— 167 —
الإشارة الحادية عشرة
تبيّن هذه الإشارةُ المعجزةَ النبوية في الأحجار والجبال من الجمادات كما أشارت "الإشارة العاشرة" إلى المعجزة النبوية في الأشجار، نذكر من بين أمثلتها الكثيرة ثمانيةَ أمثلة:
المثال الأول: روى البخاري وعلّامة المغرب القاضي عياض عن ابن مسعود -خادم النبي(ص)- أنه قال: "لقد كُنّا نَسْمعُ تَسبيحَ الطعامِ وهو يُؤكَل". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥؛ الترمذي، المناقب ٦؛ الدارمي، المقدمة ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٦٠.
المثال الثاني: وثبت كذلك عن أنس وأبي ذر رضي اللّٰه عنهما، قال أنس "أخذ النبيُّ (ص) كفًّا من حصًى فسبَّحن في يد رسول اللّٰه (ص) حتى سمعنا التسبيحَ، ثم صبَّهُن في يد أبي بكر رضي اللّٰه عنه فسبَّحن، ثم في أيدينا فما سبَّحن". [٭]: ابن عساكر، تاريخ دمشق ٣٩/١٢٠، ١٢١؛ ابن الجوزي، اللألئ المتناهية ١/٢٠٧؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٠٦.
وروى مثله أبو ذر رضي اللّٰه عنه وذكر أنّهن سبَّحن في كفّ عمر رضي اللّٰه عنه ثم وضعَهن على الأرض فخرسْنَ، ثم أخذهن ووضعهن في كفّ عثمان، فسبَّحن ثم وضعهن في أيدينا فخرسنَ. [٭]: البخاري، التاريخ الكبير ٨/٤٤٢؛ البزار، المسند ٩/٤٣١-٤٣٤؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٢/٥٩؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٤٣١-٤٣٢، ٥٩٣.
المثال الثالث: ثبت بنقل صحيح عن علي وجابر وعائشة رضي اللّٰه عنهم أنه ما كان يمر النبي (ص) بجبلٍ ولا حَجرٍ إلّا وقال: السلام عليك يا رسول اللّٰه. ففي رواية علي رضي اللّٰه عنه قال: "كنا بمكة -في بداية النبوّة- مع رسول اللّٰه (ص) فخرج إلى بعض نواحيها، فما استَقبلَهُ شجرةٌ ولا جبلٌ إلّا قال له: السلام عليك يا رسول اللّٰه". [٭]: الترمذي، المناقب ٦؛ الدارمي، المقدمة ٤؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٧؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٦٩.
وفي رواية جابر رضي اللّٰه عنه قال: "لم يكن النبي (ص) يمرّ بحجر ولا شجرٍ إلّا سجد له" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٠٧؛ الخفاجي ٣/ ٧١. أي كلٌّ منهما ينقاد له ويقول: السلام عليك يا رسول اللّٰه.
وفي رواية أخرى "عن جابر بن سمرة رضي اللّٰه عنه [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ٢؛ الترمذي، المناقب ٥؛ الدارمي، المقدمة ٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٨٩، ٩٥، ١٠٥. عن النبي (ص): إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلّم عليّ" أي قبل أن أُبعثَ "قيل: إنه إشارة إلى الحجر الأسود". [٭]: انظر: القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٠/٢٦٨؛ المناوي، فيض القدير ١/١٩؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٣٦١.
— 168 —
"وعن عائشة رضي اللّٰه عنها قالت: قال النبي (ص): لما استقبلني جبريل بالرسالة جعلتُ لا أمرُّ بحجرٍ ولا شجرٍ إلا قال: السلام عليك يا رسولَ اللّٰه". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٠٧؛ الخفاجي ٣/٧١؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٨/٢٥٩.
المثال الرابع: "وفي حديث العباس رضي اللّٰه عنه إذ اشتمل عليه النبي (ص) وعلى بنيه" وهم عبد اللّٰه وعُبيد اللّٰه والفضل وقثم "بملاءة [٭]: (الملاءة): الإزار أو الملحفة. ودعیا لهم السّتر من النار" إذ قال: يا رب هذا عمي صنو أبي وهؤلاء بنوه فاسترهم من النار كستري إياهم بملاءتي. "فأمّنت أسكُفَّة [٭]: (اسكفة): العتبة وما يعلوه الداخل من البيت. الباب وحوائط البيت: آمين آمين" واشتركن في الدعاء. [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٩/٢٦٣؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٤٣٣؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٧١، ٧٢؛ وانظر الترمذي، المناقب ٢٨.
المثال الخامس: روت الكتب الصحاح متفقة وفي المقدمة البخاري وابن حبان وأبو داود والترمذي عن أنس [٭]: البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ٥، ٧؛ الترمذي المناقب ١٨؛ أبو داود، السنة ٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١١٢. وأبي هريرة [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ٥٠؛ الترمذي، المناقب ١٨. وعن عثمان ذي النورين [٭]: الترمذي، المناقب ١٨؛ النسائي، الصيام ٨٣. وسعيد بن زيد [٭]: الترمذي، المناقب ٢٨؛ البزار، المسند ٤/٩١؛ الحاكم، المستدرك ٣/٥٠٩؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٤/٣٤١. أحد العشرة المبشرين بالجنة أنه: "صعد النبي (ص) وأبو بكر وعمر وعثمان أُحُدًا، فرجف بهم" من مهابتهم أو من سروره وفرحه، "فقال: أثبُت أُحُد فإنما عليك نبيٌّ وصدّيق وشهيدان".
فبهذا الحديث ينبئ (ص) عن شهادة عمر وعثمان إخبارًا غيبيًا.
وقد نقل -تتمة لهذا المثال- أنیه لما هاجر الرسیول (ص) من مكة وطلبتْه كفارُ قريش صعد على جبل ثُبير، "قال له ثبير: [٭]: (ثبير): جبل بالمزدلفة عن يسار الذاهب إلى منى. وكان هذا قبل توجهه (ص) إلى غار ثور الذي اختفى فيه عند الهجرة. الخفاجي ٣/٧٥. اهبط يا رسول اللّٰه فإنّي أخاف أن يقتلوك على ظهري فيعذّبني اللّٰه. فقال لیه حراء: إليّ يا رسیول اللّٰه". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٠٨؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١/٤٦٦؛ السهيلي، الروض الأنف ١/٤٠٠؛ الحلبي، السيرة الحلبية ١/٣٨١.
من هذا يستشعر أهلُ القلب والصلاح الخوفَ في "ثبير" والأمنَ والاطمئنان في "حراء".
— 169 —
يفهم من مجموع هذه الأمثلة أن الجبالَ العظيمة مأمورةٌ ومنقادةٌ كأي فرد من الأفراد. وهي كأي عبدٍ مخلوق يسبّح اللّٰه تعالى وله وظيفةٌ خاصة به، وأنه يعرف النبي (ص) ويحبّه.. فما خُلقت الجبال باطلًا.
المثال السادس: "وروى ابن عمر رضي اللّٰه عنهما: أن النبي (ص) قرأ على المنبر: وما قَدَروا اللّٰه حق قدره... (الزمر: ٦٧) ثم قال: يمجِّد الجبارُ نفسَه يقول: أنا الجبار أنا الجبار أنا الكبير المتعال. فَرجَف المنبرُ حتى قلنا ليخرنَّ عنه". [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٨٧؛ مسلم ، صفات المنافقين ٢٤، ٢٥؛ ابن ماجه، المقدمة ١٣؛ أبو داود، السنة ١٩.
المثال السابع: عن حبر الأمة وترجمان القرآن ابن عباس [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ١٠/٢٧٩، المعجم الصغير ٢/٢٧٢. رضي اللّٰه عنهما، وعن ابن مسعود [٭]: البخاري، المظالم ٣٢، المغازي ٤٨، تفسير سورة الإسراء ١٢؛ مسلم، الجهاد ٨٧ . -من علماء الصحابة- رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، أنه قال: "كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم مثبّیتةَ الأرجل بالرصاص في الحجارة فلما دخل رسولُ اللّٰه (ص) المسجدَ عامَ الفتح جعل يشير بقضيبٍ في يده إليها ولا يمسّها. ويقول:
﴿ جَاء الحقُّ وزَهَقَ الباطلُ إنَّ الباطلَ كانَ زَهُوقًا ﴾
(الإسراء: ٨١) فما أشار إلى وجهِ صنمٍ إلّا وقع لقفاه ولا لقفاه إلّا وقع لوجهه حتى ما بقي منها صنم".
المثال الثامن: هو قصة بحيراء الراهب المشهورة وهي: "أن النبي (ص) خرج قبل البعثة مع عمِّه أبي طالب وجماعة من قريش إلى نواحي الشام. ولما وصلوا إلى جوار كنيسةِ الراهب جلسوا هناك" وكان الراهبُ لا يخرج إلى أحَدٍ، فخرج وجعل يتخللهم حتى أخذ بيد رسول اللّٰه (ص) فقال: "هذا سيدُ العالمين يبعثُه اللّٰه رحمةً للعالمين" فقال له أشياخ من قريش: ما عِلمُك؟ فقال: "إنه لم يبق شجرٌ ولا حجرٌ إلّا خرّ ساجدًا له ولا يسجدُ إلّا لنبي". "ثم قال وأقبل (ص) وعليه غمامةٌ تظلّه فلما دنا من القوم وجدهم سبقوه إلى فَيئ الشجرة فلما جلس مالَ الفَيئُ إليه". [٭]: الترمذي، المناقب ٣؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٢٧؛ البزار، المسند ٨/٩٧؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٢.
وهكذا فهناك ثمانون مثالًا كهذه الأمثلة الثمانية. فإذا وحَّدْتَ هذه الأمثلة الثمانية لأصبحتْ قويةً لا يمكن أن تنال منها شبهةٌ مهما كانت.
— 170 —
فهذا النوع من المعجزات (أي تكلّم الجمادات) يشكّل دليلًا جازمًا على إثبات دعوى النبوة، وهو في حكم التواتر من حيث المعنى. فكلُّ مثال يستمد قوةً أخرى من قوة الجميع تفوقُ قوتَه الفردية. مَثَله في هذا، مثل رجل ضعيف انخرط في سلك الجيش، فيتقوى حتى يستطيع أن يتحدى ألفًا من الرجال، أو كعمودٍ ضعيف لو ضُم مع أعمدة قوية يتقوى.
فكيف إذا كانت الروايات كلُّها صحيحةً ورصينة؟.
الإشارة الثانية عشرة
أمثلةٌ ثلاثة مهمة ترتبط بالإشارة الحادية عشرة.
المثال الأول: تصرّح الآيةُ الكريمة:
﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ اللّٰه رمى ﴾
(الأنفال: ١٧) بنصّها القاطع وبتحقيق عموم المفسرين العلماء وأئمة الحديث: أنَّ الرسول (ص) أخذ في غزوة بدر قبضةً من ترابٍ وحصيّات ورماها في وجوه جيش الكفار وقال: "شاهَتِ الوجوه". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٠٣، ٣٦٨؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/١٥٥، ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٣٠؛ الطبراني، المعجم الكبير ٣/٢٠٣؛ الحاكم، المستدرك ١/٢٦٨. فدخلت تلك القبضةُ من التراب إلى أعين كلِّ المشركين، مثلما وصلت كلمةُ "شاهت الوجوه" إلى آذان كلٍّ منهم، فصاروا يعالجون عيونَهم من التراب، ففرّوا بعدما كانوا في حالة كَرٍّ على المسلمين.
ويروي الإمام مسلم: أنَّ الكفار في غزوة حُنين عندما كانوا يصولون على المسلمين، أخذ النبيُّ (ص) قبضة من تراب ورمى بها في وجوه المشركين وقال: "شاهت الوجوه" فما من أحدٍ منهم إلّا ملأ عينيه -بإذن اللّٰه- ترابٌ كما سمعت أذنُه هذه الكلمة فولّوا مدبرين. [٭]: مسلم، الجهاد ٨١؛ الدارمي، السير ١٦؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٩٩.
فهذه الحادثة الخارقة للعادة قد وقعت في بدر وحنين. فهي حادثة تفوق طاقة البشر، كما أنها لا يمكن إسنادها إلى الأسباب العادية، لذا قال تعالى:
﴿ وما رَمَيْتَ إذْ رَمَيْتَ ولكنّ اللّٰه رمى ﴾
أي أنها حادثة نابعة من قدرة إلهية محضة.
المثال الثاني: تذكر كتبُ أئمة الحديث وفي مقدمتها البخاري ومسلم: "أنَّ يهوديةً -واسمها زينب بنت الحرث- أهدتْ للنبي (ص) بخيبر شاةً مصليّة [٭]: (مصلية): مشوية. سمَّتْها، فأكل رسولُ
— 171 —
اللّٰه (ص) منها، وأكل القومُ، فقال: ارفعوا أيديكم، فإنها أخبرتني أنها مسمومةٌ، فرفع الجميعُ أيديهم، إلّا أن بشر بن البراء مات من أثر السم، فدعا (ص) اليهودية وقال لها: "ما حَمَلكِ على ما صنعتِ؟" قالت: إن كنت نبيًا لم يضرّك الذي صنعتُ، وإن كنتَ مَلِكًا أرَحْتُ الناسَ منك. [٭]: البخاري، الجزية ٧، الطب ٥٥؛ مسلم، الطب ٤٥. فأمر بها فقُتلتْ"، [٭]: أبو داود، الديات ٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢/٣٥، ١٩/٢٢١؛ الحاكم، المستدرك ٣/٢٤٢؛ البيهقي، السنن الكبرى ٨/٤٦. وفي بعض الروايات أنه لم يأمر بقتلها. [٭]: البخاري، الهبة ٢٨؛ مسلم، الطب ٤٥؛ وانظر: ابن حجر، فتح الباري ٧/٤٩٧. قال العلماء المحققون: لم يأمر بقتلها بل دفعها لأولياء بشر بن البراء، فقتلوها. [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/٢٠٢؛ النووي، شرح صحيح مسلم ١٤/١٧٩؛ ابن حجر، فتح الباري ٧/٤٩٧، ٤٩٨.
فاستمع الآن إلى هذه النقاط الثلاث لبيان إعجاز هذه الحادثة.
النقطة الأولى: جاء في إحدى الروايات: أن عددًا من الصحابة سمعوا قولَها حينما أخبرتْ الشاة عن أنها مسمومةٌ.
النقطة الثانية: وفي رواية أخرى أنه بعدما أخبر الرسول (ص) عن القضية قال: قولوا بسم اللّٰه ثم كلوا، فإنه لا يضر السم بعدَه. [٭]: الحاكم، المستدرك ٤/١٢٢؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٩٧؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٨/٢٩٥، ٢٩٦. هذه الرواية وإن لم يقبلها ابن حجر العسقلاني [٭]: انظر: علي القاري، شرح الشفا ١/٦٤٥. إلّا أن علماء آخرين قبلوها. [٭]: الحاكم، المستدرك ٤/١٢٢؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٨/٢٩٥ ، ٢٩٦.
النقطة الثالثة: لقد اطمأن كلُّ من سمع كلامَه (ص): "أنها أخبرتني بأني مسمومة" وكأنه سمعه بنفسه، إذ لم يُسْمَع منه (ص) قولٌ مخالف للواقع قط، وهذه واحدة منه. فبينما يبيّت اليهودُ الكيدَ لينیزلوا ضربتَهم القاضية بالرسول الكريم (ص) وصحبه الكرام رضوان اللّٰه عليهم إذا بالمؤامرة تنكشف على إثر خبرٍ من الغيب وتبطل الدسيسة والمكر السيئ، ويقع الخبر كما أخبر عنه (ص).
المثال الثالث: هو معجزة الرسول (ص) في ثلاث حوادث تشبه معجزةَ سيدنا موسى عليه السلام، في معجزة يده البيضاء وعصاه.
— 172 —
الحادثة الأولى: أخرج الإمام أحمد الحديث الصحيح، عن أبي سعيد الخدري رضي اللّٰه عنه: أن الرسول (ص) "أعطى قتادة بن النعمان -وصلى معه العشاء- في ليلةٍ مظلمة مطِرة عُرجونًا. [٭]: (العرجون): العصا القصيرة. وقال: انطلق به فإنه سيضيء لك من بين يديك عشرًا ومن خلفك عشرًا. فإذا دخلتَ بيتك فسَترى سوادًا فاضربه حتى يخرج فإنه الشيطان. فانطلق، فأضاء له العرجونُ (كاليد البيضاء) حتى دخل بيتَه ووجد السواد فضربه حتى خرج". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٦٥؛ ابن خزيمة، الصحيح ٣/٨١؛ ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/١٢٧٦؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٤١٧.
الحادثة الثانية: انقطع سيفُ عكاشة بن محصن الأسدي وهو يقاتل به في غزوة بدر الكبرى -تلك المعركة التي هي منبع الغرائب- فأعطاه رسولُ اللّٰه (ص) جذلًا من حطب -أي عودًا غليظًا- "وقال: اضرب به فعاد في يده سيفًا صارمًا طويل القامة أبيضَ شديدَ المتن، فقاتلَ به، ثم لم يزل عنده يشهدُ به المواقف إلى أن استشهد في قتال أهل الردة" في اليمامة. هذه الحادثة ثابتة قطعًا، وكان عكاشةُ يفتخر بذلك السيف طوال حياته، وكان السيف يسمى بیی"العَوْن"، فاشتهار السيف بی"العون" [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/١٨٥، ١٨٦؛ ابن سعد ، الطبقات الكبرى ١/١٨٨؛ البيهقي، دلائل النبوة ٣/٩٨، ٩٩؛ الواقدي، كتاب المغازي ١/٩٣. وافتخار عكاشة به حُجتان أيضًا على ثبوت الحادثة.
الحادثة الثالثة: روى ابن عبید البر [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/٨٧٩؛ البيهقي، الاعتقاد ٢٩٥. وهو من أعلام عصره من بين العلماء المحققين: أن عبد اللّٰه بن جیحش ابن عمة رسول اللّٰه (ص) "وقد ذهب سيفُه" في غزوة أُحد وهو يحارب، فأعطاه رسولُ اللّٰه (ص) "عسيبَ [٭]: (عسيب): جريد النخل لا خوص عليها. نخل فرجع في يده سيفًا".
يقول ابن سيد الناس في "سيره": فبقي هذا السيف مدّة ولم يزل يتناقل حتى بيعَ إلى شخص يُدعى بغاء التركي بمائتي دينار. [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٣/٨٧٩؛ ابن الأثير، أسد الغابة ٣/٩٠؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٤٢؛ ابن سيد الناس، عيون الأثر ٢/٣٢.
فهذان السيفان معجزتان كمعجزة عصا موسى، إلّا أنه لم يبق وجه الإعجاز لعصا موسى بعد وفاته عليه السلام ، وبقي هذان السيفان معجزتين بعد وفاته (ص).