— 145 —
الإشارة البليغة السابعة
نشير إلى بضع أمثلةٍ من المعجزات النبوية التي تخص بركة الطعام وثبتت بروايات صحيحة قاطعة وبالتواتر المعنوي. ونرى من الأنسب أن نقدّم بين يديها مقدمة.
المقدمة إن الأمثلة التي سترد حول معجزة بركة الطعام كلٌّ منها قد روي بطُرق متعددة، بل إن قسمًا منها روي بستة عشر طريقًا، وقد وقع معظمُ هذه الأمثلة أمام جماعة غفيرة من الصحابة الكرام المنیزّهين عن الكذب والذين لهم المنزلة الرفيعة في الصدق والأمانة.
مثال للتوضيح: وفي رواية أنه: أكل سبعون رجلًا من صاعٍ [٭]: (الصاع): الذي يُكال به، وهو أربعة أمداد، والمُد ما يقارب ٨٧٥غم. وشبعوا جميعًا. فالرجال السبعون يسمعون هذه الرواية التي يحكيها أحدُهم، ثم لا يخالفونه ولا ينكرون عليه، أي أنهم يصدّقونه بسكوتهم.
فالصحابة الكرام رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين كانوا في ذروة الصدق والحق حيث إنهم عاشوا في خير القرون وهم محفوظون من الإغضاء على الباطل، فلو كان يرى أحدُهم شيئًا ولو يسيرًا من الكذب في أي كلام كان لَمَا وسِعه السكوت عليه قطعًا، بل كان يردّه حتمًا.
لذا فالروايات التي نذكرها فضلًا عن أنها رُويَت بطرق متعددة فقد سكت عنها الآخرون تصديقًا بها، أي كأن الجماعة قد رووها فالساكتُ منهم كالناطق بها فهي إذن تفيد القطعية كالمتواتر المعنوي.
ويشهد التاريخ -والسيرة خاصة- أن الصحابة الكرام قد وقفوا أنفسَهم بعد حفظ القرآن الكريم لحفظ الحديث الشريف، أي حفظ أحوالِه (ص) وأفعالِه وأقواله، سواء منها المتعلقة بالأحكام الشرعية أم بالمعجزات، ولم يُهملوا -جزاهم اللّٰه خيرًا- أيةَ حركةٍ مهما كانت صغيرةً من سيرته المباركة، بل اعتنوا بها وبروايتها، ودوّنوها في مدوَّنات لديهم، ولا سيما
— 146 —
العبادلة السبعة وبخاصة ترجمیان القرآن عبد اللّٰه بن عباس، وعبد اللّٰه بن عمرو بن العاص. وهكذا حُفظت الأحاديثُ في عهد الصحابة الكرام حتى جاء كبارُ التابعين بعد ثلاثين أو أربعين سنة فتسلّموها غضةً طريةً منهم وحفظوها بكل أمانةٍ وإخلاص، فكتبوها ونقلها عنهم بعد ذلك الأئمةُ المجتهدون وألوفُ المحققين والمحدّثين وحفظوها بالكتابة والتدوين، ثم تسلَّمها -بعد مضي مائتي سنة من الهجرة- أصحابُ الكتب الستة الصحيحة المعروفة وفي مقدمتهم البخاري ومسلم، ثم جاء دورُ النقّاد وأهل الجرح والتعديل، وبرز منهم متشددون -أمثال ابن الجوزي- فميّزوا الأحاديثَ الموضوعة التي دسّها بعضُ الملاحدة وجهلةِ الناس على الأحاديث الصحيحة. ثم أعقبهم علماءُ أفاضل ذوو تقوى وورع أمثال جلال الدين السيوطي وهو العلّامة الإمام الذي تشرّف بمحاورة الرسول (ص) فتمثّل له في اليقظة سبعين مرة -كما يصدّقه أهلُ الكشف من الأولياء الصالحين- فميّزوا جواهر الأحاديث الصحيحة من سائر الكلام والموضوعات.
وهكذا ترى أن الأحاديث -والمعجزات التي سنبحث عنها- قد انتقلت إلينا سليمةً صحيحة بعد أن تسلّمها مالا يُعد ولا يُحصى من الأيدي الأمينة "فالحمد للّٰه، هذا من فضل ربي".
وعليه فلا ينبغي أن يخطرَ بالبال: كيف نعرف أن هذه الحوادث التي حدثتْ منذ مدة سحيقة قد ظلتْ مصونةً سالمة من يد العبث؟
أمثلة حول معجزات بركة الطعام:
المثال الأول: اتفقت الصحاح الستة، وفي مقدمتها البخاري ومسلم في حديث أنس رضي اللّٰه عنه "قال: كان النبي (ص) عروسًا بزينب، فعَمِدَتْ أمي أمُّ سُلَيم إلى تمر وسمن وأقط، فصنعتْ حيسًا فجعلته في تَور [٭]: (التور): إناء كالقدح. فقالت: يا أنس! اذهب بهذا إلى رسول اللّٰه (ص) فقل بعثتْ بهذا إليكَ أمي، وهي تقرئك السلام، وتقول: إن هذا لك منّا قليلٌ يا رسول اللّٰه! فذهبتُ فقلت، فقال: "ضعْهُ" ثم قال: "اذهب فادعُ لي فلانًا" وفلانا وفلانًا رجالًا سمّاهم "وادعُ مَن لقيتَ" فدعوتُ مَن سمّى ومَن لقيتُ فرجعتُ فإذا البيت غاصٌّ بأهله. قيل لأنس: عددُكم كم كان؟
— 147 —
قال: زهاء ثلاثمئة. فرأيت النبي (ص) وضع يدَه على تلك الحيسة وتكلّم بما شاء اللّٰه ثم جعل يدعو عشرةً عشرةً يأكلون منه، ويقول لهم: "اذكروا اسم اللّٰه، وليأكل كلُّ رجلٍ مما يليه" قال: فأكلوا حتى شبعوا، فخرجتْ طائفةٌ، ودخلتْ طائفة، حتى أكلوا كلهم قال لي: "يا أنس! ارفع" فرفعتُ، فما أدرى حين وضعتُ كان أكثرَ أم حين رفعتُ". [٭]: انظر: البخاري، النكاح ٦٤؛ مسلم، النكاح ٩٤، ٩٥؛ القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٧.
المثال الثاني: نزل النبي (ص) ضيفًا عند أبى أيوب الأنصاري، فذات يوم "صنعَ لرسول اللّٰه (ص) ولأبي بكر رضي اللّٰه عنه من الطعام زُهاء ما يكفيهما. فقال له النبي (ص): ادعُ ثلاثين من أشرافِ الأنصار! فدعاهم فأكلوا حتى تركوا. ثم قال: ادعُ ستين، فكان مثلُ ذلك، ثم قال: ادعُ سبعين فأكلوا حتى تركوا، وما خرج منهم أحدٌ حتى أسلم وبايع، قال أبو أيوب: فأكل من طعامي مئة وثمانون رجلًا". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٤/١٨٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٩٤؛ ابن عبد البر، التمهيد ١/٢٩٥.
المثال الثالث: "حديث سلمة بن الأكوَع، وأبو هريرة، وعمر بین الخطاب وأبو عمرة الأنصاري رضي اللّٰه عنهم، فذكروا مخمصةً أصابت الناسَ مع النبي (ص) في بعض مغازيه، فدعا ببقية الأزواد، [٭]: (الأزواد): جمع زاد. (الحثية): ما يملأ اليدين. (نطع): بساط من ادم. (حرزته): قدّرته. (الربضة): جلوس العنز. فجاء الرجلُ بالحَثْية من الطعام، وفوق ذلك ، وأعلاهم الذي أتى بالصاع من التمر، فَجَمعه على نطْعٍ. قال سلمة: فحرزتُه، كَربضةِ العنز، ثم دعا الناس بأوعيتهم، فما بقيَ في الجيش وعاءٌ إلّا ملأوه، وبقي منه قدر ما جُعل وأكثر، (وفي رواية) ولو ورده أهلُ الأرض لكفاهم". [٭]: انظر: البخاري، الشركة ١، الجهاد ١٢٣؛ مسلم، اللقطة ١٩ .
المثال الرابع: ثبت في الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم أن عبد الرحمن بن أبى بكر الصديق قال: "كنّا مع النبي (ص) ثلاثين ومئة" في سفر "وذكر في الحديث أنه عُجن صاعٌ من طعام، وصُنعَت شاةٌ فشويَ سواد بطنها، [٭]: (سواد البطن): الكبد. (حزّ): قطع بالسكين. قال: وأيمُ اللّٰه ما من الثلاثين ومئة إلّا وقد حزَّ لهُ حزّةً من سواد بطنها، ثم جعل منها قصعتين فأكلنا أجمعون، وفضل في القصعتين، فحملتُه على البعير". [٭]: انظر: البخاري، الهبة ٢٨، الأطعمة ٦؛ مسلم، الأشربة ١٧٥.
— 148 —
المثال الخامس: ثبت في الصحاح أيضًا: "حديث جابر في إطعامه (ص) يوم الخندق ألفَ رجل من صاع شعير وعناق [٭]: (العناق): الانثى من أولاد المعز ولم يتم لها سنة. (برمتنا لتغط): أي قدرنا تغلي غليانًا. (شطر وسق): نصف حمل. وقال جابر: فأُقسم باللّٰه لأكلوا حتى تركوه وانحرفوا، وإن بُرمَتنا لتَغُطّ كما هي وإن عجينَنا ليخبز" وكان الرسول الأكرم (ص) قد وضع في ذلك العجين والقِدر من ماء فِيهِ المبارك ودعا بالبركة. [٭]: البخاري، المغازي ٢٩؛ مسلم، الأشربة ١٤١. فيعلن جابر مقسمًا باللّٰه معجزةَ البركة هذه في حضور ألفٍ من الصحابة مُظهرًا علاقتهم بها. فهذه الرواية قطعيةٌ وكأنَّ ألفَ رجل قد رواها.
المثال السادس: وثبت في الصحاح أنّ أبا طلحة عمَّ خادم النبي (ص) أنس رضي اللّٰه عنه يقول: "إن الرسول الأكرم (ص) أطعَمَ مما أتى به أنسٌ تحت إبطه من قليل خبز شعير زهاء ثمانين رجلًا حتى شبعوا. وكان (ص) أمر بأن يجعل ذلك الخبز إربًا إربًا، ودعا بالبركة، وأن البيت ضاق بهم فكانوا يأكلون عشرةً عشرة، ورجعوا كلُّهم شباعًا". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥، الأطعمة ٦، ٤٨؛ مسلم، الأشربة ١٤٢.
المثال السابع: ثبت في صحيح مسلم والشفا وغيرهما أن جابرًا الأنصاري يقول: "إن رجلًا أتى النبي (ص) يستطعمه، فأطعَمَه شطرَ وَسْق شعير، فما زال يأكل منه هو وامرأتُه وضيفُه حتى كالَه" ليعرفوا ما نقصَ منه، فرأوا أنه زالت منه البركةُ، وصار ينقص شيئًا فشيئًا. فأتى النبي (ص) فأخبره فقال (ص): "لو لم تَكِلْهُ لأكلتم منه ولَقام بكم". [٭]: مسلم، الفضائل ٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٣٧، ٣٤٧؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/١١٤.
المثال الثامن: تبين الصحاح كالترمذي والنسائي والبيهقي وكتاب الشفاء "عن سمرة بن جندب: أتى النبيَّ (ص) بقصعةٍ فيها لحمٌ، فتعاقبوها من غدوةٍ حتى الليل يقوم قومٌ ويقعد آخرون". [٭]: الترمذي، المناقب ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/١٢، ١٨؛ الدارمي، المقدمة ٩؛ النسائي، السنن الكبرى ٤/١٧٠.
وبناء على ما ذكرناه في المقدمة، هذه الواقعة الواردة في البركة ليست رواية سمرة فقط، بل كأنه ممثلٌ عن تلك الجماعات التي أكلتْ من ذلك الطعام. فيعلن هذه الروايةَ بدلًا منهم.
المثال التاسع: يروى رجالٌ ثقاة كصاحب الشفاء وابن أبي شيبة والطبراني بسند جيّد وعلماءُ محققون: عن أبى هريرة: أمرَني النبيُّ (ص) أن أدعوَ له أهلَ الصُفَّة "وهم فقراء المهاجرين الذين كان ينوف عددهم على مائة. والذين كانوا قد اتخذوا الصفّة في المسجد مأوًى لهم
— 149 —
"فتتبَّعتُهم حتى جمَعتُهم. فوُضعَت بين أيدينا صفحةٌ، فأكلنا ما شئنا، وفرَغنا، وهي مثلُها حين وُضِعت، إلَّا أن فيها أثرَ الأصابع". [٭]: ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣١٥؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٣/١٩٥؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٥٦.
فأبو هريرة يدلي بهذا الخبر باسم أصحابِ الصفّة مستندًا إلى تصديقهم. فهي روايةٌ قطعية إذن وكأن جميعَ أهل الصفة روَوها. فهل يمكن أن يكون هذا الخبرُ خلاف الحق والصواب ثم لا ينكر عليه أولئك الصادقون الكاملون ولا يردّونه؟.
المثال العاشر: ثبت برواية صحيحة أن الإمام عليًا رضي اللّٰه عنه قال: "جمعَ رسولُ اللّٰه (ص) يومًا بني عبد المطلب وكانوا أربعين، منهم قومٌ يأكلون الجدعة ويشربون الفرق" أي منهم من يأكل فرع الجمل ويشرب أربع أوقيات من الحليب "فصنع لهم مُدًّا من طعامٍ فأكلوا حتى شبعوا وبقي كما هو، ثم دعا بعسّ" أي إناء من خشب حليبًا يكفي لثلاثة أو أربعة "فشربوا حتى رووا. وبقي كأنه لم يشرب". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/١٥٩، فضائل الصحابة ٢/٧١٢؛ الطبري، جامع البيان ١٩/١٢٢؛ القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٣-٢٩٤.
فهذا مثال واحد لمعجزة بركةِ الطعام وهو بقطعية شجاعةِ علي رضي اللّٰه عنه وصدقه.
المثال الحادي عشر: ثبت برواية صحيحة "في إنكاح النبي (ص) لعلي فاطمةَ أن النبيَ (ص) أمَر بلالًا بقصعة من أربعة أمدادٍ أو خمسة ويذبح جَزورًا [٭]: (جزور): رأس من الابل ناقة أو جملًا سميت بها لأنها مما يجزر. لوليمتها. قال: فأتيتُه بذلك فطعَن في رأسها، ثم أدخل الناسَ رُفقة رفقة يأكلون منها، حتى فرغوا، وبقيت منها فضلةٌ، فبرّك فيها وأمر بحملها إلى أزواجه، وقال: "كُلنَ وأطعِمن مَن غشيكن". [٭]: عبد الرزاق، المصنف ٥/٤٨٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٢/٤١١، ٢٤/١٣٣. حقًا! إن مثل هذا الزواج الميمون لحريٌّ بمثل هذه المعجزة في البركة.
المثال الثاني عشر: روى جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر عن أبيه زين العابدين عن علي رضي اللّٰه عنه: "أن فاطمة طبختْ قدرًا لغذائهما ووجّهت عليًا إلى النبي (ص) ليتغذى معهما، فأمَرها فغرفَت منها لجميع نسائه صفحةً صفحة ثم له (ص) ولعلي ثم لها ثم رفعت القِدر وأنها لتفيضُ، قالت: فأكلنا منها ما شاء اللّٰه". [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٨٦-١٨٧؛ القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٤؛ ابن الجوزي، المنتظم ٣/٨٨؛ ابن كثير، تفسير القرآن ١/٣٦١.
— 150 —
فعجبًا من أمرك أيها الإنسان لِمَ لا تصدّق بهذه المعجزة الباهرة تصديقَ شهود بعد ما سمعتَ أن رواتها من السلسلة الطاهرة، حتى الشيطان نفسه لا يجد سبيلًا لإنكارها!
المثال الثالث عشر: روى الأئمة أمثال أبي داود وأحمد ابن حنبل والبيهقي عن دُكَين الأحمسي بن سعيد المزين، وعن الصحابي الذي تشرف هو وإخوته الستة بصحبة النبي (ص) وهو نعمان بن مقرن الأحمسي المزين، ومن رواية جرير ومن طرق متعددة أن الرسول الأكرم (ص): "أمر عمر بن الخطاب أن يزوّد أربعمائة راكب من أحمس. فقال: يا رسول اللّٰه ما هي إلّا أصوع [٭]: (أصوع): جمع صاع. (الفصيل): ولد الناقة الصغير. قال: اذهبْ، فذهب فزوَّدهم منه. وكان قدر الفصيل الرابض من التمر، وبقي بحاله". [٭]: انظر: أبو داود، الأدب ١٥٧-١٥٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٧٤؛ البخاري، التاريخ الكبير ٣/٢٥٥.
هكذا وقعت معجزةُ البركة هذه، وهي تتعلق بأربعمائة رجل، لاسيما بعمر رضي اللّٰه عنه. فهؤلاء جميعًا هم الرواةُ لأن سكوتَهم حتمًا تصديقٌ للرواية. فلا تقل أنها خبر آحاد ثم تمضي إلى شأنك فأمثال هذه الحوادث وإن كانت خبر آحاد، إلّا أنها تورث الطمأنينةَ في القلب لأنها بمثابة التواتر المعنوي.
المثال الرابع عشر: ثبت في الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم حديث جابر رضي اللّٰه عنه "في دَين أبيه، وقد كان بَذَل لغُرماء أبيه أصلَ مالِهِ ليقبلوه ولم يكن في ثمرها سنتين كفافُ دَينهم، فجاءه النبي (ص) بعد أن أمره بجدِّها -أي قطعها- وجعْلها بيادر في أصولها، فمشى فيها ودعا، فأوفي منه جابرٌ غُرماءَ أبيه وفَضَل مثل ما كانوا يجدُون كل سنة، وفي رواية مثل ما أعطاهم، قال: وكان الغرماء يهودَ فعجبوا من ذلك". [٭]: البخاري، الاستقراض ٩، الوصايا ٣٦، المغازي ١٨؛ أبو داود، الوصايا ١٧؛ النسائي، الوصايا ٣-٤؛ ابن ماجه، الصدقات ٢٠.
وهكذا فهذه المعجزة الباهرة في بركة الطعام ليست برواية يرويها جابر وأشخاص معدودون فقط وإنما هي متواترةٌ من حيث المعنى يرويها جميعُ هؤلاء الرواة ممثلين لكلّ من تتعلق به هذه الرواية.
المثال الخامس عشر: يروى العلماء المحققون روايةً صحيحة، وفي مقدمتهم الإمام
— 151 —
الترمذي والبيهقي، عن أبى هريرة رضي اللّٰه عنه أنه قال: أصاب الناسَ مخمصةٌ في إحدى الغزوات -وفي رواية في غزوة تبوك- "فقال لي رسول اللّٰه (ص): هل من شيء؟ قلتُ: نعم شيءٌ من التمر في المزوَد" [٭]: (المزود): وعاء الزاد. وفي رواية خمس عشرة تمرة "قال فأْتني به، فأدخَل يدَه فأخرج قبضةً فبسطها ودعا بالبركة. ثم قال ادعُ عشرةً، فأكلوا حتى شبعوا، ثم عشرة كذلك، حتى أطعم الجيشَ كلَّهم وشبعوا، قال: خذ ما جئت به وأدخِل يدَك واقبض منه ولا تكُبَّه، فقبضتُ على أكثر مما جئتُ به، فأكلتُ منه وأطعمتُ حياة رسول اللّٰه (ص) وحياة أبى بكر وعمر إلى أن قُتل عثمان فانتهبَ مني فذهب. وفي رواية فقد حملتُ من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل اللّٰه". [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ص ١٣٠، ١٣١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/١١٧؛ وانظر: الترمذي، المناقب ٤٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٥٢.
وهكذا، فإن معجزة البركة التي يرويها أبو هريرة، وهو الذي تتلمذ على معلّم الكون وسيده محمد (ص) ولازمَ مدرسةَ الصفّة وبزّ فيها بالحفظ بدعاء النبي له، فهذا الصحابي الجليل يروي هذه الرواية في مجمَع من الناس -كغزوة تبوك- فلا بد أن تكون هذه الرواية متواترةً من حيث المعنى، وقويةً متينة بقوة الجيش كلِّه أي كما لو كان الجيشُ كلُّه يرويها.
المثال السادس عشر: ثبت في صحيح البخاري والصحاح الأخرى: أن الجوع أصابَ أبا هريرة، "فاستَتَبعَه النبي (ص)، فوجد لبنًا في قدح أُهدي إليه، وأمره أن يدعو أهلَ الصُفة. قال: فقلتُ ما هذا اللبن فيهم، كنتُ أحقَّ أن أصيبَ منه شربةً أتقوّى بها، فدعَوتُهم"، وكانوا ينوفون على المائة، فأمر (ص) أن أسقيهم "فجعلتُ أُعطي الرجل فيشرب حتى يروي. ثم يأخذه الآخر حتى رَوِي جميعُهم قال: فأخذ النبي (ص) القدحَ وقال: بقيتُ أنا وأنت، أُقعُد فاشرب. فشربتُ ثم قال: اشرب. وما زال يقولها وأشربُ حتى قُلتُ: لا، والذي بعثك بالحق ما أجد له مسلكًا. فأخذ القدحَ وحمد اللّٰه وسمّى وشرب الفضلة". [٭]: البخاري، الرقاق ١٧؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٦٤. فهنيئًا لك مائة ألف مرة يا رسول اللّٰه.
فهذه المعجزة السليمة من شوائب الشك والخالصة اللطيفة كاللبن قد روتها كتب الصحاح وفي مقدمتها صحيح الإمام البخاري الذي كان حافظًا لخمسمائة ألف حديث.
— 152 —
فهي إذن رواية لا ريب فيها قط وصادقة وثابتة كأنها مشهودة رأي العين، مثلما رواها تلميذ المدرسة الأحمدية المقدسة، مدرسة الصفّة، ذلك التلميذ الموثوق الحافظ أبو هريرة، رواها باسم أصحاب الصفة جميعهم وأشهدَهم عليها.
فالذي لا يتلقى هذا الخبر تلقيًا كأنه يشاهده، فهو إما فاسد القلب أو فاقد العقل.
تُرى هل من الممكن أنّ صحابيًا جليلًا مثل أبي هريرة الصادق الذي بذل حياتَه في حفظ الحديث النبوي، أن يحطّ من قيمة ما حفظه من الأحاديث النبوية فيورد ما يثير الشك والشبهة ويقول ما يخالف الحق والواقع، وهو الذي سمعَ قولَ النبي (ص): "مَنْ كَذب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعدَه من النار"؟ [٭]: انظر: البخاري، العلم ٣٨، الأنبياء ٥٠، الأدب ١٠٩؛ مسلم، المقدمة ٢-٤، الزهد ٧٢. حاشاه عن ذلك.
فيا ربِّ بحرمة بركة هذا الرسول الكريم (ص) هب لنا البركة فيما منَحتَنا من أرزاق مادية ومعنوية.
نكتة مهمة بديهي أنه كلما اجتمعت أشياءُ واهيةٌ ضعيفة تقوّت. وإذا أُبرمت خيوطٌ رفيعةٌ واتحدت صارت عروةً وثقى لا تنفصم. وقد أوردنا هنا ستةَ عشر مثالًا لقسمٍ من خمسة عشر قسمًا من نوع معجزة البرَكة التي تمثل نوعًا من خمسة عشر نوعًا من أنواع المعجزات، وكل مثال أوردناه قويٌّ في حدّ ذاته وكاف وحدَه لإثبات النبوة. ولو فرضنا -فرضًا محالًا- بأن بعضًا منها ضعيفٌ غير قوي في ذاته، فلا يجوز الحكمُ عليه بأن المثال لا يقوى دليلا على المعجزة لأنه يتقوى باتفاقه مع القوي.
ثم إن اجتماع هذه الأمثلة الستة عشر التي هي في درجة التواتر المعنوي يدل على معجزة كبرى قوية، ولو مُزجَت هذه المعجزة مع سائر الأقسام الأربعة عشر من معجزاته (ص) حول البركة التي لم تُذكر هنا، لغدت معجزةً هائلة كالحبال المتحدة التي لا انفصام لها. ثم إنك لو أضفتَ هذه المعجزة الهائلة القوية إلى سائر أنواع المعجزات الأربع عشرة لرأيتَ برهانًا قويًا لا يتزلزل، برهانًا باهرًا على النبوة الصادقة.
وهكذا فعمادُ النبوة الأحمدية عمادٌ كالطود الأشم تتشكل من مجموعة هذه المعجزات.
— 153 —
ولا شك أنك أدركت الآن مدى سخافةِ وبلاهة مَن يرى هذا البناء الشامخ العامر للنبوّة ثم يظن أنه يهوي بشبهات واهية تردُ إلى ظنه من جزئيات الأمثلة.
نعم، إن تلك المعجزات التي تخص البركة في الطعام تدل دلالة قاطعة على نبوّة محمد (ص) وأنه مأمورٌ محبوبٌ لدى ذلك الرحيم الكريم الذي يمنح الرزق ويخلقه. وهو عبدٌ كريم لديه بحيث يبعث له مستضافاتٍ مملوءةً بأنواع من الرزق -خلافًا للمعتاد- من العدم ومن خزائن الغيب التي لا تنفد.
ومعلوم أن الجزيرة العربية شحيحةٌ بالماء والزراعة بحيث إن أهاليها -لا سيما في صدر الإسلام- كانوا في ضيق من المعيشة وشدة منها وشحّة من الماء والتعرض للعطش. فبناء على هذه الحكمة، فقد ظهرتْ أهمُّ المعجزات الأحمدية الباهرة ظهورًا في الطعام والماء.
فهذه المعجزات إنما هي بمثابة إكرامٍ رباني، وإحسانٍ إلهي، وضيافة رحمانية للرسول الكريم (ص)، يُكرمه حسب الحاجة، فهي إكرام أكثر من أن تكون دليلا على النبوة. لأن الذين رأوا هذه المعجزات، كانوا مؤمنين إيمانًا قويًا بالنبوّة. فالمعجزة كلما ظهرت يتزايد الإيمانُ ويتقوى، وهكذا تزيدهم هذه المعجزاتُ نورًا على نور إيمانهم.
الإشارة الثامنة
تبين قسمًا من المعجزات التي تتعلق بالماء.
المقدمة إن الحوادث التي تقع بين أظهُر الناس، إذا ما نُقلت بطريق الآحاد ولم تُكذَّب فهي دلالةٌ على صدق وقوعها، لأن فطرةَ الإنسان مجبولةٌ على أن يفضحَ الكذبَ ويرفضُه. ولاسيما أولئك الذين لا يسكتون على الكذب وهم الصحبُ الكرام، وبخاصة إذا كانت الأحداث تتعلق بالرسول الأكرم (ص)، وبالأخص أن الرواة هم من مشاهير الصحابة. فيكون راوي ذلك الخبر الواحد حينذاك كأنه ممثلٌ لتلك الجماعة التي شاهَدَتْه شهودَ عيان. علمًا أن كلَّ مثال من أمثلة المعجزات المتعقلة بالماء التي سنبحث عنها قد رُوي بطرق متعددة، عن كثير من الصحابة الكرام وتناوله أئمةُ التابعين وعلماؤهم بالحفظ وسلّموا كلَّ رواية منها بأمانة بالغة إلى الذين
— 154 —
يأتون من بعدهم في العصور الأخرى. فتلقاه العصرُ الذي بعدهم بجدّ وأمانة ونقلوه بدورهم إلى علماء العصر التالي، وهكذا تعاقبت عليه ألوفُ العلماء الأجِلاء في كل عصر وكل طبقة، حتى وصل إلى يومنا هذا، فضلًا عن أن كتبًا للأحاديث قد دُوّنت في عصر النبوّة وسُلّمت من يد إلى يد حتى وصلتْ إلى أيدي أئمة الحديث من أمثال البخاري ومسلم فَوعَوها وعيًا كاملًا، وميّزوا هذه الروايات حسب مراتبها، وقاموا بجمع كلِّ ما هو صحيح خالٍ من شائبة الشبهة في صحاحهم، فأرشدونا إلى الصواب.. جزاهم اللّٰه خيرًا.
مثال: إن فوران الماء من أصابع الرسول (ص)، وسقْيَه كثيرًا من الناس، حادثٌ متواترٌ. نقلته جماعةٌ غفيرة لا يمكن تواطؤهم على الكذب بل محالٌ كذبُهم. فهذه المعجزة إذن ثابتة قطعًا، فضلًا عن أنها قد تكررت ثلاث مرات أمام ثلاث جماعات عظيمة.
فقد روت الحادثة برواية صحيحة جماعةٌ من مشاهير الصحابة، وفي مقدمتهم أنس "خادم الرسول (ص)" وجابر وابن مسعود ونقلها إلينا -بسلسلة من الطرق- أئمةُ الحديث أمثال البخاري ومسلم والإمام مالك وابن شُعيب وقتادة رضوان اللّٰه تعالى عليهم أجمعين.
وسنذكر تسعةَ أمثلة فحسب من المعجزات المتعلقة بالماء.
المثال الأول: ثبت في صحيحَي البخاري ومسلم وغيرِهما: عن أنس بن مالك قال "رأيت رسول اللّٰه (ص) وحانت صلاةُ العصر فالتمس الناسُ الوضوءَ فلم يجدوه". "قال: أُتي النبيُّ (ص) بإناء وهو بالزوراء، [٭]: (الزوراء): مكان مرتفع قريب من المسجد النبوي، وثمة سوقها. فوضع يدَه في الإناء، فجعل الماءُ ينبع من بين أصابعه، فتوضأ القومُ. قال قتادة: قلت لأنس: كم كنتم؟ قال: ثلاثمائة أو زهاء ثلاثمائة". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥؛ مسلم، فضائل الصحابة ٦، ٧.
فأنت ترى أن أنسًا رضي اللّٰه عنه يخبر عن هذه الحادثة بوصفه ممثلًا عن ثلاثمائة رجل. فهل يمكن ألّا يشترك أولئك الثلاثمائة في هذا الخبر معنًى وهل يمكن ألّا يكذبوه -حاشاه- إن لم تكن هذه الحادثة قد حدثت فعلًا؟.
المثال الثاني: ثبت في الصحاح وفي مقدمتها البخاري ومسلم: "عن سالم بن أبى الجعد عن جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري رضي اللّٰه عنهما قال: عطش الناسُ يوم الحديبية والنبي (ص) بين
— 155 —
يديه ركوةٌ، [٭]: (الركوة): اناء من جلد يستعمل للماء. فتوضأ، فجهش الناسُ نحوَه فقال: مالَكم؟ قالوا: ليس عندنا ماءٌ نتوضأ ولا نشرب، إلّا ما بين يديك. قال جابر: فوضع النبي (ص) يدَه في الركوة فجعل الماءُ يثور من بين أصابعه، كأمثال العيون، فشربنا وتوضأنا. قال سالم: قلتُ لجابر: كم كنتم؟ قال: لو كنا مائة ألف لكفانا، كنا خمس عشرة مائة". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥، المغازي ٣٥؛ مسلم، الامارة ٧٢، ٧٣.
فترى أن رواة هذه المعجزة يبلغون ألفًا وخمسمائة رجل من حيث المعنى لأن الإنسان مفطورٌ على أن يفضح الكذبَ ويقول للكذب: هذا كذب. فكيف بهؤلاء الصحابة الكرام الذين ضحَّوا بأرواحهم وأموالهم وآبائهم وأبنائهم وأقوامهم وقبائلهم في سبيل الحق والصدق؟ فضلا عن أنه محالٌ أن يسكتوا على الكذب بعدما سمعوا التهديد المرعب في الحديث الشريف: "مَن كذَب عليَّ متعمدًا فليتبوأ مقعدَه من النار". [٭]: البخاري، العلم ٣٨، الأنبياء ٥٠، الأدب ١٠٩؛ مسلم، المقدمة ٢-٤، الزهد ٧٢. فما داموا لم يعترضوا على الخبر بل قبلوه ورضوا به، فقد أصبحوا إذن مشتركين في الرواية ومصدِّقين لها من حيث المعنى.
المثال الثالث: تروي الكتبُ الصحاح "ومنها البخاري ومسلم" في ذكر غزوة "بُواطٍ" [٭]: (بواط): هي ثاني غزواته (ص)، وهي اسم لجبال بقرب الينبع. أن جابرًا قال: "قال لي رسولُ اللّٰه (ص): يا جابر نادِ الوضوءَ" فقيلَ لا يوجد لدينا الماء. فأراد ماءً يسيرًا. "فأُتي به النبيَ (ص) فغمزه، [٭]: (غمزه) أي وضع يده فيها. (الجفنة): كالقصعة لفظًا ومعنى وهي التي تشبع عشرة. وتكلّم بشيء لا أدري ما هو. وقال: نادِ بجفنة الركب، فأتيتُ فوضعتُها بين يديه، وذكر أن النبي (ص) بَسَط يدَه في الجفنة وفرّق أصابعَه. وصبّ جابرٌ عليه وقال: بسم اللّٰه! قال: فرأيت الماء يفورُ من بين أصابعه، ثم فارت الجفنةُ واستدارت حتى امتلأت، وأمر الناسَ بالاستقاء، فاستقَوا حتى رَووا. فقلت: هل بقيَ أحدٌ له حاجة؟ فرفع رسول اللّٰه (ص) يده من الجفنة وهي ملأى". [٭]: مسلم، الزهد ٧٤؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٥٧؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٧/٧٤.
فهذه المعجزة الباهرة متواترةٌ من حيث المعنى، لأن جابرًا كان في مقدمة المشاهدين فمن حقه إذن أن يتكلم هو فيها، ويعلنها على لسان القوم حيث كان يخدم الرسول (ص) آنذاك.
وفي رواية ابن مسعود في الصحيح: "ولقد رأيتُ الماء ينبعُ من بين أصابع رسول اللّٰه (ص)". [٭]: البخاري، المناقب ٢٥؛ الترمذي، المناقب ٦؛ الدارمي، المقدمة ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٦٠.
— 156 —
يا ترى إذا روى صحابةٌ ثقاة أجِلاء من أمثال أنس وجابر وابن مسعود وقال كلٌّ منهم: "رأيت"، أمِنَ الممكن عدم رؤيتهم؟
وبعد؛ وَحِّد هذه الأمثلة معًا، لترى مدى قوة هذه المعجزة الباهرة، لأن الطرق الثلاثة إذا ما توحّدت فستثبُت الروايةُ إثباتًا قاطعًا بالتواتر المعنوي، من أن الماء كان يفور من أصابعه (ص) فهذه المعجزةُ أعظم وأسمى من تفجير موسى عليه السلام الماءَ من اثنتي عشرة عينًا من الحجر، لأن انفجار الماء من الحجر شيءٌ ممكن له نظيرُه حسب العادة، ولكن لا نظير لفوران الماء من اللحم والعظم كالكوثر السلسبيل.
المثال الرابع: روى الإمام مالك في كتابه القيّم "الموطأ" عن أجِلّة الصحابة "عن معاذ بن جبل في قصة غزوة "تبوك" أنهم وردوا العينَ وهي تبضّ بشيء من ماء [٭]: (بضّ الماء) إذا سال سيلانًا قليلًا. (الشراك): سير النعل، والتشبيه لقلة الماء. مثل الشراك" فأمر رسول اللّٰه (ص) أن: اجمعوا من مائها "فغَرفوا من العين بأيديهم حتى اجتمع في شيء. ثم غسلَ رسولُ اللّٰه (ص) فيه وجهَه ويديه وأعادَه فيها فَجَرت بماء كثير فاستقى الناسُ" حتى قال في حديث ابن إسحاق "فانخرق من الماء مالَه حِسّ كحس الصواعق. ثم قال: يوشِك يا معاذ إن طالتْ بك حياةٌ أن ترى ما ها هنا قد ملئ جنانًا" [٭]: مسلم، فضائل الصحابة ١٠؛ الموطأ، السفر ٢؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٣٨. وكذلك كان.
المثال الخامس: روى البخاري عن البراء، ومسلم عن سلمة بن الأكوَع، وعن طرق أخرى في كتب الصحاح الأخرى "كنا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، والحديبية بئر، فنیزحناها، حتى لم نترك فيها قطرةً فجلس النبي (ص) على شفير البئر فدعا بماء فمضمض ومجّ في البئر فمكثنا غير بعيد ثم استسقينا حتى روينا ورَوَت أو صَدَرَت ركائبُنا" [٭]: البخاري، المناقب ٢٥، المغازي ٣٥؛ مسلم الجهاد ١٣٢، الامارة ٧٢، ٧٣؛ الدارمي، المقدمة ٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٤٨، ٢٩٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٨٣. قال البراء: فأمر (ص) بدلوٍ من مائها، فأتينا بها، فألقى ريقَه من فمه المبارك ودعا، ثم بعد ذلك أفرغ الدلوَ في البئر ففارتْ وارتفعت ملء فمها فأروَوا أنفسَهم وركابهم.
المثال السادس: روى أئمةُ الحديث، أمثال مسلم وابن جرير الطبري وغيرهما عن أبي قتادة أنه قال: "أن النبي (ص) خرج بهم مُمدًّا لأهل مؤتة عندما بلغه قَتْل الأمراء" [٭]: وهم زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد اللّٰه بن رواحة، وذلك أنه (ص) أرسل بكتاب إلى ملك بُصرى فقتل رسوله في مؤتة، ولم يقتل رسول له قبله، فعقد للسرية لواء دفعه لزيد وأوصاهم وقال: إن قتل زيد فأميركم جعفر فإن قتل جعفر فأميركم عبد اللّٰه بن رواحة. (الخفاجي٣/٢٦). وكانت
— 157 —
لديّ مِيضأة. [٭]: (الميضأة): آلة الوضوء. فقال الرسول (ص): "احفظ على مِيضأتك فإنه سيكون لها نبأ" وبعد ذلك أخذ العطشُ يشتد بنا وكنا اثنين وسبعين -وفي رواية الطبري كنا زهاء ثلاثمائة- فقال الرسول الكريم (ص): "ائتِ ميضأتك. فأتيتُها فأخَذَها ووضع فمَه في فمها ولم أدرِ أتنفَسَ فيها أم لا؟ ثم بعد ذلك جاء اثنان وسبعون رجلًا فشربوا منها وملأوا أوعيَتهم ثم بعد ذلك أخذتُها -أي الميضأة- فبقيَتْ مثل ما كان" [٭]: مسلم، المساجد، ٣١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٩٨؛ أبو يعلى، المسند ٧/٢٣٤-٢٣٥؛ ابن خزيمة، الصحيح ١/٢١٤. فتأمل في هذه المعجزة الباهرة وقل: اللّٰهم صَلِّ وسلم عليه وعلى آله بعدد قطرات الماء.
المثال السابع: روى البخاري ومسلم عن عمران بن حُصين حين أصاب النبيَ (ص) وأصحابَه عطشٌ في بعض أسفارهم "كنا في سفر مع النبي (ص) ... فاشتكى إليه الناسُ من العطش فنیزل... ودعا عليًا فقال: اذهبا فابتغيا الماء، فانطلقا فتلقيا امرأةً بين مُزادتين... فجاءا بها إلى النبي (ص)... ودعا النبي (ص) بإناء ففرّغ فيه من أفواه المزادتين، ونوديَ في الناس اسقوا فاستقوا... وإنه ليُخيّل إلينا أنها أشدّ ملأة منها حين ابتدأ فيها".
وقال النبي (ص): "اجمعوا لها فجمعوا لها... حتى جمعوا لها طعامًا فجعلوه في ثوب وحملوها على بعيرها... قال لها: تعلمين ما رَزِئنا من مائكِ شيئًا ولكن اللّٰه هو الذي أسقانا... إلى آخر الحديث". [٭]: البخاري، التيمم ٦، المناقب ٢٥؛ مسلم، المساجد ٣١٢.
المثال الثامن: روى ابین خزيمة حديیثَ "عمر رضي اللّٰه عنه في جيش العُسیرة، وذكر ما أصیابهم من العطش حتى إن الرجل لينحُر بعيیرَه فيعصِر فَرْثَه فيشیرَبُه، فرغب أبیو بكر رضي اللّٰه عنه إلى النبي (ص) في الدعیاء. فرفع يديیه فلم يُرجعهما حتى قالت [٭]: (قالت): غيّمت. (رديفه): راكب خلفه. (ذي المجاز): سوق عند عرفة. السیماء فیانسكبت فیمیلأوا میا میعهیم مین آنیيیة ولم تیجیاوز العیسیكر". [٭]: ابن خزيمة، الصحيح ١/٥٣؛ ابن حبان، الصحيح ٤/٢٢٣؛ البزار، المسند ١/٣٣١؛ الحاكم، المستدرك ١/٢٦٣.
فهذه معجزة أحمدية محضة لا دخل للمصادفة فيها قط.
المثال التاسع: عن عمرو بن شُعيب (حفيد عبد اللّٰه بن عمرو بن العاص) الذي وثّقه
— 158 —
الأئمةُ الأربعة من أصحاب السنن في تخريجه الأحاديثَ: "أن أبا طالب قال للنبي (ص) وهو رَديفُه بذي المجاز: عطشتُ وليس عندي ماء. فنیزل النبي (ص) وضرب بقدمه الأرضَ فخرج الماء، فقال اشرب". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٢٩٠؛ وانظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٥٢، ١٥٣؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٦٦/٣٠٨؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٣/٣١٢.
قال أحد العلماء المحققين: هذه الحادثة كانت قبل النبوة، لذا فهي من الإرهاصات. وتفجُّرُ عينِ عرَفَة بعد مضي ألف سنة يُعدّ من الإكرامات الإلیهية للرسول الكريم (ص).
وهكذا فالمعجزات المتعلقة بالماء، وإن لم تبلغ تسعين مثالًا من أمثال هذه التسعة إلّا أنها رويتْ بتسعين وجهًا.
والأمثلة السبعةُ الأولى قويةٌ، وقطعية، كالتواتر المعنوي. أما المثالان الأخيران - وإن لم تكن طُرقهما قويةً ومتعددة ورواتهما كثيرة إلّا أن أصحابَ الحديث كالإمام البيهقي والحاكم روَوا عن عمر رضي اللّٰه عنه معجزةً ثانية حول السحاب تأييدًا للمعجزة في المثال الثامن التي رواها سيدنا عمر. والرواية هي أنه: "أصاب الناس في بعض مغازيه (ص) عطشٌ فسأله عمر الدعاء، فدعا، فجاءت سحابةٌ فسقَتهم حاجتَهم ثم أقلعتْ" [٭]: ابن خزيمة، الصحيح ١/٥٣؛ ابن حبان، الصحيح ٤/٢٢٣؛ الحاكم، المستدرك ١/٢٦٣؛ البيهقي، السنن الكبرى ٩/٣٥٧. وكأن السحاب كان مأمورًا لأن يروي الجيش وحده -حيث أمطر حسب الحاجة- فكما تؤيد هذه الحادثةُ المثالَ الثامن وتقويّه، وتبينه رواية ثابتة قاطعة. فإن ابن الجوزي -الذي يتشدد ويردّ حتى بعضَ الأحاديث الصحيحة ويجعلها في عداد الموضوعات- يقول: إن هذه الحادثة وقعت في غزوة بدر ونزلت في حقها الآية الكريمة:
﴿ ويُنزِّلُ عَليكُم مِن السّماء ماء لِيُطَهّركُم بِه ﴾
(الأنفال: ١١).
فما دامت هذه الآية قد نزلت في حقها وبيَّنتها بوضوح، فلاشك إذن في وقوعها.
وقد تكرر كثيرًا نزولُ المطر بدعاء النبي (ص) قبل أن تنزل يداه المرفوعتان وهي معجزة مستقلة بحد ذاتها. وقد استسقى النبي (ص) أحيانًا وهو على المنبر، ونزلت الأمطار قبل أن يخفض يدَه. وقد ثبت هذا عن طريق متواتر.