— 127 —
الأساس السادس
إنَّ أحوال الرسول (ص) وأوصافه قد بُيّنت على شكل سيرة وتاريخ. إلّا أن أغلب تلك الأحوال والأوصاف تعكس بشريَّته فحسب، إذ إن الشخصية المعنوية لتلك الذات النبوية المباركة رفيعةٌ جدًّا وماهيتُه المقدسة نورانيةٌ إلى حدّ لا يرقى ما ذُكر في التاريخ والسيرة من أوصاف وأحوال إلى ذلك المقام السامي والدرجة الرفيعة العالية، لأنه (ص) في ضوء قاعدة "السبب كالفاعل" [٭]: قاعدة مستنبطة من معنى الحديث الشريف: "من دلّ على الخير فله مثل أجر فاعله". مسلم، الأمارة ١٣٣؛ كشف الخفاء١/٣٩٩. تضاف يوميًّا، حتى الآن، إلى صحيفة كمالاته عبادةٌ عظيمة بقدر عبادات أمته بأكملها. وكما ينال باستعداد غير متناه نفحاتِ الرحمة الإلهية غير المتناهية بشكل غير متناهٍ وبقدرةٍ غير متناهية، كذلك ينال يوميًّا دعاءً غير محدود ممن لا يُحدّ من أمته.
هذا النبي المبارك (ص) الذي هو أَنبلُ نتائج الكائنات وأَكملُ ثمراتها والمبلِّغ عن خالق الكون، وحبيبُ رب العالمين، لا تبلغ أحوالُه وأطوارُهُ البشرية التي ذكرَتْها كتبُ السيرة والتاريخ الإحاطةَ بماهيته الكاملة ولا تصل إلى حقيقة كمالاته. فأنّى لهذه الشخصية المباركة الذي كان كلٌّ من جبرائيل وميكائيل مرافقين أمينين [٭]: انظر: الواقدي، كتاب المغازي ١/٧٨؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٢٠/٣٢١؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ٤/١٩٤-١٩٥. له في غزوة بدر أن تنحصر في حالة ظاهرية أو أن تُظهرها بجلاء حادثةٌ بشرية كالتي وقعت مع صاحب الفرس الذي ابتاع (ص) الفرسَ منه ولكنه أنكر هذا البيع وطلب من الرسول الكريم شاهدًا يصدّقه فتقدَّم الصحابي الجليل "خُزيمة" بالشهادة له. [٭]: عن عمارة بن خزيمة: "أن عمه حدثه وكان من أصحاب النبي (ص) أنه ابتاع فرسًا من أعرابي، فاستتبعه النبي (ص) ليقضيه ثمن فرسه، فأسرع النبي (ص) المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي فيساومونه بالفرس لا يشعرون أن النبي (ص) ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي (ص)، فقال إن كنت مبتاعًا هذا الفرس فابتعه وإلّا بعته. فقال النبي (ص) حين سمع نداء الأعرابي: أوَليس قد ابتعته منك؟ قال الأعرابي: لا واللّٰه ما بعتك، فقال النبي (ص) بلى قد ابتعته، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدًا، قال خزيمة: أنا أشهد أنك قد ابتعته، فأقبل النبي (ص) على خزيمة فقال: بِمَ تشهد؟ فقال: بتصديقك يا رسول اللّٰه، فجعل شهادة خزيمة شهادة رجلين". رواه أبو داود، الأقضية ٢٠؛ والنسائي، البيوع ٨١؛ وأحمد، المسند ٥/٢١٥-٢١٦.
فلئلا يقع أحدٌ في غائلة الخطأ يلزم مَن يسمع أوصافَه (ص) البشرية الاعتيادية أن يرفع بصرَه دومًا عاليًا لينظر إلى ماهيته الحقيقية، وإلى شخصيته المعنوية النورانية الشامخة في قمة مرتیبیة الرسالة، وإلّا أساءَ الأدبَ، ووقع في الشبهة والوهم.
— 128 —
ولإيضاح هذه المسألة تأمل في هذا المثال:
نواةٌ للتمر وُضعت تحت التراب فانفلقتْ عن نخلة مثمرة باسقة، وهي في توسع ونمو مطّرد، أو بيضةٌ للطاووس فَقَسَتْ عن فرخ الطاووس بعدما سُلّطت عليها الحرارة، وكلّما نما وكبُر أصبح أجملَ وأزهى، بما زيّن قلمُ القدرة على كل جهاته من نقوشٍ بديعة رائعة.
فهناك صفاتٌ وحالات خاصة تعود لكلٍّ من تلك النواة ولتلك البيضة، ويحوي كلٌّ منهما موادَ دقيقة لطيفة جدًّا. والنخلةُ والطاووس كذلك لهما صفاتٌ عالية وكيفيات وأوضاعٌ راقية بالنسبة لصفات البذرة والبيضة. فعندما تُربَط أوصافُ النواة والبيضة بأوصاف النخل والطير وتُذكران معًا، يلزم أن يرفع العقلُ الإنساني بصرَه عن النواة إلى النخلة وينظر إليها، وأن يتوجه من البيضة إلى الطاووس ويُمعن فيه، كي يقبل تلك الأوصاف التي يسمعها. وبخلافه ينساق إلى التكذيب حين يسمعُ أحدُهم يقول: "لقد أخذتُ طنًا من التمر من حفنة من النوى، أو هذه البيضة هي سلطان الطيور".
وهكذا فإن بشريةَ الرسول الأكرم (ص) تشبه تلك النواة أو البيضة "في المثال". وماهيتُه المشعّة بمهمة الرسالة مثَلُها كمثل شجرة طوبى الجنة وطير الجنة في سموّ ورقي.
لذا في الوقت الذي نفكّر في النیزاع الذي حصل في السوق مع البدوي، يلزم أن نرفع عينَ الخيال عاليًا ونتصوّر الذات النورانية الممتطية الرفرف "البُراق" والمنطلقة سعيًا إلى قاب قوسين أو أدنى، تاركةً خلفها جبريل عليه السلام . وإلّا فإن النفس الأمارة بالسوء إما ستُسيءُ الأَدبَ وتنحطّ إلى درك قلة التوقير والاحترام، أو تزلّ قدماها إلى عدم التصديق.
الإشارة البليغة الخامسة
وهي تخص الحوادث المتعلقة بأمور غيبية، نذكر منها بضعة أمثلة:
المثال الأول: قال رسول اللّٰه (ص) في خطبةٍ بين جمْعٍ من الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم، ونُقل إلينا الحديثُ نقلا صحيحًا ومتواترًا: "إنَّ ابني هذا سَيّدٌ ولَعلَّ اللّٰه أنْ يُصلحَ به بين فِئَتين من المسلمين" [٭]: البخاري، الصلح ٩؛ الترمذي، المناقب ٣٠؛ أبو داود ١٢-١٣. وفي رواية "عظيمتين". وبعد مرور أربعين سنة التقى جيشان
— 129 —
عظيمان للمسلمين، فصالح الحسنُ معاويةَ رضى اللّٰه عنهما، وصدَّق بهذا الصلح المعجزةَ الغيبية لجَدِّه الأمجد (ص).
المثال الثاني: ثبت بنقل صحيح أنَّه (ص) قال لعلي رضي اللّٰه عنه: ستُقاتل الناكثين [٭]: (الناكثين): الذين نكثوا البيعة. (القاسطين): وهم الخوارج الذين مرقوا من الدين. والقاسطين والمارقين. [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/١٥٠. وانظر: البزار، المسند ٢/٢١٥، ٣/٢٧؛ أبو يعلى، المسند ١/٣٩٧، ٣/١٩٤؛ الطبراني، المعجم الكبير ٤/١٧٢، ١٠/٩١. فأخبر عن وقعة الجمل وصفين وعن الخوارج.
وقال (ص) للزبير: "لتقاتلُنَّه وأنت ظالمٌ له" [٭]: انظر: ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٥٤٥؛ أبو يعلى، المسند ٢/٢٩؛ الحاكم، المستدرك ٣/٤١٣. عندما رآه وعليًا يتحابّان.
وقال (ص) لأزواجه الطاهرات: "كيف بإحداكُن تنبح عليها كلابُ الحَوأب" [٭]: (حوأب): قرية فيها الماء في طريق الذاهب من المدينة إلى البصرة.
"يُقتَل عن يمينها وعن يسارها قتلى كثيرة..". [٭]: انظر: ابن حبان، الصحيح ١٥/١٢٦؛ الحاكم، المستدرك ٣/١٢٩؛ أحمد بن حنبل، المسن ٦/٥٢.
وبعد ثلاثين سنة تحققت هذه الأحاديثُ الصحيحة فعلًا، وذلك في وقعة الجمل التي جرت بين عليّ وعائشة ومعها الطلحة والزبير رضي اللّٰه عنهم أجمعين، كما تحققت في وقعة صفّين التي جرت بين علي ومعاوية رضي اللّٰه عنهما، وقد تحققت في وقعة حروراء و نهروان التي كانت بين عليّ رضي اللّٰه عنه والخوارج.
وأخبر (ص) عليًا عن الذي يقتله فقال: "الذي يضربك يا عليّ على هذه حتى تبلّ منها هذه" [٭]: انظر: النسائي، السنن ٥/١٥٣؛ الحاكم، المستدرك ٣/١٥١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٢٦٣. وانظر المجمع ٩/١٣٨. أي تبلّ لحيته من دم رأسهِ وكان عليّ يعرفه، وهو عبدالرحمن بن ملجم الخارجي. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/٩٢؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٥/٤٣٧.
وأخبر كذلك عن ذي الثُدية بعلامةٍ فارقة فيه، أنه سيكون بين قتلى الخوارج وفعلًا كان ذو الثدية فيهم وهو "رجل أسود إحدى عضديه مثلَ ثدي المرأة" فجعله عليٌّ حجةً على أنه المُحِقُّ، وأعلن عن معجزة الرسول الأكرم (ص). [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٢٥؛ مسلم، الزكاة ١٤٨؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٣.
وأخبر (ص) برواية صحيحة عن أم سلمة وغيرها: أن الحسين يُقتَل بالطَّف [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/١٩٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٣/١٠٧. أي في كربلاء. وبعد خمسين سنة وقعت تلك الفاجعةُ الأليمة، فصدَّقت ذلك الإخبار الغيبي.
— 130 —
وأخبر مكررًا (ص): "إن أهلَ بيتي سيَلقون بعدي من أمتي قتلًا وتشريدًا"، [٭]: الحاكم، المستدرك ٤/٥٣٤؛ ابن حجر الهيثمي، الصواعق المحرقة ٢/٥٢٧، ٦٥٨؛ وانظر ابن ماجه، الفتن ٣٤؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٥٢٧. فكان كما أخبر.
هنا يرد سؤال مهم:
يُقال: إن عليًا رضي اللّٰه عنه كان أحرى بالخلافة وأولى بها، فهو ذو قرابة مع النبي (ص)، وذو شجاعة نادرة خارقة، وذو علم غزير.. فلماذا لم يُقدِّموه في الخلافة؟ ولماذا اضطربت أحوالُ المسلمين في عهده؟.
الجواب: لقد قال قطبٌ عظيم من آل البيت: كان الرسول (ص) قد تمنّى أن يكون عليّ هو الخليفة، ولكن أُعلِم من الغيب أنّ إرادةَ اللّٰه غيرُ هذا، فتخلى عن رغبته تبعًا لما يريده اللّٰه سبحانه وتعالى. [٭]: انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١١/٢١٣؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٤٥/٣٢٢.
وفيما يأتي حكمةٌ واحدة مما تنطوي عليه إرادةُ اللّٰه تعالى في هذا الأمر:
كان الصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين أحوجَ إلى الاتفاق والاتحاد بعدما ارتحل النبي (ص) إلى الرفيق الأعلى، فلو كان عليّ رضي اللّٰه عنه قد تولّى الخلافة، لكان هناك احتمالٌ قوي أن تثير أطوارُه المتّسمة بعدم مسايرة الآخرين واستقلالية آرائه مع زهده الشیديد وبسالته النادرة واستغنائه عن الناس، فضلًا عن شجاعته الفائقة، فتحرِّك -هذه المزايا- عرقَ المنافسة لدى كثير من الأشخاص والقبائل، فتنجم الفرقةُ بين صفوف المسلمين، مثلما حدثَ في عهد خلافته من حوادث وفتن.
أما سببُ تأخر خلافة عليّ رضي اللّٰه عنه فإن أحدَ أسبابه هو ما يأتي:
لقد هبّت أعاصيرُ الفتن في أوساط أمةِ الإسلام التي تضم أقوامًا متباينةً في الفكر والتي يحمل كلٌّ منها بذورَ الفرقة إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة، مثلما أخبر بذلك الرسول (ص)، [٭]: انظر: الترمذي، الإيمان ١٨؛ أبو داود، السنة ١؛ ابن ماجه، الفتن ١٧؛ الدارمي، السير ٧٥. فكان ينبغي وجودَ شخصيةٍ قوية فذّة، مهيبةِ الجانب، ذاتَ شجاعة فائقة وفراسة نافذة ونسَبٍ عريق
— 131 —
أصيل من أهل البيت ومن بني هاشم، كي يَثبُت أمامَ هذه الفتن. فمثلُ هذه الشخصية الفذة، كانت تتمثل في عليّ رضي اللّٰه عنه، فثبتَ فعلًا أمام تلك الأعاصير الهوجاء.. ولقد أخبره الرسول (ص) بذلك أنه سيحاربُ في سبيل تأويل القرآن كما حارب هو (ص) في سبيل نیزوله. [٭]: انظر: الديلمي، المسند ١/٤٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣١، ٨٢؛ النسائي، السنن الكبرى ٥/١٥٤. ثم إنه لولا علي رضي اللّٰه عنه لربما كانت سلطنةُ الدنيا تعصف بالأمويين وتفتنهم كليًا، وتزلّهم عن الصراط السوي، ولكن لأنهم كانوا يرون إزاءهم عليًا وآل البيت، فقد حاولوا أن يبلغوا شأوهم ويوازوهم في مكانتِهم لئلا يفقدوا منیزلتهم في نظر الأمة، فاضطر أغلبُ رؤساء الدولة الأموية إلى حضّ أتباعِهم على القيام بحفظ حقائق الإيمان ونشرها وصيانةِ أحكام القرآن والإسلام رغم أنهم لم يفعلوا شيئًا بأنفسهم، لذا نشأتْ في ظِل دولتهم مئاتُ الألوف من العلماء المحققين المجتهدين وأئمةِ الحديث والأولياءِ الصالحين والأصفياءِ والعاملين، فلولا كمالاتٌ يتصف بها آلُ البيت وصلاحُهم وولايتُهم للّٰه لزلّ الأمويون وابتعدوا كليًا عن طريق الصواب، كما آلَ إليه أمرُهم في أواخر أيامهم، وكما حدث في أواخر أيام العباسيين.
وإذا قيل: لماذا لم تستقر الخلافةُ في آل البيت، علمًا أَنهم كانوا أَحقَّ بها؟
الجواب: إن سلطنة الدنيا خدّاعة، بينما أهلُ البيت مكلَّفون بالحفاظ على حقائق الإسلام وأحكام القرآن. وينبغي لمن يتسلّم زمام الخلافة ألّا تغرّه الدنيا، كأن يكون معصومًا كالنبي، أو يكون عظيمَ التقوى عظيمَ الزهد كالخلفاء الراشدين وعمر بن عبد العزيز والمهدي العباسي لئلا يغترّ. فسلطنةُ الدنيا لا تصلُح لآل البيت، إذ تُنسيهم وظيفَتهم الأساس؛ وهي المحافظة على الدين وخدمة الإسلام. وخلافة الدولة الفاطمية التي قامت باسم آل البيت في مصر، وحكومةُ الموحدين في أفريقيا، والدولة الصفَوية في إيران، كلٌّ منها غدت حُجةً على أن سلطنةَ الدنيا لا تصلُح لآل البيت. بينما نراهم متى ما تركوا السلطنة، فقد سعوا سعيًا حثيثًا وبذلوا جهدًا منقطعَ النظير في خدمة الإسلام ورفع راية القرآن.
فإن شئتَ فتأمل في الأقطاب الذين أتوا من سلالة الحسن رضي اللّٰه عنه، ولاسيما الأقطاب الأربعة، وبخاصة الشيخ الكيلاني. وإن شئت فتأمل في الأئمة الذين جاءوا من سلالة الحسين رضي اللّٰه عنه، ولاسيما زين العابدين و جعفر الصادق وأمثالهم.. فكلٌّ من
— 132 —
هؤلاء قد أصبح بمثابة مهديّ معنوي، بدّدوا الظلم والظلمات المعنوية بنشرهم أنوارَ القرآن وحقائق الإيمان، وأثبتوا حقًا أنهم وارثو جدّهم الأمجد عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم.
فإن قيل: ما حكمةُ تلك الفتنة الدموية الرهيبة التي أصابت الأمةَ الإسلامية في عصر الراشدين وخيرِ القرون، حيث لا يليقُ بأولئك الأبرار القهرُ ونیزولُ المصائب وأين يكمن وجهُ الرحمة الإلهية فيها؟
الجواب: كما أن الأمطار الغزيرة المصحوبةَ بالعواصف في الربيع تثير كوامنَ قابليات كلِّ طائفة من طوائف النباتات وتكشفها فتنثر البذورَ وتُطلق النوى، فتتفتح أزهارُها الخاصة بها، ويتسلم كلٌّ منها مهمتَه الفطرية، كذلك الفتنةُ التي ابتلي بها الصحابةُ الكرام والتابعون رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، أثارت بذورَ مواهبهم المختلفة، وحفّزت نُوى قابلياتِهم المتنوعة، فأنذَرتْ كلَّ طائفةٍ منهم وأَخافَتهم من أن الخطر مُحدِقٌ بالإسلام، وأن النار ستنشب في صفوف المسلمين؛ مما جعل كلَّ طائفةٍ تهرع إلى حفظ الدين والذودِ عن حياض الإيمان، فأخذ كلٌّ منهم على عهدته مهمةً من مهمات حفظ الإيمان وجمعِ شمل الإسلام، كلٌّ حسب قابليته، فانطلق بكلِّ جدٍّ وإخلاص في هذه السبيل. فمنهم من قام بحفظ الحديث النبوي الشريف، ومنهم من قام بحفظ فقه الشريعة الغراء، ومنهم من قام بحفظ العقائد والحقائق الإيمانية، ومنهم من قام بحفظ القرآن الكريم.. وهكذا انضوت كلُّ طائفةٍ تحت مهمةٍ وواجب من الواجبات التي يفرضها حفظُ الإيمان وصيانةُ الإسلام، وسَعَتْ في سبيل أداء مهمّتها سعيًا حثيثًا، فتفتحتْ من البذور التي نشرَتها تلك الأعاصيرُ الهوجاء العنيفة في الأرجاء، زهورٌ بهيجةٌ بألوان زاهية شتى في عالم الإسلام، حتى غدا العالمُ الإسلامي رياضًا يانعةً بالورود والرياحين. إلّا أنه -للأسف- ظهرت بين تلك الرياض البديعة أشواكُ أهل البدع أيضًا. وكأن يدَ القدرة الإلهية قد خضَّتْ ذلك العصر بجلال وهَيبة، وأدارته بشدة وعنف، فأَثارت الهِمَم وألهَبت المشاعرَ لدى أهل الهمة والغيرة، فبعثت تلك الحركةُ المنطلقة عن المركز؛ كثيرًا من أئمة المجتهدين والمحدّثين والحفاظ والأصفياء والأقطاب الأولياء إلى أنحاء العالم الإسلامي وأَلجأَتْهم إلى الهجرة. وهيّجت المسلمين شرقًا وغربًا وفتَحت بصيرتَهم ليغنموا من كنوز القرآن وخزائنه. والآن لنرجع إلى ما نحن بصدده.
— 133 —
إن ما أخبر عنه الرسول (ص) من أمور الغيب ووقع فعلًا كما أخبر، يبلغ الألوفَ بل يزيد، إلّا أننا نشير إلى أمثلةٍ منها فقط، تلك التي اتفق على صحتها أصحابُ الكتب الستة الصحيحة، وفي مقدمتهم "البخاري" و "مسلم"، حتى إن كثيرًا منها نقلت نقلًا متواترًا من حيث المعنى، واتفق العلماء وأهل التحقيق على صحة بعضها أنه بمثابة التواتر الصريح.
".. خرَّج أهلُ الصحيح والأئمة: ما أعلَمَ به (ص) أصحابَه مما وعَدهم به من الظهور على أعدائه وفتح مكة [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤٨٤، ٤/٦٧؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٦١؛ الطبراني، المعجم الكبير ٧/٣٠٧. وبيت المقدس [٭]: انظر: البخاري، الجزية ١٥؛ ابن ماجه، الفتن ٢٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٦/٢٢، ٢٥، ٢٧. و اليمن و الشام و العراق.. [٭]: انظر: البخاري، فضائل المدينة ٥؛ مسلم، الحج ٤٩٦، ٤٩٧. وتُفتح خيبر [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ١٠٢؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤. وأخبر عن "قسمَتِهم كنوزَ كسرى و قيصر" [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ١٥٧؛ مسلم، الفتن ٧٥، ٧٨. أكبر دولتين في العالم في ذلك العهد. ثم إنه (ص) حينما كان يخبر بهذا الخبر الغيبي لم يقُل: أظن، أحسب، ربما.. وإنما أخبر عن عِلم يقيني كأنه واقع يراه.. وقد وقع كما أخبر، علمًا أنه عندما أخبر بهذا الخبر كان مأمورًا بالهجرة، وأصحابُه قليلون، والعالم كلُّه ومَن حول المدينة أعداءٌ يحدقون من كل جانب.
وفي رواية صحيحة، أخبر الرسول (ص) مرارًا: "اقتدوا باللذَين من بعدي أبي بكر وعمر". [٭]: انظر: الترمذي، المناقب ١٦، ٣٤؛ ابن ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٣٨٢. فأفاد بهذا أن أبا بكر وعمر سيعمّران بعده، وسيكونان خليفتين، وسيؤديان الخلافة حقَّها كاملا بما يرضي اللّٰه سبحانه ورسوله. [٭]: انظر: المناوي، فيض القدير ٢/٥٦؛ ابن عبد البر، التمهيد ٢٢/١٢٦. ثم إن أبا بكر سيتولى الخلافة لفترة قصيرة، بينما عمر سيتولاها لمدة أطول، فضلًا عن أنه سيقوم بكثير من الفتوحات.
وقال الرسول (ص): "إن اللّٰه زَوى ليَ الأرضَ فرأيتُ مشارقها ومغاربها وأن أمتي سيبلُغ مُلكها ما زُوي لي منها"، [٭]: انظر: مسلم، الفتن ١٩؛ الترمذي، الفتن ١٤؛ أبو داود، الفتن ١. وكان كما قال.
وأخبر (ص) قبل غزوة بدر -في رواية صحيحة- [٭]: انظر: مسلم، الجنة ٧٦ ، الجهاد ٨٣؛ أبو داود، الجهاد ١١٥؛ النسائي، الجنائز ١١٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٦، ٣/٢١٩، ٢٥٧. عن مصارع الكفار في بدر وأشار إلى
— 134 —
محالّ قتلهم ومصارعِ رؤسائهم: هذا مصرعُ أبي جهل، هذا مصرعُ عتبة، وهذا مصرع أميّة، هذا مصرع فلان وفلان "وأعلَمَ بأنه سيقتُل أُبيّ بن خلف"، [٭]: انظر: ابن إسحاق، السيرة ٣/٣١٠؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٤/٣٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/٤٦. وكان كما أعلَمَ.
وثبت في الصحيح أنه قال كمن يشاهد أصحابَه وينظر إليهم في غزوة مؤتة، وهي على بُعدِ مسيرة شهر من حدود الشام: "أخذ الرايةَ زيدٌ فأُصيب ثم أخذها جعفرُ فأُصيب ثم أخذها ابن رواحة فأُصيب، وعيناه تذرفان.. حتى أخذ الراية سيفٌ من سيوف اللّٰه حتى فتح اللّٰه عليهم"، [٭]: انظر: البخاري، الجنائز ٤، الجهاد ٧، ٧٧؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١١٣. وبعد مرور بضعةِ أسابيع عاد يعلى بن مُنبّه من ساحة المعركة، وقبل أن يُخبر عمّا جرى هناك بيّن رسولُ اللّٰه (ص) ما دار في المعركة مفصلًا. فأقسَم يعلى، وقال: "والذي بعثك بالحق ما تركتَ من حديثهم حرفًا واحدًا". [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ٤/٣٦٥؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٢/١٢؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٢٤٧.
وفي رواية صحيحة أنه (ص) أخبر عن أن الخلافةَ بعده ثلاثون عامًا ثم تصيرُ مُلكًا عَضوضًا؛ [٭]: انظر: الترمذي، الفتن ٤٨؛ أبو داود، السنة ٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٢٠؛ وانظر ابن كثير، تفسير القرآن العظيم ٣/٣٠٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٨/٧٧. "وأن هذا الأمر بدأ نبوةً ورحمةً، ثم يكون رحمةً وخلافةً، ثم يكون ملكًا عضوضًا، ثم يكون عتوًا وجبروتًا وفسادًا في الأمة"، [٭]: الطيالسي، المسند ٣١؛ البزار، المسند ٤/١٠٨؛ أبو يعلى، المسند ٢/١٧٧. فأخبر (ص) عن مدة الخلافة الراشدة وهي؛ ثلاثون سنة، وتكمُل هذه المدة بالأشهر الستة لخلافة الحسن رضي اللّٰه عنه، ثم تتعاقب السلطنة والجبروت وفساد الأمة، وفعلًا تحقق مثلما قال.
وثبت برواية صحيحة أنَّ سيدنا عثمان رضي اللّٰه عنه يُقتَل وهو يقرأ المصحف، [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/١١٠؛ الديلمي، الفردوس ٥/٣١٣.
وأن الرسول (ص) قد قال: "إنَّ اللّٰه عسى أنْ يلبسه قميصًا وأنهم يريدون خَلعه" [٭]: انظر: الترمذي، المناقب ١٨؛ ابن ماجه، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٦/٧٥، ٨٦، ١١٤، ١٤٩؛ الحاكم، المستدرك ٣/١١٠. فكان كما قال.
وفي رواية صحيحة أخرى أنه؛ عندما احتجم الرسولُ (ص) شَرب عبد اللّٰه بن الزبير دمَه الطاهر تبركًا، ولم يسكُبه فقال له: "ويلٌ للناس منك وويلٌ لك من الناس" [٭]: انظر: الدارقطني، السنن ١/٢٢٨؛ الحاكم، المستدرك ٣/٦٣٨؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ١/٣٣٠. فأخبر بأن عبد اللّٰه سيتولى أمرَ الناس بشجاعةٍ فائقة، وسيكونُ هدفًا لهجوم عنيف وستنیزل بالناس بسببه
— 135 —
نوائبُ ومصائبُ. وفعلا وقع كما قال؛ حيث أعلن عبد اللّٰه بن الزبير الخلافةَ في مكة في عهد الأمويين وحاصرَه الحجاج بن يوسف الظالم بجيش عظيم في مكة، وبعد قتالٍ عنيف وبسالة نادرة ومعارك دامية سقط شهيدًا. [٭]: انظر: الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٣/٥٣٨؛ ابن حبان، الثقات، ٢/٣١٦؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٢٨/٢٣١.
وأخبر (ص) "بمُلْك بني أمية" [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٨٠؛ أبو يعلى، المسند ٢/٣٨٣، ١١/٤٠٢؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٢/٢٣٦، ١٩/٣٨. أي بظهور الدولة الأموية "وولاية معاوية، ووصّاه" لما قال له: إذا ملكتَ فاسجَح أو فانصح [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٠١؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٢٠٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٩/٣٦١؛ أبو يعلى، المسند ١٣/٣٧٠. وسيكون ملوكُها ورؤساؤها ظَلمة، [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٨٥، ٥٢٢؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٤٦/٣٦. وسيظهر منهم أشخاصٌ أمثال يزيد [٭]: انظر: أبو يعلى المسند ٢/١٧٦؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٦٣/٣٣٦، ٦٥/٢٥٠، ٦٨/٤١. والوليد. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/١٨؛ الحاكم، المستدرك ٤/٥٣٩؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٠٥.
كما أخبر (ص) عن "خروج وَلد العباس بالرايات السُّود ومُلْكِهم أضعافَ ما مَلكوا" [٭]: انظر: القاضي عياض، الشفا ٣٣٨؛ نعيم بن حماد، الفتن ١/٢٠٣؛ أحمد بن حنبل، فضائل الصحابة ٢/٩٤٧. من أنَّ الدولة العباسية ستظهر بعد الأمويين، وسيظلون في الحكم مدة أطول. وتحقق كل ذلك فعلًا كما أخبر (ص).
وثبت في الصحيح أنه قال: "ويلٌ للعرب من شرٍّ قد اقتَرب" [٭]: انظر: البخاري، الفتن ٤؛ مسلم، الفتن ١-٢. فأخبر بفتن جنكيزخان وهولاكو، وتدميرهم الدولة العباسية العربية، وقد تحقق فعلًا كما قال (ص).
وقال لسعد بن أبي وقاص في رواية صحيحة، حينما كان في مرض شديد: "لعلك تَخْلُفُ حتى ينتَفعَ بكَ أقوامٌ، ويستضرَّ بك آخرون" [٭]: انظر: البخاري، الفرائض ٦؛ مسلم، الوصية ٥. فأخبر (ص) أنه سيكون قائدًا عظيمًا، وسيفتح اللّٰه بيده بلدانًا وينتفعُ به أقوامٌ كثيرة بدخولهم حظيرة الإسلام، ويتضرر به آخرون حيث تنقرض دولتُهم. وقد كان كما قال؛ إذ أصبح سعد قائدًا للجيش الإسلامي ودمّر دولةَ الفرس وصار سببًا في دخول كثير من الأقوام والملل في حوزة الإسلام.
وثبت كذلك أنه (ص) "نعى النجاشي [٭]: انظر: البخاري، الجنائز ٦١؛ مسلم، الجنائز ٦٢، ٦٤. في اليوم الذي مات فيه"، في السنة السابعة من
— 136 —
الهجرة، وصلّى عليه، وبعد مرور أسبوع جاء الخبر بأنه توفي في اليوم الذي أخبر فيه الرسول (ص).
وقال (ص): "أُثبتْ فإنما عليك نبيٌ وصدّيقٌ وشهيد" [٭]: انظر: البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ٥، ٧؛ الترمذي، المناقب ١٨؛ أبو داود، السنة ٨. عندما كان (ص) مع صفوة من الصحابة الكرام على جبل أُحد -أو على حراء- [٭]: انظر: مسلم، فضائل الصحابة ٥٠؛ الترمذي، المناقب ١٨. واهتزّ الجبلُ من تحتهم، فأفاد أن عمر وعثمان وعلي سيستشهدون، فكان كما قال.
أيها الضعيفُ ويا من مات قلبُه ويا أيها الشقي!.
لعلك تقول إنَّ محمدًا (ص) كان عبقريًا، فعرف بعبقريته هذه الأمور الغيبية وتغمض عينَك عن حقيقة النبوة الساطعة كالشمس!.
أيها المسكين! إن ما سمعتَه ليس إلّا جزءا من خمسة عشر نوعًا من الأنواع الكلية لمعجزاته (ص) وقد علمتَ أنها جميعًا ثابتةٌ بروايات صحيحة وبتواتر معنوي. وأنت لم تسمع بعدُ إلّا نبذةً يسيرة مما يتعلق بالأمور الغيبية.. أفبعدَ ما يسمع الإنسان هذه المعجزات يقول لصاحبها: أنه عبقري يكشف المستقبل بفراسته؟.
هب أننا قلنا مثلك: أنه عبقري! أفيمكن أن تلتبس الرؤيةُ على مَن يملك مئات الأضعاف من الذكاء المقدس والعبقرية السامية؟ وهل يمكن لمثل هذه الشخصية السامية أن تهبط من سموّها الصادق فيخبر أخبارًا عارية عن الصحة؟ أليس جنونًا وبلاهةً ما بعدها بلاهة الإعراضُ عما تخبر به هذه العبقرية الفذة حول سعادة الدارين!؟.
الإشارة البليغة السادسة
ثبت أنه (ص) أخبر فاطمة: "إنكِ أولُ أهلي لحوقًا بي".. [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٢٥؛ مسلم، فضائل الصحابة ٩٩. أي أول من يموت بعده (ص) فيتبعه من أهل البيت. وبعد ستة أشهر وقع ما قال.
وثبت أيضًا أنه (ص): "أخبر أبا ذر رضي اللّٰه عنه بتطريده" أي من المدينة المنورة "وبعيشه وحدَه وبموته وحدَه"، [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/٥٢؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٢٠٤؛ ابن حبان، الثقات ٢/٩٤؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٨٤. وبعد عشرين سنة وقع الأمر كما أخبر.
— 137 —
وأيضًا أنه (ص) استيقظ من النوم في بيت أم حرام (خالة أنس بن مالك) فتبسم قائلًا: "ناسٌ من أمتي عرضوا عليّ غزاةً في سبيل اللّٰه يركبون ثَبجَ هذا البحر [٭]: (ثبج البحر): وسطه ومعظمه وقيل ظهره. ملوكًا على الأسرَّة، فقالت: ادع يا رسول اللّٰه أنْ أكون معهم، فدعا لها".
[٭]: انظر: البخاري، التعبير ١٢، الجهاد ٣، ٨، ٦٣، ٧٥، الاستئذان ٤١؛ مسلم، الإمارة ١٦٠-١٦١؛ الترمذي، الجهاد ١٥، أبو داود، الجهاد ٩؛ النسائي، الجهاد ٤٠؛ ابن ماجه، الجهاد ١٠؛ الدارمي، الجهاد ٢٨؛ الموطأ، الجهاد ٣٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٢٤٠، ٢٦٣ .
وبعد أربعين سنة اصطحبتْ زوجَها عُبادة بن الصامت لفتح قبرص وتوفيتْ هناك. وقبرُها الآن هناك معروف يزار.
وثبت أنه (ص) قال: "إن في ثقيف كذّابًا ومُبيرًا" فأخبر عن المختار المشهور الذي ادّعى النبوة، وسفّاك الدماء الحجاج الظالم الذي قتل مائة ألف نفس. [٭]: انظر: البخاري، التاريخ الكبير ٣/١٩١، ٧/١٥٧، ٨/٤١٦؛ الحميدي، المسند ١/١٥٦؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢٤/٨١. وانظر كذلك: مسلم، فضائل الصحابة ٢٢٩؛ الترمذي، الفتن ٤٤، المناقب ٧٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٢٦.
وثبت أيضًا أنه (ص) قال: "لتُفْتَحَنَّ القسطنطينية، فَلَنِعْمَ الأميرُ أميرُها ولنعمَ الجيشُ ذلك الجيش" [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٤/٣٣٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ٢/٣٨؛ الحاكم، المستدرك ٤/٤٦٨؛ البخاري، التاريخ الكبير ٢/٨١. فأفاد بهذا أنه ستُفتح مدينة إسطنبول بيد المسلمين، وسيكون لمحمد الفاتح مرتبة عالية: "نِعمَ الأمير". وظهر الأمر كما قال.
وثبت كذلك أنه (ص) قال: "إنَّ الدِّين لو كان منوطًا بالثُّريا لنالَه رجالٌ من أبناء فارس" [٭]: انظر: البخاري، تفسير سورة الجمعة ١؛ مسلم، فضائل الصحابة ٢٣٠، ٢٣١. مشيرًا إلى الذين أنجَبتهم بلاد فارس من العلماء والأولياء أمثال الإمام أبي حنيفة النعمان.
وقال (ص) أيضًا: "عالمُ قريش يَملأ طباق الأرض عِلمًا"، [٭]: انظر: الطيالسي، المسند ص٣٩؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٦/٢٩٥، ٩/٦٥؛ الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ٢/٦٠، ٦١؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٥١/٣٢٦. مشيرًا بذلك إلى الإمام الشافعي.
وأخبر (ص): "أن الأمة ستفترق إلى ثلاثٍ وسبعين فرقة وأن الناجية منها أهلُ السنة والجماعة". [٭]: انظر: الترمذي، الإيمان ١٨؛ الحاكم، المستدرك ١/٢١٨؛ وانظر كذلك: ابن ماجه، الفتن ١٧؛ أبو يعلى، المسند ٧/١٥٥؛ الطبراني، المعجم الأوسط ٨/٢٢.
— 138 —
وقال (ص): "القَدَرية مجوسُ هذه الأمة"، [٭]: انظر: أبو داود، السنة ١٦؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٨٦؛ البخاري، التاريخ الكبير ٢/٣٤١. مشيرًا بذلك إلى طائفة القدرية المنكرين للقَدر، وأعلمَ عن الرافضة والتي هي منقسمة إلى شعب وفرق كثيرة.
وكذا أخبر عن فِرقٍ كثيرة، إذ ثبت أنه قال لعليّ ما معناه: إن مثلَك مثلَ عيسى عليه السلام، ستكون سببًا في هلاك فئتين من الناس: إحداهما من فرط المحبة والأخرى من فرط العداوة. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/١٦٠؛ البخاري، التاريخ الكبير ٣/٢٨١؛ النسائي، السنن الكبرى ٥/١٣٧؛ البزار، المسند، ٣/١٢؛ أبو يعلى، المسند ١/٤٠٦. حيث أفرط النصارى في حُبَّ عيسى عليه السلام حتى تجاوزوا الحد المشروع فيهلكون وقالوا: إنه ابن اللّٰه -حاش للّٰه- واليهود أيضًا أفرطوا في العداوة له فأنكروا نبوته ومنیزلته الرفيعة. وكذلك سيفرط فريق من الناس في الحب لك ويتعدّون الحدّ المشروع فيهلكون، إذ قال (ص) في حقهم: "لهم نَبزٌ يُقال لهم الرافضة"، [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الأوسط ٦/٣٥٥؛ أبو نعيم، حلية الأولياء ٤/٣٢٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/١٠٣. وفريق آخر سيفرّطون في العداء لك وهم (الخوارج) وقسم من المغالين في موالاة الأمويين وهم (الناصبة).
فإن قيل: إنَّ القرآن الكريم يأمر بحب آل البيت، وقد حثّ النبي (ص) على ذلك، فلربما يشكّل هذا الحب عُذرًا، حيث إن أهلَ الحب أهل انتشاء وسكر -أي ذاهلون- فَلِمَ لا تَنتفع الشّيعةُ ولا سيما الرّافضة من هذا الحب ولا ينقذهم من العذاب، بل نرى العكس من ذلك فإنهم يُدانون من فرط الحب كما أشار إليه الحديث الشريف؟!.
الجواب: إن الحب قسمان
أحدهما: حُبٌّ (بالمعنى الحرفي) وهو حب عليّ والحسن والحسين وآل البيت محبةً للّٰه وللرسول وفي سبيلهما. فهذا الحب يزيد حبّ الرسول (ص) ويكون وسيلة لحب اللّٰه عز وجل. فهذا الحب مشروع، لا يضر إفراطُه، لأنه لا يتجاوز الحدود ولا يستدعي ذم الغير وعداوتَه.
وثانيهما: حُبٌّ (بالمعنى الإسمي) وهو حبُّهم حبًّا ذاتيًّا، ولأجلهم، أي حب عليّ من أجل شجاعته وكماله، وحب الحسن والحسين من أجل فضائلهما ومزاياهما الكاملة فحسب، من غير تذكّر للنبي (ص)، حتى إنّ منهم مَن يحبهم ولو لم يعرف اللّٰه ورسوله. فهذا الحب لا يكون وسيلةً لحب اللّٰه ورسوله. وإذا ما كان في هذا الحب إفراط فإنه سيُفضي إلى ذم الغير وعداوته.
— 139 —
وهكذا أفرط منهم -كما ذكر في الحديث الشريف- في الحب لعليّ وتبرأوا من أبي بكر وعمر، فوقعوا في خسارة عظيمة. فكان هذا الحبُّ السلبي -غير الإيجابي- سببًا لخسارتهم.
ونقل نقلا صحيحًا أنه (ص) حذّر الأمة من أنهم "إذا مشوا المُطَيطاء [٭]: (المطيطاء): مشية فيها مدّ اليدين والتبختر والخيلاء. وخَدَمَتْهم بناتُ فارس والروم ردَّ اللّٰه بأسَهُم بينهم وسلّط شِرارَهم على خِيارِهم". [٭]: انظر: الترمذي، الفتن ٧٤؛ ابن حبان، الصحيح ١٥/١١٢؛ الطبراني، المعجم الأوسط ١/٤٨، ٤/٥٣. وبعد ثلاثين سنة وقع الأمر كما قال.
وثبت كذلك أنه (ص) أعلَمَ أصحابه: "بفتح خيبر على يَدي عليّ". [٭]: انظر: البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ٩؛ مسلم، فضائل الصحابة ٣٤. وفي غد يومه وقعت المعجزةُ النبوية -فوق ما كان يُتوقع- فأخذ عليٌّ باب القلعة بيده وجعله ترسًا. ولما تم أمرُ الفتح رماه في الأرض، وكان الباب عظيمًا، حتى إنه لم يستطع ثمانية رجال -وفي رواية أربعون رجلًا- رفعَه من الأرض. [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٦/٨؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٤/٣٠٦؛ ابن عساكر، تاريخ دمشق ٤٢/١١٠؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/١٣٧.
وقال (ص): "لا تقومُ الساعةُ حتى تَقتَتِلَ فئتان عظيمتان دعواهُما واحدة" [٭]: البخاري، الاستتابة ٧، الفتن ٢٥؛ مسلم، الفتن ١٧. فأخبر عن الحرب التي وقعت في صفّين بين عليّ ومعاوية رضي اللّٰه عنهما.
ومما أخبر به (ص): "أن عمّارًا تَقتُلُه الفئةُ الباغية"، [٭]: إسحاق بن راهويه، المسند ٤/١١٠؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٩. وانظر: البخاري، الصلاة ٦٣، الجهاد ١٧؛ مسلم، الفتن ٧٢ ، ٧٣. وبعد ذلك قُتل في حرب صفّين. فاحتجّ عليٌّ به من أن الموالين لمعاوية هم الفئة الباغية، ولكن معاوية أوّل الحديث. وقال عمرو بن العاص: البغاةُ هم قاتلوه فقط، ولسنا جميعًا بغاة.
وقال (ص) أيضًا: "إن الفتنَ لا تَظهر ما دام عمرُ حيًا". [٭]: انظر: البخاري، الفتن ١٧؛ مسلم، الفتن ٢٦؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٣٩. فكان الأمر كما أخبر.
"ولما أُسِرَ سُهيل بن عمرو -قبل إسلامه- يوم بدر قال عمر: يا رسول اللّٰه إنه رجل مفوّه فَدَعني انتزع ثنيتيه السفليتين، فلا يقوم خطيبًا عليك بعد اليوم، فقال رسول اللّٰه (ص): "وعسى أن يقومَ مقامًا يَسرُّك يا عمر". فكان كذلك إذ حينما وقعت وفاةُ النبي (ص)، تلك
— 140 —
الحادثة العظمى التي كلَّ الصبرُ فيها، قام أبو بكر الصديق رضي اللّٰه عنه مُعزّيًا المسلمين في المدينة المنورة ومثبّتًا قلوبَ الصحابة فخَطب فيهم خطبةً بليغة. وقام سُهيل أيضًا في مكة المكرمة يحذو حذو أبي بكر، فألقى خطبة شبيهة بخطبة أبي بكر، حتى إن كلمات الخطبتين تواردت على معنى واحد. [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٣/٣١٨؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٣٦٧.
وقال الرسول (ص) لسُراقة: "كيف بك إذا أُلبستَ سوارَيْ كسرى" [٭]: ابن عبد البر، الاستيعاب ٢/٥٨١؛ ابن حجر، الإصابة ٣/٤١؛ وانظر البيهقي، السنن الكبرى ٦/٣٥٧؛ الشافعي، الأم ٤/١٥٧. وفي عهد عمر رضي اللّٰه عنه سقطت دولةُ كسرى وجاءت زينة كسرى وحليّه فألبسها عمرُ سراقةَ وقال: "الحمد للّٰه الذي سَلَبهما كِسرى وألْبَسهما سُراقةَ" [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٥/٩٠؛ الشافعي، الأم ٤/١٥٧؛ البيهقي ٦/٣٥٧. وصدّق ما أخبر به النبي (ص).
وقال أيضًا (ص): "إذا هَلكَ كسرى فلا كسرى بعدَه". [٭]: البخاري، الأيمان ٣؛ مسلم، الفتن ٧٥- ٧٨. فكان الأمر كما أخبر.
وأخبر (ص) رسولَ كسرى: "أن اللّٰه سلّط على كسرى ابنَه شهَرَوَيه فقَتَله في وقت كذا.." فلما حقق ذلك الرسول وقتَ مقتل كسرى، أيقنَ أن قتلَه كان في نفس الوقت الذي أخبر عنه (ص) فأسلمَ بسبب ذلك. [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ١/١٩١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٦٠؛ البيهقي، دلائل النبوة ٤/٣٩٠، ٣٩١. واسمُ ذلك الرسول "فيروز" كما ورد في بعض الروايات. [٭]: انظر: الماوردي، أعلام النبوة ١/١٥٤، ١٥٥؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٤٣؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧٠٠.
وأخبر عن كتاب حاطب بن أبي بلتعة الذي أرسله سرًا إلى كُفار قريش. فأرسل (ص) عليًا والمقداد رضي اللّٰه عنهما بأنّ في الموضع الفلاني جاريةً معها رسالة. فأْتُوني بها، فذهبا وأتيا بالرسالة في المكان الذي وصفَه الرسول (ص)، واستدعى حاطبًا وقال له: ما الذي حَمَلك على هذا؟ فأبدى عذرَه فقَبِل منه. [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ١٤١، المغازي ٤٦؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٦١. وهذه رواية صحيحة ثابتة.
وثبت أيضًا أنه (ص) قال في عتبة ابن أبي لهب: "يأكله كلبُ اللّٰه" [٭]: انظر: الحاكم، المستدرك ٢/٥٨٨؛ الطبري، جامع البيان ٢٧/٤١؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ٢١٩؛ المناوي، فيض القدير ٢/٣٩٥. فأخبر عن عاقبته المفجعة، وبعد مدة من الزمن ذهب عتبة متوجهًا نحو اليمن فجاءه سبعٌ وأكله. فصدّق دعاءه عليه.
— 141 —
ونُقل نقلا صحيحًا: "أن الرسول (ص) لما فتح مكة أمر بلالًا رضي اللّٰه عنه بأن يعلو ظهر الكعبة ويؤذّن عليها. و أبو سفيان بن حرب و عتاب بن أسيد والحارث بن هشام وهم رؤساء قريش جلوس في فناء الكعبة. فقال عتاب: لقد أكرم اللّٰه أسيدًا إذ لم ير هذا اليوم. وقال الحارث: أما وَجَد محمدٌ مؤذنًا غير هذا الغراب الأسود! قال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، ولو تكلمتُ لأخْبَرَتْه هذه الحصباء. فخرج عليهم النبي (ص) وقال: لقد علمتُ الذي قلتُم وذكرَ مقالتهم. فقال الحارث وعتاب: نشهدُ أنكَ رسولُ اللّٰه، ما اطّلع على هذا أحدٌ كان معنا فنقول به". [٭]: انظر: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٧٥، ٧٦؛ البغوي، معالم التنزيل ١/٣٤٧؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٣٠٣.
فيامن لا يؤمن بهذا النبي الكريم ويا أيها الملحد!
تأمّل في هذين العنيدين من رؤساء قريش كيف رأَيا نفسَيهما مضطرَّين إلى الإيمان، بما سَمِعاه من إخبارٍ غيبي واحد. فما أفسدَ قلبك وأنتَ تسمع ألوفَ المعجزات من أمثالها، وكلها ثابتة بطرق التواتر المعنوي ومع ذلك لا يطمئن قلبُك... فلنرجع إلى الصدد.
وثبت أيضًا أنه (ص) "أخبر بالمال الذي تركَه عمُّه العباس رضي اللّٰه عنه عند أم الفضل (زوجه) بعد أن كتَمه" فلما أُسر ببدر وطُلِبَ منه الفداء فقال: لا مال لي. فقال له (ص): "ما صنع المالُ الذي وضعتَه عند أم الفضل". فقال: "ما عَلِمَه غيري وغيرُها. فأسلَمَ". [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٥٣، الحاكم، المستدرك ٣/٣٦٦؛ البيهقي، السنن الكبرى ٦/٣٢٢؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/١٤.
وثبت أيضًا: أن الساحر الخبيث لبيد اليهودي عمل سحرًا ليؤذي النبي (ص) فشدّ الشَعر على مشط، ودسّه في بئر، فأمر الرسول الأكرم (ص) عليًا والصحابة؛ أن يذهبوا إلى البئر الفلانية ويأتوا بأدوات السحر، فذهبوا وأتوا بها، وكان كلّما انحلَّت منه عقدةٌ وَجَد الرسول (ص) شيئًا من الخفة. [٭]: أصل الحديث رواه البخاري ٥/٢١٧٤؛ مسلم ٤/١٧١٩.
وثبت أيضًا، أن الرسول الأكرم (ص) قال لجماعة فيها أبو هريرة وحذيفة: "ضرسُ أحدكم في النار مثلُ أُحد"، [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٤٢؛ السهيلي، الروض الأنف ٤/٣٥٥؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٢٧٨؛ ابن حجر، الاستيعاب ٢/٥٥٢. فأخبر عن رِدّة واحد من تلك الجماعة وبيّن عاقبته الوخيمة.
— 142 —
قال أبو هريرة: "فذهب القومُ -يعني ماتوا- وبقيتُ أنا ورجل (فخشيت)، فقُتِل مرتدًا يومَ اليَمامة". وظهرت حقيقة خبر النبي (ص).
وثبت أيضًا "بقضية عُمَير مع صفوان حين سارَّه وشارَطَه على قتل النبي (ص)" مقابل مبلغٍ عظيمٍ من المال "فلما جاء عُمير النبي (ص) قاصدًا لقتله، وأطْلَعَه رسولُ اللّٰه (ص) على الأمر والسر -ووضع يده على صدره- أسلم". [٭]: انظر: الطبراني، المعجم الكبير ١٧/٥٦-٦٢؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٢١٢-٣١٤؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/١٩٩-٢٠٠؛ البيهقي، دلائل النبوة ٣/١٤٧-١٤٨.
هذا وقد وقع كثيرٌ من أمثال هذه الإنباءات الغيبية الصادقة، وذكرتْها كتبُ الصحاح الستة المعروفة مع أسانيدها. وأغلب ما ذُكر في هذه الرسالة من الحوادث إنما هو في حكم المتواتر المعنوي، وهي قطعية الثبوت ويقينية، وقد نقلها البخاري ومسلم في صحيحَيهما اللذين هما أصح الكتب بعد القرآن الكريم، على ما هو عليه أهل العلم والتحقيق، علمًا أنها بُيّنَت في كتب السنن الصحيحة الأخرى كالترمذي والنسائي وأبي داود ومستدرك الحاكم ومسند أحمد بن حنبل ودلائل البيهقي مع أسانيدها.
فيا أيها الملحد الغافل! لا تلق الكلام جزافًا فتقول:
إنَّ محمدًا (ص) رجل عاقل ذكي! ثم تَدع الأمر هكذا وتنصرف، فهذه الأخبار الصادقة التي تمس الأمورَ الغيبية لا تخلو من أمرَين اثنين:
إما أنك تقول: أن هذا الرجل له نظرٌ ثاقب وعبقريةٌ واسعة جدًّا، أي له عينٌ بصيرة ترى الماضي والمستقبل معًا والعالمَ أجمع، فيعلم بها كلَّ شيء وكلَّ حادث، فأقطارُ الأرض والعالمُ كلُّه شرقًا وغربًا تحت نظر شهوده، وله من الدهاء العظيم ما يمكنه أن يكشف جميعَ أمور الماضي والمستقبل.! فهذه الحالة لا يمكن -كما ترى- أن تكون في بشر قط. وإذا ما وقعتْ في أي فردٍ فهو إذن خارق للعادة وله موهبة رفيعة منحها له ربُّ العالمين.. وهذا الأمر بحد ذاته معجزة عظمى.
أو ينبغي لك أن تؤمن بأن ذلك الشخص الكريم مأمور وتلميذ يتلقى الإرشاد والتعليمات ممن يرى كل شيء، وله القدرة بالتصرف في كل شيء في الكون كله والأزمان
— 143 —
جميعًا، فكل شيء مكتوب في لوحه المحفوظ، يعلّم منه تلميذَه ما شاء متى شاء. فثبت إذن أن محمدًا (ص) يتلقى الدرسَ من معلمه الأزلي سبحانه ويبلّغه كذلك.
وثبت أيضًا أنه (ص) حينما بعث خالدًا بن الوليد ليحارب اكيدر -رئيس دومة الجندل- [٭]: (دومة الجندل): موضع بين مكة وبرك الغمامة أو بين الحجاز والشام. قال له: "إنك سَتَجده يَصيد البَقَر" [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٢٠٧-٢٠٨؛ البيهقي، السنن الكبرى ٩/١٨٧؛ ابن حبان، الثقات ٢/٩٧؛ الطبري، تاريخ الأمم ٢/١٨٥. -أي البقر الوحشي- وأخبره بأنه سيأتي به أسيرًا من غير مقاومة منه. وذهب خالد ورآه كما وصفه الرسول الكريم (ص) فأخذه أسيرًا وأتى به.
وثبت أيضًا أنه (ص) أعلَم "قريشًا بأكل الأرضة ما في صحيفتهم التي تظاهروا بها على بني هاشم وقطعوا بها رحِمهم، وأنها أبْقَت فيها كلَّ اسمٍ للّٰه، فوجدوها كما قال"، [٭]: انظر: ابن إسحاق، السيرة ٢/١٤٧؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/٢٢١؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/١٨٨، ١٨٩، ٢٠٨، ٢٠٩ ؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ١/٥٥٣. وهي معلّقة على الكعبة.
وثبت أيضًا أنه (ص) أخبر عن ظهور الطاعون عند فتح بيت المقدس. [٭]: انظر: البخاري، الجزية ١٥؛ ابن ماجه، الفتن ٢٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٦/٢٢، ٢٥، ٢٧. ففي عهد عمر انتشر وباءُ الطاعون انتشارًا فظيعًا بحيث إن عددَ الذين توفّوا نتيجة الأمراض سبعون ألف شخص خلال ثلاثة أيام. [٭]: انظر: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/٢٨٣؛ الطبري، تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٤٨؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٧/٥٥-٥٨؛ المناوي، فيض القدير ٤/٩٥.
وثبت أيضا أنه (ص) أخبر عن وجود البصرة [٭]: انظر: أبو داود، الملاحم ١٠؛ أحمد بن حنبل، المسند ٥/٤٤؛ الطيالسي، المسند ١١٧؛ ابن حبان، الصحيح ١٥/١٤٨. و بغداد قبل أن تعمُرا، وأخبر عن جبي خزائن الأرض إلى مدينة بغداد. [٭]: انظر: الخطيب البغدادي، تاريخ بغداد ١/٢٨-٣٣، ١٠/٢٠٣، ١٤/٥٤؛ الديلمي، المسند ٢/٧٣.
وأخبرهم (ص) عن "قتالهم الترك" [٭]: انظر: البخاري، الجهاد ٩٥، ٩٦، المناقب ٢٥؛ مسلم، الفتن ٦٣-٦٦. والأمم التي حول بحر الخزر ثم بعد ذلك يدخل أكثر هؤلاء الأمم في دين الإسلام، وسيحكمون العرب بينهم حيث قال: "يوشِكُ أن يَكثُر فيكم العَجَم يأكلون فيئَكُم ويضربون رِقَابكم". [٭]: انظر: معمر بن راشد، الجامع ١١/٣٨٥؛ البزار،المسند ٦/٣٥٩، ٧/٢٩١؛ الحاكم، المستدرك ٤/٥٥٧، ٥٦٤.
— 144 —
وقال (ص): "هلاكُ أمتي على يدَي اُغيلمةٍ من قريش" [٭]: انظر: البخاري، الفتن ٣؛ مسلم، الفتن ٧٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٢٩٩، ٤٨٥، ٥٢٠. فأخبر عن يزيد والوليد وأمثالهم من الرؤساء الأشرار في الأمويين.
وأخبر (ص) عن وقوع رِدّة في بعض الأماكن كاليمامة. [٭]: انظر: البخاري، المناقب ٢٥، المغازي ٧٠، ٧١؛ مسلم، الرؤية ٢١، ٢٢.
وقال في غزوة الخندق: "إنَّ قريشًا والأحزابَ لا يغزونني أبدًا وأنا أغزوهم" [٭]: البخاري، المغازي ٢٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٤/٢٦٢، ٦/٣٩٤؛ الطيالسي، المسند ١٨٢؛ الطبراني، المعجم الكبير ٧/٩٨. وكان الأمر كما أخبر.
وثبت كذلك أنه (ص) أخبر قبل وفاته بشهرين: "بأن عبدًا خُيِّرَ فاختار ما عند اللّٰه" . [٭]: البخاري، فضائل أصحاب النبي (ص) ٣؛ مسلم، فضائل الصحابة ٢.
وقال في حق زيد بن صوحان: "يَسبقُهُ عضوٌ إلى الجنة، فقُطعتْ يدُهُ في الجهاد" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٤٣؛ الماوردي، أعلام النبوة ١/١٢١؛ وانظر أبو يعلى، المسند ١/٣٩٣؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٤١٦. وأصبحت شهيدة، يوم نهاوند، فسبقته إلى الجنة.
وهكذا فإن جميع ما بحثناه من أمور الغيب إنما هو نوعٌ واحد فقط من بين عشرة أنواع من معجزاته (ص)، فنحن لم نعرف بعدُ عُشرَ معشار هذا النوع، وقد بينّا إجمالًا أربعة أنواع من الإخبار الغيبي في الكلمة الخامسة والعشرين الخاصة بإعجاز القرآن.
فتأمل الآن في هذا النوع، وضمّه إلى الأنواع الأربعة الأخرى التي أخبر عنها (ص) بلسان القرآن، وانظر كيف يشكّل برهانًا قاطعًا لامعًا على الرسالة بحيث يذعن مَن لم يختل عقلُه وقلبُه ويصدّق بأن هذا النبي الكريم (ص) إنما هو رسول يخبر عن الغيب من لدن خالق كل شيء وعلام الغيوب.