— 159 —
الإشارة التاسعة
إنَّ أحد أنواع معجزات الرسول الأكرم (ص) هو امتثالُ الأشجار لأوامره كامتثال البشر، وانخلاعُها من أماكنها ومجيئها إليه. فهذه المعجزةُ المتعلقة بالأشجار هي متواترةٌ من حيث المعنى كفَوَران الماء من أصابعه المباركة ولها صورٌ متعددة وقد رُويت بطرق كثيرة.
نعم، يصحّ أن يُقال إن خبر انخلاع الشجرة من موضعِها ومجيئِها ممتثلة لأمر الرسول الأكرم (ص) متواترٌ تواترًا صريحًا، حيث قد رُويت هذه الرواية من قبل صحابة كرام صادقين معروفين، أمثال: علي وابن عباس وابن مسعود وابن عمر ويعلى بن مرة وجابر وأنس بن مالك، وبُريدة وأسامة بن زيد وغيلان بن سلمة، وغيرهم فأخبر كلٌّ منهم عن هذه المعجزة المتعلقة بالأشجار إخبارًا ثابتًا قاطعًا. ونقلها عنهم مئاتٌ من أئمة التابعين بطرق مختلفة، في بداية كلِّ طريق صحابيٌ جليل، أي كأنها نقلت إلينا نقلًا متواترًا مضاعفًا. لذا فلا يداخل هذه المعجزةَ ريبٌ ولا شبهة قط، فهي في حكم المتواتر المعنوي المقطوع به.
فهذه المعجزة وإن تكررت مرات عدة، إلّا أننا سنبين عددًا من صورها الصحيحة الكثيرة، ونوردها في بضعة أمثلة:
المثال الأول: روى ابن ماجه والدارمي والبيهقي عن أنس بن مالك وعلي، وروى البزار والبيهقي عن عمر، أن ثلاثة من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين قالوا: كان الرسول الأكرم (ص) قد حزن حزنًا شديدًا من تكذيب الكفار له "قال: اللهم! أرني آيةً لا أُبالي من كذّبني بعدها". وفي رواية أنس "أن جبريل عليه السلام قال للنبي (ص) ورآه حزينًا: أتحبّ أن أُريك آية. قال: نعم! فنظر رسول اللّٰه (ص) إلى شجرةٍ من وراء الوادي، فقال: ادعُ تلك الشجرة، فجاءت تمشي حتى قامت بين يديه، قال: مُرها فلترجع، فعادت إلى مكانها". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٨، ٢٩٩.
المثال الثاني: روى القاضي عياض -علّامة المغرب- في كتابه (الشفا) بسند عال صحيح عن عبد اللّٰه بن عمر رضي اللّٰه عنه قال:
"كنا مع رسول اللّٰه (ص) في سفر، فدنا منه أعرابي، فقال: يا أعرابي: أين تريد؟ قال: إلى أهلي. قال: هل لك إلى خير؟ قال: وما هو؟ قال: تشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وحده لا شريك له وأن
— 160 —
محمدًا عبدُه ورسوله. قال: مَن يشهد لك على ما تقول؟ قال: هذه الشجرةُ السَّمُرة، [٭]: (السَمُرة): شجرة عظيمة ذات شوكة من الطلح. (تخدّ): تشق. وهي بشاطئ الوادي، فأقبلتْ تخدّ الأرضَ، حتى قامت بين يديه، فاستشهدها ثلاثًا فَشهِدت أنه كما قال. ثم رجعت إلى مكانها". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٨- ٢٩٩؛ وانظر: الدارمي، المقدمة ٤؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٣٤؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢/٤٣١.
وعن بُريْدَة عن طريق ابن صاحب الأسلمي بنقل صحيح: "سأل أعرابي النبي (ص) آيةً، فقال له: قل لتلك الشجرة، رسولُ اللّٰه يدعوكِ. قال: فمالت الشجرة عن يمينها وشمالها وبين يديها وخلفها، فتقطعت عروقُها، ثم جاءت تَخدّ الأرض تَجرُّ عروقها مُغيّرة [٭]: (مغيّرة): مسرعة. حتى وقفت بين يدي رسول اللّٰه (ص). فقالت: السلام عليك يا رسول اللّٰه. قال الأعرابي: مُرها فلترجع إلى منبتها، فَرَجَعَت فدلّت [٭]: (دلت عروقها): أدخلتها الارض. عروقها فاستوت. فقال الأعرابي: ائذن لي أسجُد لك. قال: لو أمرتُ أحدًا أن يسجُدَ لأحدٍ لأمرتُ المرأةَ أن تسجدَ لزوجها، قال: فأْذنْ لي أن أقبِّلَ يديك ورجليك، فأذِن له". [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٩٠؛ الحاكم، المستدرك ٤/١٩٠؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٤/٣٦٥؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٩/١٠.
المثال الثالث: روى مسلم وأصحابُ الكتب الصحاح الأخرى عن جابر رضي اللّٰه عنه: أنه قال: كنا في سفر مع رسول اللّٰه، "ذهب رسولُ اللّٰه يقضي حاجته، فلم يَرَ شيئًا يستتر به، فإذا بشجرتين بشاطئ الوادي، فانطلق رسولُ اللّٰه (ص) إلى إحداهما، فأخذ بغصنٍ من أغصانها، فقال: انقادي عليّ بإذن اللّٰه فانقادت معه كالبعير المخشوش [٭]: (المخشوش): البعير يجعل في انفه عود عليه حبل لينقاد. الذي يصانع قائده، وذكر أنه فعل بالأخرى مثل ذلك حتى إذا كان بالمنصف [٭]: (المنصف): نصف الطريق. بينهما، قال: التئما عليّ بإذن اللّٰه. فالتأمتا" [٭]: مسلم، الزهد ٧٤؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٥٦؛ البيهقي، السنن الكبرى ١/٩٤؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٩٢-٣٩٣. فجلس خلفها، وبعد أن قضى حاجته، أمر أن يعودَ كلٌّ منهما إلى مكانها.
"وفي رواية أخرى، فقال: يا جابر! قل لهذه الشجرة: يقول لك رسول اللّٰه الحقي بصاحبتك حتى أجلس خلفكما. فزحفت حتى لحقت بصاحبتها. فجلس خلفهما، فخرجتُ
— 161 —
أحضر، [٭]: (أحضر): أسرع في العدو. وجلستُ أحدّث نفسي، فالتفتُّ فإذا رسولُ اللّٰه (ص) مقبلًا، والشجرتان قد افترقتا، فقامت كل واحدة منهما على ساق، فوقف رسول اللّٰه (ص) وقفةً فقال برأسه هكذا يمينًا وشمالًا". [٭]: الدارمي، المقدمة ٤؛ عبد بن حميد، المسند ٣٢٠؛ ابن أبي شيبة، المسند ٦/٣٢١؛ البيهقي، السنن الكبرى ١/٩٣.
المثال الرابع: روى أسامة بن زيد -أحد قواد رسول اللّٰه (ص) وخادمه الأيمن-: كنّا في سفر مع رسول اللّٰه (ص)، ولم يكن لقضاء الحاجة مكانٌ خالٍ يستر عن أعين الناس، فقال: "هل ترى من نخلٍ أو حجارة؟ قلت: أرى نخلات متقاربات، قال: انطلق وقل لهُنّ إن رسول اللّٰه (ص) يأمركن أن تأتين لمخرج [٭]: (مخرج): مكان خرج إليه لقضاء حاجته فيه. رسول اللّٰه (ص) وقل للحجارة مثل ذلك. فقلت ذلك لهن، فوالذي بعثَه بالحق لقد رأيتُ النخلاتِ يتقاربن حتى اجتمعن والحجارةَ يتعاقدن حتى صرن ركامًا [٭]: (ركامًا): بعضها فوق بعض. خلفَهن، فلما قضى حاجته، قال لي: قل لهن يفترقن، فوالذي نفسي بيده لرأيتُهن والحجارةُ يفترقن حتى عُدن إلى مواضعهن". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢٥؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٩٣، ٣٩٤؛ ابن حجر، المطالب العالية ٤/٩-١٠
وقد روى هاتين الحادثتين اللتين رواهما جابر وأسامة كلٌّ من يعلى بن مرة، وغيلان بن سلمة الثقفي، وابن مسعود في غزوة حُنين.
المثال الخامس: ذكر علامة عصره الإمام ابن فورك -الذي كان يسمى بالشافعي الثاني كناية عن اجتهاده الكامل وفضله-: "أنه (ص) سار في غزوة الطائف ليلًا وهو وَسِنٌ، [٭]: (الوسن): قريب من النعاس. فاعتَرضهُ سدرةٌ، [٭]: (سدرة): من أسماء الأشجار. فانفرجت له نصفين حتى جاز بينهما، وبقيت على ساقين إلى وقتنا". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٠١، ٣٠٢؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٢٠؛ الخفاجي ٣/ ٥٧.
المثال السادس: ذكر يعلى بن سيابه: "أن طلحة أو سَمُرة جاءت فأطافت به ثم رجعت إلى منبتها فقال رسول اللّٰه (ص): إنها استأذنت أن تسلّم عليّ". أي استأذنت من رب العالمين. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٧٣؛ عبد بن حميد، المسند ١٥٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢٣،٢٤؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٩١.
— 162 —
المثال السابع: روى الشيخان عن ابن مسعود رضي اللّٰه عنه: أنه قال: "آذنَت [٭]: (آذنت): اَعْلَمَتْ. النبيَّ (ص) بالجن ليلة استمعوا له شجرةٌ" وذلك حينما جاء جنّ نَصيبين في بطن النخل إلى النبي (ص) للإسلام، فأعلَمَت شجرةٌ خبرَ مجيئهم النبيَّ.
"وعن مجاهد عن ابن مسعود في هذا الحديث: أن الجن قالوا مَن يَشهَدُ لك؟ قال: هذه الشجرة" فأمر الشجرَةَ "تعالي يا شجرة! فجاءت تجرُّ عروقَها لها قعاقع". [٭]: (قعاقع): صوت السلاح. القاضي، عياض ١/٣٠١؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٩/٥.
وهكذا، فقد كفت معجزةٌ واحدة طائفةَ الجن. أفلا يكون مَن يسمع ألف معجزة ومعجزة من أمثالها ثم يكابر ولا يؤمن أضلَّ من ذلك الشيطان الذي حدّث القرآن عنه بقول الجن:
﴿ يقولُ سَفيهُنا على اللّٰه شططًا ﴾
(الجن: ٤) ؟
المثال الثامن: روى الترمذي عن ابن عباس رضي اللّٰه عنهما أنه (ص) قال لأعرابي: "أرأيتَ إن دعوتُ هذا العِذق [٭]: (العذق): العرجون من النخلة. من هذه النخلة أتشهد أنّي رسول اللّٰه؟ قال: نعم! فدعاه فجعل ينقز [٭]: (ينقز): يثبّ صعدًا. حتى أتاه فقال: ارجع، فعاد إلى مكانه". [٭]: الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/١٥؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/٦٠؛ وانظر: الترمذي المناقب ٦؛ الدارمي، المقدمة ٤، البخاري، التاريخ الكبير ٣/٣.
وهكذا، فهناك أمثلة غزيرة كالتي ذكرناها رُويت كلّها بطرق عديدة، ومن المعلوم أنه إذا اتحدت بضعةُ خيوط رفيعة صارت حبلا قويًا.. فمثل هذه المعجزة المتعلقة بالشجرة وقد رويت بطرق متعددة، وعن مشاهير الصحابة الكرام لابد أنها في قوة التواتر المعنوي، بل إنها متواترة تواترًا حقيقيًا. ولا ريب أنها حينما انتقلت إلى التابعين أخذت طابعَ التواتر، لا سيما الطرق التي سلكها أصحابُ الصحاح كالبخاري ومسلم وابن حبان والترمذي وغيرهم، إنما هي طريق صحيحة لا شائبة فيها. بل إن رؤية أي حديث كان في البخاري إنما هو كاستماعه من الصحابة الكرام بعينهم.
تُرى إذا عَرفت الأشجارُ رسولَ اللّٰه (ص) وعرَّفَته وصدَّقَتْ رسالتَه وسلّمت عليه، وزارته، وامتثلت أمره -كما رأينا في الأمثلة المذكورة آنفًا- فكيف لا يَعرف ولا يؤمن به ذلك
— 163 —
البليد الجماد الذي يسمي نفسَه إنسانًا؟ أليس هو عارٍ عن العقل والقلب؟ أفلا يكون أدنى من الشجر اليابس وأتفهَ من الحطب الذي لا يستحق إلّا إلقاءه في النار؟.
الإشارة العاشرة
إنَّ الذي يؤيد هذه المعجزات المتعلقة بالشجرة هو معجزة حنين الجذع المنقولة نقلًا متواترًا.
نعم، إنَّ حنين الجذع اليابس الموجود في المسجد النبوي إلى رسول اللّٰه (ص) لفراقه عنه -فراقًا مؤقتًا- وأنينَه أمام جماعةٍ غفيرة من الصحب الكرام يؤيد الأمثلة التي أوردناها في المعجزات المتعلقة بالأشجار ويقوّيها. لأن الجذع من جنس الأشجار، فالجنسُ واحد، إلّا أن هذه المعجزة متواترةٌ بالذات، بينما الأقسام الأخرى متواترة نوعًا، إذ إنَّ أكثرَ جزئياتها وأمثلتِها لا يرقى إلى مستوى التواتر الصريح.
كان المسجد النبوي مسقوفًا على جذوع نخل فكان النبي (ص) إذا خطبَ يقوم إلى جذع منها، فلما صُنِع له المنبر، وكان عليه، سُمع لذلك الجذع صوتٌ كصوت العشار [٭]: (العشار): النوق الحوامل. وهو يئن ويبكي، حتى جاءه النبي (ص) ووضع يده عليه، وتكلّم معه وعزّاه وسلّاه، فسكت الجذع. نُقلت هذه المعجزة بطرق كثيرة جدًّا نقلًا متواترًا.
نعم، إنَّ معجزة حنين الجذع مشهورةٌ ومنتشرة، والخبر بها من المتواتر الصريح، فقد رواها مئاتٌ من أئمة التابعين بخمسة عشر طريقًا عن جماعة من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين، وهكذا نقلوها إلى مَن خلفهم. وممن رواها من علماء الصحابة: أنس بن مالك -خادم النبي- وجابر بن عبد اللّٰه الأنصاري، وعبد اللّٰه بن عمر، وعبد اللّٰه بن عباس، وسهل بن سعد، وأبو سعيد الخدري، وأُبي بن كعب، وبُريدة، وأم المؤمنين أم سلمة رضوان اللّٰه عليهم وكلٌّ من هؤلاء على رأس طريق من طرق رواة الحديث.
فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما من أصحاب الصحاح هذه المعجزة الكبرى المتواترة ونقلوها إلينا.
— 164 —
عن جابر رضي اللّٰه عنه، يقول: "كان المسجد مسقوفًا على جذوع من نخلٍ فكان النبي (ص) إذا خطب يقوم إلى جذع منها، فلما صُنع له المنبرُ وكان عليه فسمعنا لذلك الجذع صوتًا كصوت العشار حتى جاء النبي (ص) فوضع يدَه عليه فسكت" لم يتحمل الجذع فراقَه (ص).
وعن أنس: "حتى ارتجّ المسجد لخُواره". [٭]: الترمذي، الجمعة ١٠، المناقب ٦؛ ابن ماجه، الاقامة ١٩٩؛ الدارمي، المقدمة ٦، الصلاة ٢٠٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٦٦
وعن سهل بن سعد: "وكَثُر بكاء الناس لمّا رأوا به من بكاء وحنين". [٭]: الدارمي، المقدمة ٦، الصلاة ٢٠٢؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٦/١٩٤؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣١٩؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٥٠، ٢٥١.
وعن أُبَي بن كعب: "حتى تصدّع وانشق" لشدة بكائه. [٭]: ابن ماجه، الاقامة، ١٩٩؛ الدارمي، المقدمة ٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٣٧، ١٣٨.
زاد غيره: فقال النبي (ص): "إنّ هذا بكى لِما فقَد من الذِّكر" [٭]: انظر: البخاري، ٣/١٣١٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٠٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣١٩. وزاد غيره: "والذي نفسي بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة" تحزّنًا على رسول اللّٰه (ص). [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٢٨؛ ابن سيد الناس، عيون الأثر ١/٣٧٥؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٢/٣٦٦؛ وانظر: ابن ماجه، الاقامة ١٩٩؛ الدارمي، المقدمة ٦، الصلاة ٢٠٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٠٦. وفي حديث بُريدة: لما بكى الجذعُ وضع الرسولُ يدَه الشريفة عليه وقال: "إن شئتَ أردُّك إلى الحائط [٭]: (الحائط): البستان. الذي كنتَ فيه، ينبت لك عروقُك ويكمل خلقُك ويجدّد لك خوصٌ وثمرةٌ. وإن شئتَ أغرسك في الجنة فيأكل أولياءُ اللّٰه من ثمرك. ثم أصغى له النبي (ص) يستمع ما يقول، فقال: بل تغرسني في الجنة فيأكل مني أولياءُ اللّٰه وأكون في مكان لا أَبلى فيه، فسمعه من يليه، فقال النبي (ص): قد فعلتُ. ثم قال: اختار دارَ البقاء على دار الفناء". قال الإمام أبو إسحاق الاسفرائني -وهو من أئمة علماء الكلام- أنَّ الرسول الأكرم (ص) لم يذهب إلى الجذع بل "دعاه إلى نفسه فجاءه يخرِق الأرض فالتزمه. ثم أمره فعاد إلى مكانه". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٠٤.
يقول أُبَي بن كعب: وبعد ظهور هذه المعجزة: "أمر النبي (ص) به فدُفن تحت المنبر"، "فكان إذا صلى النبي (ص) صلى إليه. فلما هُدم المسجد لتجديده أخذه أُبَي فكان عنده إلى أن أكلَته الأرض وعاد رفاتًا". [٭]: ابن ماجه، الاقامة ١٩٩؛ الدارمي، المقدمة ٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٣٧، ١٣٨.
— 165 —
وحينما كان الحسن البصري يحدّث بهذا إلى طلابه يبكي ويقول:
"يا عباد اللّٰه! الخشبةُ تحِنّ إلى رسول اللّٰه (ص) شوقًا إليه لمكانه فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه". [٭]: ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٣٧؛ أبو يعلى، المسند ٥/١٤٢؛ القاضي عياض، الشفا١/٣٠٥ وللّٰه درّ القائل من أهل الفضائل:
وألقى حتى في الجمادات حبَّه فكانت لإهداء السلام له تُهدى
وفارق جذعًا كان يخطب عنده فأنّ أنين الأم إذ تجد الفقدا
يحنّ إليه الجذع يا قوم هكذا أمَا نحن أولى أن نحنّ له وجدا
إذا كان جذعٌ لم يطق بُعد ساعة فليس وفاءً أن نطيق له بُعدًا (علي القاري ١/ ٦٢٦).
ونحن نقول: نعم! إن الاشتياق إليه ومحبتَه إنما هو باتباع سنته السَّنية وشريعته الغراء.
نكتة مهمة
فإن قيل: لِمَ لم تشتهر تلك المعجزاتُ التي تخص البركةَ في الطعام والتي أشبعت ألفًا من الناس في غزوة الخندق بصاع من طعام، ولا تلك المعجزات التي تخص الماء التي أروَت ألفًا من الناس بما فار من الماء من أصابع الرسول المباركة (ص). لِمَ لم تنقلا بطرق كثيرة مثلما اشتهرت معجزةُ حنين الجذع ونُقلت. مع أن كلّا من تلك الجماعتين -التي وقعت المعجزة أمامهما- أكثرُ من جماعة معجزة حنين الجذع؟
الجواب: إن المعجزات التي ظهرت قسمان:
أحدهما: ما يظهر على يد النبي (ص) لتصديق دعوى النبوة، ويكون حجةً لها، فيزيد إيمان المؤمنين ويسوق أهلَ النفاق إلى الإخلاص والإيمان، ويدعو أهل الكفر إلى حظيرة الإيمان. ومعجزةُ حنين الجذع من هذا القبيل، لذلك رآها العوام والخواص واعتُني بنشرها أكثر من غيرها.
أما معجزةُ الطعام ومعجزةُ الماء، فهي كرامة أكثر من كونها معجزة، بل إكرام إلهي أكثر من الكرامة، بل ضيافة رحمانية -حسب ما دعت إليه الحاجةُ- أكثر من إكرام إلهي. فهما وإن كانتا دليلين على دعوى النبوة، ومعجزتين لها، إلّا أن الغاية الأساس هي أنَّ الجيش الذي يبلغ قوامُه زُهاء ألفِ رجل، كان في حاجة ماسة إلى الطعام والشراب فأمدّهم اللّٰه سبحانه
— 166 —
وتعالى من خزائن الغيب بأن أشبع من صاع من طعام ألفَ رجلٍ كما يخلقُ سبحانه من نواةٍ واحدة ألفَ رطل من التمر. كذلك أروى زهاء ألفٍ من المجاهدين في سبيل اللّٰه، حينما أصابهم العطشُ، أرواهم بماء مبارك كالكوثر، إذ أجراه سبحانه من أصابع قائدهم الأعظم صلوات اللّٰه وسلامه عليه. لذلك لم تصل درجةُ معجزة الطعام والماء إلى درجة حنين الجذع. إلّا أن جنس تَينِك المعجزتين ونوعهما بحسب الكلية متواترٌ كتواتر حنين الجذع.
ثم إن كل فرد قد لا يرى بركةَ الطعام وفورانَ الماء من الأصابع بالذات بل يرى أثرَه، ولكن كلُّ من كان في المسجد النبوي قد سمعَ بكاءَ الجذع، لذا ذاع أكثر..
فإن قيل: إن الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين اهتموا اهتمامًا بالغًا بملاحظة جميع أحواله (ص) وحركاته ونقلوها بأمانةٍ واعتناء، فلِمَ رُويت أمثالُ هذه المعجزة العظيمة بعشرين طريقًا فقط ولم تروَ -في الأقل- بمائة طريق؟ ولِمَ تأتي أكثر الروايات عن أنس وجابر وأبي هريرة، ولم يأتِ عن طريق أبي بكر وعمر إلّا القليل منها.
الجواب: الشق الأول من السؤال مضى جوابُه في "الأساس الثالث من الإشارة الرابعة".
أما جواب الشق الثاني فهو أن الإنسان إذا احتاج إلى الدواء يراجع الطبيبَ، وإذا احتاج إلى بناء يراجع المهندس، وإذا احتاج إلى تعلّم الشريعة يأتي المفتي ويستفتيه.. وهكذا فقد كانت مهمةُ بعض علماء الصحابة منحصرةً في حمل الحديث ونشره ونقله إلى العصور الأخرى. فكانوا يسعَون بكل ما آتاهم اللّٰه من قوة في هذه الغاية. فأبو هريرة رضي اللّٰه عنه كرّس جميعَ حياته لحفظ الحديث النبوي، في الوقت الذي كان عمر رضي اللّٰه عنه منهمكًا في حمل أعباء الخلافة وسياسة الدولة. لذا اعتمد على هؤلاء الصحابة: أبي هريرة وأنس وجابر وأمثالهم في نقل الحديث الشريف إلى الأمة، فندَرت الروايةُ عنه. ثم إن الراوي الصادق المصدَّق من قِبل الجميع يُكتفى بروايته ولا داعيَ إلى رواية غيره، ولذلك يُنقل بعضُ الحوادث المهمة بطريقين أو ثلاث.