "فبرئ مكانَه، وما نیزل عن فرسِه". [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٨٥؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/١٤١٥؛ ابن حجر، الإصابة ٤/٥٦٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/١١٩.
المثال السادس: روى البيهقي وغيره "اشتكى علي بن أبي طالب، فجعل يدعو، فقال النبي (ص): اللّٰهم اشفِه أو عافه ثم ضربَه برِجله، فما اشتكى ذلك الوجَع بعدُ". [٭]: الترمذي، الدعوات ١١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/١٠٧، ١٢٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٦، ٦/٦٣؛ النسائي، السنن الكبرى ٦/٢٦١.
المثال السابع: "كانت في كفِّ شرحبيل الجعفي سلعةٌ [٭]: (سلعة): زيادة تحدث في الجسد كالغدة، تكون على قدر الحمصة إلى قدر البطيخة. تمنعه القبض على السيف وعنان الدابة فشكاها للنبي (ص)، فما زال يطحنُها [٭]: (يطحنها): يدير كفه عليها بقوة. بكفه حتى رفعها ولم يبق لها أثرٌ". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٧/٣٠٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٧٦؛ ابن عبد البر ٢/٦٩٧، ٦/ ١٧٦.
المثال الثامن: ستةٌ من الأطفال نالوا -كلٌّ على حدة- معجزةً مین معجزات الرسول الأكرم (ص).
الأول: روى ابن أبي شيبة -وهو من أئمة الحديث-أنه: "أ تَیتْه (ص) امرأةٌ من خثعم معها
— 177 —
صبيٌ به بلاءٌ لا يتكلم، فأُتي بماء، فمضمَض فاهُ وغسل يدَيه، ثم أعطاها إياه، وأمَرَها بسقيِه ومسِّه به، فبرأَ الغلامُ وعقلَ عقلًا يفضُلُ عقولَ الناس". [٭]: ابن ماجه، الطب ٤٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٨، ٦/٣٢١؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٥/١٦٠.
الثاني: "وعن ابن عباس: جاءت امرأةٌ بابنٍ لها به جنونٌ، فمسح (ص) صدرَه فثعَّ ثعَّةً فخرج من جوفه مثل الجروِ الأسود" -شيء أسود كالخيار الصغير- فشفيَ. [٭]: الدارمي، المقدمة ٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٣٩، ٢٥٤، ٢٦٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢/٥٧.
الثالث: روى الإمام البيهقي والنسائي: "انكفأت [٭]: انكفأت: انقلبت. القِدرُ على ذراع محمد بن حاطب، وهو طفلٌ فمسحَ عليه (ص) ودعا له" ونفخَ نفخًا فيه ريقُه الشريف فبرأَ لحينِه. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤١٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٥؛ النسائي، السنن ٤/٣٦٦، ٦/٥٥، ٢٥٣، ٢٥٤؛ ابن حبان، الصحيح ٧/٢٤١.
الرابع: "أن النبي (ص) أُتي بصبّيٍ قد شبَّ" أي كَبُر "لم يتكلم قط، فقال: من أنا؟ فقال: رسولُ اللّٰه" [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/٦٠، ٦١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/١٥٩. فأنطقَه اللّٰه.
الخامس: أخرج إمام العصر جلال الدين السيوطي -الذي تشرّف في اليقظة برؤية النبي (ص) مرارًا- [٭]: ابن العماد، شذرات الذهب ٤/٤٥؛ النبهاني، جامع كرامات الأولياء ٢/١٥٨. أنه: جاء رسولَ اللّٰه (ص) رجلٌ من أهل اليمامةِ بغلامٍ يومَ ولِد، فقال له رسولُ اللّٰه (ص): يا غلام من أنا؟. فقال: أنت رسولُ اللّٰه. قال: صدقتَ بارك اللّٰه فيك. ثم إن الغلام لم يتكلم حتى شبّ فكان يسمى بی "مبارك اليمامة" لدعاء النبي (ص) له بالبركة. [٭]: ابن قانع، معجم الصحابة ٣/١٣٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٩؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٣/٤٤٣؛ ابن كثير البداية والنهاية ٦/١٥٨.
السادس: "ودعا على صبيٍ" خشن الطبع "قطعَ عليه الصلاةَ أن يقطعَ اللّٰه أثره فأُقْعِدَ" [٭]: أبو داود، الصلاة ١٠٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٦٤، ٥/٣٧٦؛ البخاري، التاريخ الكبير ٨/ ٣٦٥؛ ابن أبي شيبة، المصنف ١/٢٥٤. ونال جزاء فظاظته.
السابع: "سألتْه جاريةٌ طعامًا وهو يأكل، فناوَلها من بين يديه، وكانت قليلةَ الحياء، فقالت: إنما أريد من الذي في فيكَ، فناولها ما في فيه، ولم يكن يُسأل شيئًا فيَمنعه. فلما اسیتقرّ في جوفها أُلقي عليها من الحياء ما لم تكن أمرأةٌ بالمدينة أشدَّ حياءً منها". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٨/٢٠٠، ٢٣١.
— 178 —
وهكذا هناك أمثلة غزيرة تربو على الثمانمائة مثال، كالتي ذكرناها، وقد بيّنت كتبُ الأحاديث والسيَر معظمَها.
نعم، لما كانت اليدُ المباركة للرسول الكريم (ص) كصيدليةِ لقمان الحكيم، وبصاقُه كماء عين الحياة لخضر عليه السلام، ونفثُه كنفث عيسى عليه السلام في الشفاء، وأن بني البشر يتعرضون للمصائب والبلايا، فلا ريب أنه قد أُتى إليه ما لا يُحد من المرضى والصبيان والمجانين ولا شك أنهم قد شفوا جميعًا من أمراضهم وعاهاتهم. حتى إن طاووسًا اليماني وهو من أئمة التابعين المشهور بزهدِه وتقواه إذ حجّ أربعين مرةً وصلى صلاة الصبح بوضوء العشاء أربعين سنة، ولقيَ كثيرًا من الصحابة الكرام، هذا العالم الجليل يخبر جازمًا فيقول: "ما من مجنون جاء إلى النبي (ص) ووضع يدَه الشريفة على صدره إلّا شُفي من جنونه".
فإذا أخبر إمامٌ كالطاووس اليماني -الذي أدرك الصحابةَ الكرام- هذا الخبرَ الجازم فلا ريب أنه قد جاء إلى النبي (ص) كثيرٌ جدًّا من المرضى، ربما يبلغ الألوف وكلُّهم شفوا من أمراضهم.
الإشارة الرابعة عشرة
ومن أنواع معجزاته (ص) نوعٌ عظيم، وهو الخوارق التي ظهرت بدعائه. فهذا النوع لاشك فيه ومتواترٌ تواترًا حقيقيًا، وأمثلتُها وجزئياتُها وفيرة جدًّا لا تُحصر، وقد بلغ كثيرٌ من أمثلتها درجة المتواتر، بل صارت مشهورةً قريبة من التواتر، ومنها ما نقله أئمةٌ عظام بحيث يفيد القطعية فيه كالمتواتر المشهور.
ونحن هنا نذكر على سبيل المثال بعضًا من أمثلتها الكثيرة جدًّا التي هي قريبة من المتواتر، أو التي هي بدرجة المشهور، كما سنذكر جزئياتٍ من كل مثال:
المثال الأول: روى أئمةُ الحديث وفي مقدمتهم البخاري ومسلم أن دعاء النبي (ص) للاستسقاء كان يُستجاب في الحال، وحدث ذلك مرارًا كثيرة، حتى إنه كان يرفع يديه أحيانًا للاستسقاء وهو على المنبر، فيُستجاب له قبل أن ينیزل، [٭]: البخاري، الاستسقاء ٦، ٧، ٩، ١٢، ١٤؛ مسلم، الاستسقاء ٨-١٠؛ النسائي، الاستسقاء ١، ١٠؛ الموطأ، الاستسقاء ٣. وهذه الروايات ثابتةٌ بلغت حدّ
— 179 —
التواتر. وقد ذكرنا آنفًا: أنه أصاب الناسَ عطشٌ في السفر، فكان السحابُ يتراكم في كل مرة يحتاجون إلى الماء فيسقون ثم يقلع. [٭]: ابن خزيمة، الصحيح ١/٥٣؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٣/٣٢٤؛ البزار، المسند ١/٣٣١؛ ابن حبان، الصحيح ٤/٢٢٣؛ البيهقي، السنن الكبرى ٤/٣٥٧.
بل كان دعاؤه (ص) يُستجاب حتى قبل النبوة، فكان عبد المطلب جد النبي (ص) يستسقي بوجهه الكريم في صباه، فكان المطر ينزل، وقید اشتهرت هذه الحادثة حتى ذكرها عبد المطلب في بعض أشعاره. [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الكبير ٢٤/٢٦٠-٢٦١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٩٠، ٢/٣٢٢؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/١٥-١٩.
ولقد استسقى عمرُ بن الخطاب رضي اللّٰه عنه بالعباس عمِّ النبي بعد وفاته (ص) فقال: "اللّٰهم إنّا كنّا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا وإنّا نتوسل إليك بعَمِّ نبينا فاسقِنا، قال فيُسقَون". [٭]: البخاري، الاستسقاء ٣، فضائل أصحاب النبي (ص) ١١؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/٧٢؛ البيهقي، السنن الكبرى ٣/٣٥٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/٢٩.
وروى الشيخان أن الرسول (ص) سُئل أن يغيثهم اللّٰه بالمطر "فدعا (ص) بدعاء الاستسقاء فسقوا ثم شكوا إليه المطر فدعا فأصحوا". [٭]: البخاري، الاستسقاء ٦، ٧ ، ٩ ، ١٢ ، ١٤ ؛ مسلم، الاستسقاء ٨-١٠؛ النسائي، الاستسقاء ١، ١٠؛ الموطأ، الاستسقاء ٣.
المثال الثاني: وردت روايةٌ مشهورة قريبةٌ من التواتر أنه (ص) حينما كان المؤمنون قلةً ويكتمون إيمانهم وعبادتهم "دعا بعزّ الإسلام بعمر رضي اللّٰه عنه أو بأبي جهل فاستُجيب له في عمر" إذ قال: "اللّٰهم أعزّ الإسلام بأبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب، فأصبح فغدا عمرُ على رسول اللّٰه (ص) فأسلَم" [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٠/١٥٩، المعجم الأوسط ٢/٢٤٠، ١١/٢٥٥؛ وانظر:الترمذي، المناقب ١٧؛ ابن ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٩٥. فكان سببًا لعزّ الإسلام ولذلك دُعي بالفاروق. [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/٢٧٠؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٥٦٢؛ النووي، تهذيب الأسماء ٢/٣٢٥.
المثال الثالث: ولقد دعا النبي الكريم (ص) لبعض الصحابة لمقاصد شتى فاستُجيب له استجابةً خارقة، حتى وصلت كرامةُ تلك الأدعية درجة الإعجاز.
من ذلك ما روى البخاري ومسلم وغيرهما أنه: "دعا لابن عباس: اللّٰهمّ فقّهه في الدين
— 180 —
وعلّمه التأويل" [٭]: البخاري، الوضوء ١٠؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٣٨. فَسُمّي بعدُ الحبر [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٠/٢٣٧؛ الحاكم، المستدرك ٣/٦١٦؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ١/٣١٦؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/٣٧٠. وترجمان القرآن [٭]: ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣٨٣؛ ابن سعد ، الطبقات الكبرى ٢/٣٦٦؛ الحاكم، المستدر، ٣/٦١٨؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/٩٣٥. حتى كان عمر رضي اللّٰه عنه يأذن لابن عباس -مع حداثة سنّه- أنْ يجلس في مجلس أكابر الصحابة الأجِلاء. [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٣٧، المغازي ٣٨، ٥١؛ الترمذي، تفسير القرآن، سورة النصر ١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٣٨.
وروى البخاري وغيره "عن أنس رضي اللّٰه عنه قال: قالت أمي: يا رسول اللّٰه خادمُك أنس ادعُ اللّٰه له. قال: اللّٰهم أكثر مالَه وولَده وبارك له فيما آتيتَه، وفي رواية عكرمة قال أنس: فواللّٰه إن مالي لكثير وإن وَلَدي وولَد ولدي ليعادّون اليوم على نحو المائة. وفي رواية، فما أعلَمُ أحدًا أصابَ من رخاء العيش ما أصبتُ، ولقد دفنتُ بيديّ هاتين مائةً من ولدي لا أقول سقطًا ولا ولدَ ولدٍ" [٭]: البخاري، الدعوات ١٨، ٢٥ ، ٤٧، ٤٨؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٤١- ١٤٣. وكان كل ذلك ببركة دعاء النبي (ص). [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٢٤٨، ٦/٤٣٠؛ الطيالسي، المسند ١/٢٧٠؛ أبو يعلى، المسند ٦/١٦، ٧/٢٣٣؛ ابن حبان، الصحيح ١٦/١٤٣.
وروى الإمام البيهقي وغيره من أئمة الحديث أنه (ص) "دعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة" [٭]: البخاري، النكاح ٧، ٦٨، الدعوات ٥٣؛ مسلم، النكاح ٧٩. وهو أحد العشرة المبشرين بالجنة فأصاب مالا وفيرًا ببركة ذلك الدعاء حتى إنه "تصدّق مرّةً بعِيرٍ فيها سبعمائة بَعير وَرَدَتْ عليه تحمل من كل شيء فتصدّق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٦/١١٥؛ عبد ابن حميد، المسند ١/٤٠٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/١٢٩، ٦/٢٧. فما شاء اللّٰه في هذه البركة وتبارك اللّٰه.
وروى البخاري وغيره أنه (ص) دعا لعروة بن أبي الجعد بالبركة في تجارة له. فقال: "فلقد كنت أقوم بالكناسة [٭]: (الكناسة): موضع سوق بالكوفة. فما أرجعُ حتى أربح أربعين ألفًا. وقال البخاري في حديثه، فكان لو اشترى التراب ربح فيه". [٭]: البخاري، المناقب ٢٨؛ أبو داود، البيوع ٢٧؛ ابن ماجه، الصدقات ٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٧٥.
"ودعا لعبد اللّٰه بن جعفر بالبركة في صفقةِ يمينهِ فما اشترى شيئًا إلّا ربح فيه" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٠٥؛ النسائي، السنن الكبرى ٥/٤٨، ١٨٠، ٦/٢٦٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/٣٦٢. حتى اشتهر في زمانه بالثروة والمال بمثل ما اشتهر بالكرم والسخاء. [٭]: ابن حبان، الثقات ٣/٢٠٧؛ ابن عبد البر، الاستيعاب، ٣/٨٨١؛ المزي، تهذيب الكمال ١٤/٣٦٧؛ النووي، تهذيب الأسماء ٢٤٩.
— 181 —
ولهذا النوع أمثلة كثيرة جدًّا أوردنا هذه الأربعة على سبيل المثال.
وروى الإمام الترمذي: أنه (ص) دعا لسعد بن أبي وقاص فقال: اللّٰهم استجب لسعد إذا دعاك. [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٦٠٨؛ وانظر: الترمذي، المناقب ٢٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ١/٤٣؛ البزار، المسند ٤/٥٠؛ ابن حبان، الصحيح ١٥/٤٥٠. فكان مُستجاب الدعوة يرهب الناسُ من دعائه عليهم. [٭]: البخاري، الأذان ٩٥؛ الترمذي، المناقب ٣٧؛ البزار، المسند ٣/٢٧٤؛ ابن حبان، الصحيح ٥/١٦٨- ١٦٩.
"وقال لأبي قتادة: أفلح وجهُك، اللّٰهم بارك له في شَعره وَبَشَره. فمات وهو ابن سبعين سنة وكأنه ابن خمس عشرة سنة". وقد اشتهرت هذه الرواية الثابتة. [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/٥٤٩؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٤/١٧٣١؛ البيهقي، دلائل النبوة ٤/١٩٣.
"وعندما أنشد الشاعر المشهور النابغة بين يديه (ص):
بَلَغنا السما في مجدنا وسَنائِنا وإنّا نريد فوق ذلك مظهرًا
قال له الرسول (ص): إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة يا رسول اللّٰه.
ثم أنشد قصيدةً أخرى تحمل معاني جليلة، فقال الرسول (ص): "لا يَفْضُضِ اللّٰه فاك" "فما سقطتْ له سنٌ، وكان أحسن الناس ثغرًا، إذا سقطت له سنٌ نبتت له أخرى. وعاش عشرين ومائة. وقيل أكثر من هذا". [٭]: الحارث بن أبي أسامة، مسند الحارث ٢/٨٤٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢٣٢- ٢٣٣؛ ابن عبد البر، الاستيعاب، ٤/١٥١٦، ١٧٤٣.
وفي رواية صحيحة أنه (ص) دعا لعلي رضي اللّٰه عنه، فقال: اللّٰهم اكفهِ الحرَّ والقَرَّ، فكان ببركة هذا الدعاء "يلبس في الشتاء ثياب الصيف، وفي الصيف ثياب الشتاء ولا يصيبه حرّ ولا برد". [٭]: ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣٦٧ ، ٧/٣٩٤؛ وانظر: ابن حجر، فتح الباري ٧/٤٧٧؛ ابن ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٩٩.
"ودعا لابنته فاطمة ألّا يُجيعَها اللّٰه. قالت: فما جِعتُ بعدُ". [٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٤/٢١٠، ٢١١؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٤٦٢؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٠٨.
"وسأله الطفيل بن عمرو آيةً لقومه، فقال: اللّٰهم نوِّر له. فسطع له نورٌ بين عينيه، فقال: يا ربّ أخاف أن يقولوا: مُثْلَة، فتحول إلى طرف سوطِه، فكان يضيء في الليلة المظلمة، فسُمي ذا النور". [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٧٥٩؛ الذهبي، سير الأعلام والنبلاء ١/٣٤٤؛ وانظر: البيهقي، دلائل النبوة ٥/٣٥٩؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/٢٣٨؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٢٣.
— 182 —
فهذه الحوادث لا ريب في رواياتها قط.
"عن أبي هريرة قال: قلت: يا رسول اللّٰه إني أسمع منك حديثًا كثيرًا أنساه. قال: أبسط رداءك فبسطتُه. قال: فغرف بيديه (كمن يأخذ شيئًا من الغيب)، ثم قال: ضمّه، فضممتُه، فما نسيتُ شيئًا بعده". [٭]: البخاري، العلم ٧، المناقب ٢٨؛ مسلم، فضائل الصحابة، ١٥٩.
فهذه الحوادث من الأحاديث المشهورة.
المثال الرابع: نبين عدة أمثلة في صدد استجابة أدعية دعا بها النبي (ص) على بعض من الناس.
الأول: جاء الخبر إلى النبي (ص) بتمزيق مَلِك الفرس المسمّى "بَرْويز" كتابَ النبي(ص) فقال: اللّٰهم مَزّقه. فمُزِّق كلَّ ممزق، [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/٨٨٩؛ وانظر: البخاري، العلم ٧، الجهاد ١٠١؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٤٣ ، ٣٠٥. إذ قتل "شيرويه" ابن الملك أباه بالخنجر، [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ١/١٩١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٣. ومزَّق سعد بن أبي وقاص مُلكَه "فلم تبقَ له باقية ولا بقيت لفارس رياسة في أقطار الدنيا" بينما ظل مُلك قيصر وسائر الملوك لاحترامهم كتب الرسول (ص) إليهم. [٭]: البخاري، بدء الوحي ٦، الجهاد ٧٤.
الثاني: ثبت بالحديث المشهور القريب من المتواتر -وبما ترمز إليه الآية الكريمة- أنه اجتمع رؤساء قريش في المسجد الحرام وعاملوا النبي (ص) معاملةً سيئة فدعا عليهم، وسمّاهم. قال ابن مسعود: "فلقد رأيتُهم قُتلوا يوم بدر". [٭]: البخاري، الوضوء ٦٩؛ مسلم، الجهاد ١٠٧.
الثالث: ودعا على مُضَر وهي قبيلة عظيمة، بما كذّبته، "فأُقحِطوا حتى استعطفته قريش فدعا لهم فسُقوا" [٭]: البخاري، الاستسقاء ٢، ١٣، تفسير سورة الدخان ٤؛ مسلم، صفات المنافقين ٣٩- ٤٠. هذه الرواية قريبة من التواتر.
المثال الخامس: هو استجابة دعاء النبي (ص) الذي دعا به على رجالٍ معينين، نذكر على سبيل المثال ثلاثة من بين أمثلته الكثيرة.
— 183 —
الأول: دعا على عُتبة بن أبي لهب، وقال: "اللّٰهم سلِّط عليه كلبًا من كلابك". فسافر عتبة بعد ذلك فجاء أسدٌ يبحث عنه، فأخذه من بين القافلة وأكله. [٭]: البيهقي، السنن الكبرى ٥/٢١١؛ ابن عبد البر، التمهيد ١٥/١٦١؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ١/٧٠. هذه الحادثة مشهورة نقلها أئمة الحديث وصححوها.
الثاني: بعث الرسول (ص) سرية وعلى رأسها عامر بن الأضبط، وكان محلِّم بن جثَّامة في معيته، فاغتاله محلِّم غدرًا، فلما جاء الخبرُ إلى النبي (ص) غضب وقال: اللّٰهم لا تغفر لمحلِّم، فمات محلِّم بعد سبعة أيام. "فلفظتهُ الأرضُ ثم ووري فلفظتهُ مرات، فألقوه بين صُدَّين وضموا عليه بالحجارة. الصُّدُّ جانب الوادي". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٦/٣٨-٤٠؛ الطبراني، المعجم الكبير ٦/٤٠-٤١؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ١/٤٥٩؛ وانظر: أبو داود، الديات ٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١١٢، ٦/١١٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٤٢٦.
الثالث: "وقال لرجل رآه يأكل بشماله: كُلْ بيمينك، قال: لا أستطيع فقال: لا استطعتَ، فلم يرفعها إلى فيه". [٭]: مسلم، الأشربة ١٠٧؛ الدارمي، الأطعمة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٤٥- ٤٦، ٥٠.
المثال السادس: سنذكر عدة خوارق ثابتة ثبوتًا قطعيًّا من تلك التي ظهرت بدعاء النبي (ص) وبلَمسه.
الأول: أن النبي (ص) أعطى شعراتٍ من شعره إلى خالد بن الوليد (سيف اللّٰه) ودعا له بالنصر، فوضعها خالدٌ في قلنسوته "فلم يشهد بها قتالًا إلّا رُزق النصرَ". [٭]: أبو يعلى، المسند ١٣/١٣٨؛ الطبراني، المعجم الكبير ٤/١٠٤؛ الحاكم، المستدرك ٣/٣٣٨.
الثاني: أن سلمان الفارسي كان عبدًا لليهود، فكاتَبَه "مواليه على ثلاثمائة ودية يغرسها لهم كلها تَعْلَقُ وتُطعم وعلى أربعين أوقية من ذهب، فقام (ص) وغرسها له بيده إلّا واحدةً غرسها غيرُه، فأخذت كلُّها إلّا تلك الواحدة فقلعها النبيُّ (ص) وردّها فأخذت. في كتاب البزار، فأطعم النخلُ من عامِه إلّا الواحدة فقلعَها رسولُ اللّٰه (ص) وغرسها فأطعمت من عامها. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٣٥٤، ٤٤٣؛ البيهقي، السنن الكبرى ١٠/٣٢١، ٣٢٢؛ ابن سعد ، الطبقات الكبرى ١/١٨٥؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٦٣٤-٦٣٥؛ الحاكم،المستدرك ٢/٢٠. وأعطاه مثل بيضة الدجاجة من ذهب بعد أن أدارها على لسانه، فوزن منها لمواليه أربعين أُوقية وبقي عنده مثل ما أعطاهم". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٤٤٣؛ الطبراني، المعجم الكبير ٦/٢٧٠؛ البزار، المسند ٦/٤٦٧-٤٦٨؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٤٧-٤٨. هذه الحادثة هي من الخوارق المهمة التي مرت بحياة سلمان الفارسي رضي اللّٰه عنه، رواها الأئمة الثقات.
— 184 —
الثالث: "كانت لأم مالك الصحابية عكةٌ [٭]: (عكة): صفن من جلد يوضع فيه السمن غالبًا. تُهدي فيها للنبي (ص) سمنًا فأمرها النبي (ص) أن لا تعصرها ثم دفعها إليها، فإذا هي مملوءةٌ سمنًا فيأتيها بنوها يسألونها الأدْمَ وليس عندهم شيءٌ، فتعمدُ إليها، فتجد فيها سمنًا، فكانت تقيم إدمَها حتى عصرَتها" [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٤٠، ٣٤٧. فلم يجدوا فيها شيئًا بعد ذلك.
المثال السابع: إن المياه المُرّة تتحول إلى عذبةٍ حلوة وتفوحُ منها رائحةٌ طيبة ببركة دعاء النبي (ص) ولَمسه لها. نسوق بضعة أمثلة فقط:
الأول: روى البيهقي وأئمة الحديث أن بئر "قُبا" كانت تنیزف في بعض الأحيان "وسكب من فضل وضوئِه في بئر قُبا فما نیزفَت بعد". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٣٦؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/١٠١؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/٦٨.
الثاني: روى أبو نعيم في دلائل النبوة، ورجال الحديث أنه كان في دار أنس بئرٌ فبزق (ص) فيها ودعا "فلم يكن في المدينة أعذبَ منها". [٭]: انظر: الأصبهاني، دلائل النبوة ١/١٦٢؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/١٠٥.
الثالث: روى ابن ماجه أنه (ص) "أُتي بدلوٍ من ماء زمزم فمجَّ فيه فصار أطيبَ من المسك". [٭]: ابن ماجه، الطهارة ١٣٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣١٨؛ الطبراني، المعجم الكبير ١١/٩٧؛ الحميدي، المسند ٢/٢٩٣.
الرابع: روى الإمام أحمد بن حنبل أنه (ص) أُتي بدلو من بئر فمجّ فيه ثم أُفرغ فيها فصارت أطيبَ من المسك. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣١٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٢/٥١؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ١/٣٣.
الخامس: روى حماد بن سلمة وهو من الرجال الموثوقين الذين يروي عنهم الإمام مسلم، أنه (ص) ملأ "سقاءَ ماءٍ بعد أن أوكاه ودعا فيه" وأعطاه لصحابة كرام وأمرَهم ألّا يحلّوه إلّا للوضوء. "فلما حضرتهم الصلاةُ نیزلوا فحلّوه فإذا به لبن طيب وزبدة في فمه". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٤؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٧٣؛ الخفاجي، نسيم الرياض ٤/١٤٠.
هذه الأمثلة الخمسة الجزئية مشهورة بعضها، وينقلها أئمة أعلام. فهذه والتي لم نذكرها هنا بمجموعها تحقق بالتواتر المعنوي هذه المعجزة تحققًا كاملًا.
— 185 —
المثال الثامن: الشياه التي درّ ضرعُها باللبن ببركة دعاء النبي (ص) ولَمسِه إياه بعد أن كان قد جفّ. هناك أمثلة كثيرة جدًّا لهذا إلّا أننا نذكر ثلاثة منها مشهورة وثابتة.
الأول: روت جميعُ كتب السير الموثوق بها أن الرسول الأكرم (ص) لما هاجر ومعه أبو بكر الصديق مرّ على خباء عاتكة بنت خالد الخزاعي المدعوة بأمّ معبد، فنیزل عندها وكان لها شاةٌ عجفاء لا لبنَ فيها. فقال لها: أليس بها لبن؟ فقالت أم معبد: ليس فيها دمٌ فمن أين اللبن؟. فمسّ (ص) ظهرَها ومسح ضَرعها، ثم قال: ائتوا بإناء واحلبوها، فحلبوها فشرب (ص) هو وأبو بكر الصديق وبقيت في الإناء بقيةٌ فشرب مَن كان في الخباء إلى أن شبعوا جميعًا. وهكذا بقيت تلك الشاة مباركة قوية. [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٤/٤٨-٤٩؛ الحاكم، المستدرك٣/١٠؛ البيهقي، دلائل النبوة ١/٢٧٨؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٣٠.
الثاني: قصة شاة ابن مسعود رضي اللّٰه عنه وهي:
"عن ابن مسعود قال: كنت أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط، فمرّ بي رسول اللّٰه (ص) وأبو بكر، فقال: يا غلام هل من لبن؟ قلت: نعم ولكني مؤتمَن. قال: فهل من شاة لم ينیز عليها الفحل؟. فأتيتُه بشاة فمسح ضرعها، فنیزل لبنٌ فحلَبه في إناء، فشرب وسقى أبا بكر..." وكان هذا سبب إسلام ابن مسعود رضي اللّٰه عنه. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٦٢؛ ابن أبي شيبة، المسند ٦/٣٢٧؛ الطيالسي، المسند ١/٤٧؛ الطبراني، المعجم الصغير ١/٣١٠.
الثالث: قصة "غنم حليمة السعدية مُرضعته (ص)"، وهي قصة مشهورة حيث كان في تلك السنة قحطٌ أصاب أرضَ قومها، فكانت الأغنام عجافًا، جافة الضروع، لم ترع حتى الشبع. فلما أُرسل الرسول (ص) إلى حليمة السعدية صارت أغنامها تأتي المرعى وقد رعت كثيرًا ودرّ لبنُها، وغنمُ قومِها على خلاف ذلك. وما ذاك إلّا ببركته (ص). [٭]: أبو يعلى، المعجم، ١٣/٩٥؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٢٤٥؛ ابن هشام، السيرة النبوية ١/٣٠٠؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥١.
وهناك أمثلة كثيرة أخرى في كتب السير، والتي أوردناها تكفي ما نحن بصدده.
المثال التاسع: نذكر بضعةً أمثلة من الأمثلة الكثيرة المشهورة للخوارق التي ظهرت عند مسح الرسول (ص) رؤوسَ بعضهم ووجوهَهم بيده ودعائه لهم:
— 186 —
الأول: "مسحَ على رأس عُمير بن سعد وبرّك، فمات وهو ابن ثمانين، فما شابَ". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٤.
الثاني: "ومسح على رأس قيس بن زيد الجذامي ودعا له، فهلكَ وهو ابن مائة سنة، ورأسه أبيضُ وموضعُ كفّ النبي (ص) وما مرّت يدُه عليه من شعره أسودُ، فكان يُدعى الأغرّ". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٤؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٤٦٩.
الثالث: "ومسح رأس عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب وهو صغير، وكان دميمًا ودعا له بالبركة فَفَرَع الرجالَ طولًا وتمامًا". [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٨٣٣-٨٣٤؛ المزي، تهذيب الكمال ٧/١٢١؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٣٦.
الرابع: "سَلَت [٭]: (سَلت): مسح الدم عن وجه عائذٍ بن عمرو وكان جُرِحَ يوم حُنين ودعا له فكان له غرّة كغُرة الفرس". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٨/٢٠؛ الحاكم، المستدرك ٣/٦٧٧؛ الروياني، المسند ٢/٣٣.
الخامس: "مسح وجهَ قتادة بن مِلحان فكان لوجهه بريقٌ حتى كان يُنظَر في وجهه كما يُنظَر في المرآة". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٧، ٨١؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢١٧؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٤١٦.
السادس: "نضح في وجه زينب (وهي صغيرة) بنت أم سلمة نضْحةً من ماء" كان يتوضأ به "فما كان يُعرف في وجه امرأة من الجمال ما بها". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٢٤/٢٨٢؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٤/١٨٥٤؛ ابن حجر، الإصابة ٧/٦٧٥.
وهناك أمثلة كثيرة كهذه الجزئيیات التي أوردنیاها رواها أئمة الحديث فهي بمجموعها تفيد التواتر المعنوي وتبين وقوع المعجزة الأحمدية المطلقة. فحتى لو فرضنا كل واحد من هذه الأمثلة خبرًا آحاديًا، وضعيفًا، فإن مجموعها يكون بحكم المتواتر المعنوي، لأنیه لو نقلت حادثیة ما في صور متباينة وروايات مختلفة، فهذا يعني أن الحادثة واقعة لا شیك فيها إلا أن رواياتها وصورها مختلفة أو ضعيفة.
فمثلًا: إذا سُمع في مجلس دويّ، فقال بعضهم: انهدم بيت فلان، وقال آخر: انهدم بيت شخص آخر. وقال آخر: بيت فلان.. وهكذا فكل رواية من هذه الروايات مع أنها
— 187 —
آحادية وضعيفة أو مخالفة للواقع إلا أن الحادثة الأصلية لاشك في وقوعها، وهي انهدام بيت. فالروايات بمجموعها تفيد قطعية وقوع الحادثة وهي متفقة في الأصل. بينما الأمثلة الجزئية التي ذكرناها روايات صحيحة كلها، حتى إن بعضًا منها بلغ درجة المشهور. فلو فرضنا كلًا منها ضعيفة لكانت دلالة مجموعها أيضًا دلالة قطعية على وجود المعجزة الأحمدية مثلما دلت الروايات في المثال على انهدام بيت من البيوت.
وهكذا فكل نوع من أنواع المعجزات الأحمدية الباهرة ثابت لا ريب فيه. وما جزئياتها إلا نماذج وصور مختلفة لتلك المعجزة المطلقة.
وكما أن يده (ص) وأصابعه وريقه ونفثه وأقواله -أي دعاءه- منشأ لكثير من المعجزات، فإن جميع لطائفه الأخرى وحواسه وأجهزته مدار لكثير من الخوارق أيضًا. وقد بينت كتب السيرة والتاريخ تلك الخوارق وأوضحت كثيرًا من دلائل النبوة التي هي في سيرته وصورته وجوارحه ومشاعره (ص).
الإشارة الخامسة عشرة
إنَّ الحيوانات والأموات والجن والملائكة تعرف ذلك النبي الكريم (ص)، فتبرز كل طائفة منها بعضًا من معجزاته تصديقًا لنبوته وإعلانًا عنها مثلما أظهرتها الأحجار والأشجار والقمر والشمس، وبيّنت أنها تعرف النبي (ص) وتصدّق نبوته.
هذه الإشارة الخامسة عشرة تتضمن ثلاث شعب: