المكتوبات العربية
— 117 —

الإشارة البليغة الأولى

لا ريب أن مالك هذا الكون وربَّه يخلق ما يخلق عن علمٍ ويتصرف في شؤونه عن حكمة، ويدير كلَّ جهة عن رؤية ومشاهدة، ويربّي كل شيء عن علم وبصيرة، ويدبّر الأمر قاصدًا إظهار الحِكَم والغايات والمصالح التي تتراءى من كل شيء.
فما دام الخالقُ يعلم، فالعالِمُ يتكلم. وحيث إنه سيتكلم، فسيكون كلامُه حتمًا مع مَن يفهمه من ذوي الشعور والفكر والإدراك، بل مع الإنسان الذي هو أفضلُ أنواع ذوي المشاعر والفهم وأجمعُهم لتلك الصفات. ومادام كلامُه سيكون مع نوع الإنسان، فسيتكلم، إذن مع مَن هو أهلٌ للخطاب من الكاملين من بني الإنسان الذين يملكون أعلى استعداد وأَرفعَ أخلاق والذين هم أهلٌ لأن يكونوا قدوة للجنس البشري وأئمةً له. فلا ريب أنه سيتكلم مع محمد (ص) الذي شهِد بحقّه الأولياءُ والخصماءُ بأنه صاحبُ أسمى أخلاق وأفضل استعداد، والذي اقتدى به خُمس العالم، وانضم تحت لوائه المعنوي نصفُ الأرض، واستضاء المستقبل بالنور الذي بُعثَ به طوال ثلاثة عشر قرنًا من الزمان، والذي يصلّي عليه أهلُ الإيمان والنورانيون من الناس دومًا ويدعون له بالرحمة والسعادة والثناء والحب، ويجددون معه البيعةَ خمس مرات يوميًّا، وقد تكلّم معه فعلًا. وسيجعله رسولَه حتمًا وقد جعله فعلًا. وسيجعله قدوةً وإمامًا للناس كافة وقد جعله فعلًا.
الإشارة البليغة الثانية
لقد أعلن الرسول الكريم (ص) النبوةَ، وقدّم برهانًا عليها، وهو القرآن الكريم. وأَظهر نحو ألفٍ من المعجزات الباهرة، كما هو ثابت لدى أهل التحقيق من العلماء. [٭]: انظر: البيهقي، دلائل النبوة ١/١٠؛ النووي، شرح صحيح مسلم ١/٢؛ ابن حجر، فتح الباري ٦/٥٨٢-٥٨٣. هذه المعجزاتُ بمجموعها الكلي ثابتةٌ قطعية كقطعية ثبوت دعوى النبوة، حتى إن إسناد المعجزات إلى السحر الذي يورده القرآن الكريم في مواضع كثيرة على لسان الكفار الأَلدَّاء ليشير إلى أَنهم لم ينكروا وقوعَ المعجزات ولم يسَعهم ذلك، وإنما أَسندوها إلى السِحر خداعًا لأَنفسهم وتغريرًا بأَتباعهم.
— 118 —
نعم، إن للمعجزات الأحمدية قطعيةً تامة تبلغ قوةَ مائة تواترٍ، فلا سبيل إلى إنكارها قط.
والمعجزةُ بحد ذاتها تصديقٌ من رب العالمين لدعوى رسوله الكريم، أي كأَنَّ المعجزة تقوم مقام قول اللّٰه: صدق عبدي فأَطيعوه.
مثال للتوضيح: لو كنتَ في حضرة سلطان أو في ديوانه، وقلتَ لمن حولك: لقد عيّنني السلطانُ عاملًا في الأمر الفلاني، وحينما طلبوا منك دليلًا على ادعائك وإذا قال السلطان "نعم إني جعلته عاملًا" كيف أن هذا تصديق لك، فكذلك إذا خرق السلطانُ لأجلك عاداتِه وبدَّل قوانينَه لرجاءٍ منك؟ أفلا يكون ذلك تصديقًا أقوى لدعواك وأثبت من قول: نعم؟
وكذلك كانت دعوى الرسول (ص)، إذ قال: إنني رسولٌ من رب العالمين. وأما دليلي فهو أنه سبحانه يبدّل قوانينَه المعتادة بالتجائي ودعائي وتوسلي إليه. وهَاكُمْ انظروا إلى أَصابعي، إنَّه يفجّر منها الماءَ كما يتفجّر من خَمسِ عيون.. وانظروا إلى القمر، إنه يشقّه لي شقين بإشارة من إصبعي.. وانظروا إلى تلك الشجرة كيف تأتي إليّ لتصدِّقني وتشهدَ لي.. وانظروا إلى هذه الحفنة من الطعام كيف أنها تُشبع مائتين أو ثلاثمائة رجلٍ! وهكذا أظهر (ص) مئاتٍ من المعجزات أمثالَ هذه.
واعلم، أنَّ دلائل صدقِ الرسول (ص) وبراهينَ نبوته لا تنحصر في معجزاته، بل يرى المدققون أن جميعَ حركاته، وأفعاله، وأحواله، وأقواله، وأخلاقه، وأطواره، وسيرته، وصورته، كل ذلك يثبت إخلاصهَ وصدقَه. حتى آمن به كثيرٌ من الناس بمجرد النظر إلى طلعته البهية، أمثال: عبد اللّٰه بن سلام الذي كان من أشهر علماء بني إسرائيل حيث قال: "فلما اسْتَبنتُ وجهَهُ عرفتُ أنَّ وجهَه ليس بوجه كاذب". [٭]: الترمذي، القيامة ٤٢؛ ابن ماجه، الإقامة ١٧٤؛ الدارمي، الصلاة ١٥٦.
وعلى الرغم من أن العلماء المحققين قد ذكروا ما يقارب الألفَ من دلائل نبوته ومعجزاته فإن هناك ألوفًا منها، بل مئاتِ الألوف. ولقد صدّق بنبوته مئاتُ الألوف من الناس المتباينين في الفكر بمئات الألوف من الطرق. والقرآنُ الكريم وحده يظهر ألفًا من البراهين على نبوته (ص)، عدا إعجازه البالغ أربعين وجهًا.
— 119 —
ولما كانت النبوة محقَّقةٌ وثابتة في الجنس البشري، وأنّ مئاتِ الألوف [٭]: عن أبي أمامة، قال أبو ذر: (قلت: يا رسول اللّٰه كم وفاءُ عدّة الأنبياء؟ قال: "مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا، الرسلُ من ذلك ثلاثمائة وخمسة عشر جمًا غفيرًا") أحمد بن حنبل، المسند ٥/٢٦٥؛ ابن حبان، الصحيح ٢/٧٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ٨/٢١٧. من البشر جاءوا فأعلنوا النبوةَ، وقدّموا المعجزات برهانًا وتأييدًا لها، فلا شك أن نبوة محمد (ص) تكون أثبتَ وآكد من الجميع، لأن مدارَ نبوة الأنبياء وكيفية معاملاتهم مع أممهم والدلائل والمزايا والأوضاع التي دلت على نبوة عامة الرسل أمثال موسى و عيسى عليهما السلام توجد بأتم صوَرِها وأفضل معانيها لدى الرسول الكريم (ص). وحيث إن علةَ حُكم النبوة وسبَبها أَكمل وجودًا في ذاته (ص)، فإن حكم النبوة لا محالةَ ثابتٌ له بقطعيةٍ أوضح من سائر الأنبياء عليهم السلام.
الإشارة البليغة الثالثة
إنَّ معجزات الرسول (ص) كثيرةٌ جدًّا ومتنوعةٌ جدًّا، وذلك لأن رسالته عامةٌ وشاملة لجميع الكائنات؛ لذا فله في أغلب أنواع الكائنات معجزاتٌ تشهد له، ولنوضح ذلك بمثال:
لو قَدِم سفيرٌ كريم من لدن سلطان عظيم لزيارة مدينةٍ عامرةٍ بأقوام شتى، حاملًا لهم هدايا ثمينة متنوعة، فإن كلَّ طائفة منهم ستُوفد في هذه الحال ممثلًا عنها لاستقباله باسمها والترحيب به بلسانها.
كذلك لما شرَّف العالَم السفيرُ الأعظم (ص) لملك الأزل والأبد، ونوَّرَه بقدومه، مبعوثًا من لدن رب العالمين إلى أهل الأرض جميعًا، حاملًا معه هدايا معنوية وحقائق نيّرة تتعلق بحقائق الكائنات كلِّها، جاءه من كل طائفة مَن يرحّب بمَقدمه ويهنؤه بلسانه الخاص، ويقدِّم بين يديه معجزةَ طائفته تصديقًا بنبوته، وترحيبًا بها، ابتداءً من الحجر والماء والشجر والإنسان، وانتهاءً بالقمر والشمس والنجوم، فكأن كلًا منها يردد بلسان الحال: أهلًا ومرحبًا بمبعثك.
إن بحث تلك المعجزات كلِّها يحتاج إلى مجلدات لكثرتها وتنوّعِها، وقد ألّف العلماءُ الأصفياء مجلدات ضخمةً حول تفاصيل دلائل النبوة والمعجزات، إلّا أننا هنا نكتفي بإشاراتٍ مجملة إلى ما هو قطعيُّ الثبوت والمتواتر معنًى من الأنواع الكلية لتلك المعجزات.
إن دلائل نبوة الرسول (ص) قسمان:
— 120 —
الأول: الحالات التي سُمّيت بالإرهاصات، وهي الحوادث الخارقة التي وقعت قبلَ النبوة ووقتَ الولادة.
الثاني: دلائل النبوة الأخرى وهذا ينقسم إلى قسمين:
أحدهما: الخوارق التي ظهرت بعده (ص) تصديقًا لنبوته.
ثانيهما: الخوارق التي ظهرت في فترة حياته المباركة (ص). وهذا أيضًا قسمان:
الأول: ما ظهر من دلائل النبوة في شخصه وسيرته وصورتِه وأخلاقه وكمالاته.
الثاني: ما ظهر منها في أمورٍ خارجة عن ذاته الشريفة، أي في الآفاق والكون. وهذا أيضًا قسمان:
قسم معنوي وقرآني. وقسم مادي وكوني. وهذا الأخير قسمان أيضًا:
القسم الأول: المعجزات التي ظهرت خلال فترة الدعوة النبوية، وهي إما لكسر عناد الكفار أو لتقوية إيمانِ المؤمنين؛ كانشقاق القمر، ونبعان الماء من بين أصابعه الشريفة، وإشباع الكثيرين بطعام قليل، وتكلّم الحيوان والشجر والحجر.. وأمثالِها من المعجزات التي تبلغ عشرين نوعًا، كلُّ نوع منها بدرجة المتواتر المعنوي، ولكلِّ نوع منها نماذج عدة مكررة.
القسم الثاني: الحوادث التي أخبر عنها (ص) قبل وقوعها، بما علّمه اللّٰه سبحانه، وظهرت تلك الحوادث وتحققت كما أخبر.
ونحن الآن نستهلّ بهذا القسم الأخير للوصول إلى فهرس متسلسل عام.
(٭): آسف لأني لم أستطع الكتابة كما كنتُ أنوي، فقد كتبتُ كما خطر على القلب دونما اختيار. ولم أتمكن من مراعاة التسلسل الذي في هذا التقسيم. (المؤلف).
الإشارة البليغة الرابعة
إن ما أنبأ به الرسولُ الكريم (ص) من أنباء الغيب بتعليمٍ من اللّٰه علّام الغيوب كثيرٌ لا يُعد ولا يحصى. وقد أشرنا إلى أنواعه في "الكلمة الخامسة والعشرين" الخاصة بإعجاز القرآن، وسقنا هناك براهينَه؛ لذا فالأخبارُ الغيبية المتعلقة بالأزمنة السالفة والأنبياء السابقين وحقائق الألوهية وحقائق الكون، وحقائق الآخرة يُراجع في شأنها تلك الكلمة.
— 121 —
أما هنا فسنورد بضعةَ أمثلةٍ من أخبار غيبية صادقةٍ تتعلق بالحوادث التي ستصيب الآل والأصحاب -رضوان اللّٰه عليهم أجمعين- من بعده (ص) وما ستلقاه أمتُه في مُقبل أيامها.
ولأجل الوصول إلى إدراك هذه الحقيقة إدراكًا كاملًا نبيّن بين يديها أُسسًا ستة مقدّمة لها.
الأساس الأول
إنَّ جميعَ أحوال الرسول الكريم (ص) وأطوارَه يمكن أن تكونَ دليلًا على صدقِه وشاهدًا على نبوته، إلّا أن هذا لا يعني أن تكون جميعُ أحواله وأفعاله خارقةً للعادة؛ ذلك لأنَّ اللّٰه سبحانه قد أرسله بشرًا رسولًا، ليكون بأعمالِه وحركاته كلِّها إمامًا ومرشدًا للبشر كافة، وفي أحوالهم كافة، ليحقّق لهم بها سعادةَ الدنيا والآخرة وليبيّن لهم خوارقَ الصنعة الربانية وتصرّفَ القدرة الإلهية في الأمور المعتادة، تلك الأمور التي هي بحد ذاتها معجزات.
فلو كان (ص) في جميع أفعاله خارقًا للعادة، خارجًا عن طور البشر، لَمَا تسنّى له أن يكون أُسوةً يُقتدى به، وما وَسِعَه أن يكون بأفعاله وأحواله وأطواره إمامًا للآخرين؛ لذا ما كان يلجأ إلى إظهار المعجزات إلّا بين حين وآخر، عند الحاجة، إقرارًا لنبوته أمامَ الكفار المعاندين. ولما كان الابتلاء والاختبار من مقتضيات التكليف الإلهي، فلم تعُد المعجزةُ مُرغِمةً على التصديق -أي سواءً أراد الإنسانُ أم لم يرد- لأن سرَّ الامتحان وحكمةَ التكليف يقتضيان معًا فتحَ مجال الاختيار أمام العقل من دون سلب الإرادة منه. فلو ظهرت المعجزةُ ظهورًا بَديهيًّا مُلزمًا للعقل كما هو شأنُ البديهيات لما بقيَ للعقل ثمّة اختيار، ولَصدَّق أبو جهل كما صدّق أبو بكر الصديق رضي اللّٰه عنه ولاَنتفت الفائدة من التكليف والغاية من الامتحان، ولَتساوى الفحمُ الخسيس مع الألماس النفيس!
بيد أن الذي يثير الدهشة والحيرة؛ أنه في الوقت الذي آمن ألوفٌ من أجناس مختلفة من الناس بمعجزةٍ منه (ص) أو بكلامٍ منه أو بالنظر إلى طلعته البهية، أو ما شابهها من دلائل صدق نبوته (ص)، وآمن به ألوفُ العلماء المدققين والمفكرين المحققين، بما نُقِل إليهم من صدقِ أخباره وجميلِ آثاره نقلًا صحيحًا متواترًا، أقول: أفلا يدعو إلى العجَب أن يرى أشقياءُ هذا العصر
— 122 —
جميعَ هذه الدلائل الواضحة كأنها غير وافية لإيمانهم وتصديقهم فتراهم ينیزلقون إلى هاوية الضلال؟
الأساس الثاني
إنَّ الرسول الكريم (ص) بشرٌ، فهو يتعامل مع الناس انطلاقًا من بشريته هذه. وهو كذلك رسولٌ، وبمقتضى الرسالة هو ناطقٌ أمين باسم اللّٰه تعالى ومُبلّغٌ صادق لأوامره سبحانه، فرسالتُه تستند إلى حقيقة الوحي. والوحيُ قسمان:
الأول: الوحي الصريح كالقرآن الكريم وبعض الأحاديث القدسية. فالرسول (ص) في هذا مبلِّغٌ محضٌ لا غير، من دون أن يكون له تصرّف أو تدخّل في شيء منه.
الثاني: الوحي الضمني، وهو الذي يستند في خلاصته ومُجمَله إلى الوحي والإلهام، إلّا أنه في تفصيله وتصويره يعود إلى الرسول (ص). فتفصيلُ الحادثة الآتية مُجملةً من هذا الوحي وتصويرُها إما يبيّنه الرسولُ (ص) أحيانًا استنادًا إلى الإلهام أو إلى الوحي، أو يبيّنه بفِراسته الشخصية. وهذه التفاصيل التي يبينها الرسولُ (ص) باجتهاده الذاتي. إما أنه يبينُها بما يتمتع به من قوةٍ قدسية عليا بمقتضى الرسالة، أو يبينُها بخصائصه البشرية وبمستوى عُرفِ الناس وعاداتهم وأفكارهم.
وهكذا لا يُنظر إلى جميع تفاصيل كلِّ حديث شريف بمنظار الوحي المحض. ولا يُتحرّى عن الآثار السامية للرسالة في معاملاته (ص) وأفكاره التي تجري بمقتضيات البشرية.
وحيث إنَّ بعض الحوادث يوحى إليه وحيًا مجملًا ومطلقًا وهو بدوره يصوّره بفراسته الشخصية أو حسب نظر العُرف العام، لذا يلزم أحيانًا التفسيرُ وربما التعبيرُ لهذه المتشابهات والمشكلات التي ينطوي عليها ذلك التصوير. لأن بعض الحقائق تقرَّب إلى الأذهان بالتمثيل. مثال ذلك:
سمع الناس -ذات مرة- وهم جلوس عند الرسول (ص) دويًا هائلًا فقال الرسول (ص) موضحًا الحدث: "هذا حجرٌ رمي به في النار منذ سبعين خريفًا فهو يهوي في النار الآن حتى
— 123 —
انتهى إلى قعرها"... [٭]: انظر: مسلم، الجنة ٣١، صفة المنافقين ١٥؛ أحمد بن حنبل، المسند ٢/٣٧١، ٣/٣٤١، ٣٤٦؛ ابن حبان، الصحيح ١٦/٥١٠. ولم تمض ساعة حتى جاء الجواب، إذ أتى أحدهم يقول: إن المنافق المشهور الذي ناهز السبعين من عمره قد مات وولّى إلى جهنم وبئس المصير، فكان هذا تأويلًا للتشبيه البليغ الذي ذكره الرسول (ص).
الأساس الثالث
إنَّ الآثار المنقولة إنْ كانت متواترةً فهي قطعيةُ الثبوت وتفيد اليقين. والتواتر قسمان:
الأول: التواتر الصريح، أو التواتر اللفظي.
الثاني: التواتر المعنوي وهذا قسمان:
الأول: سكوتي؛ أي إبداء الرضا بالسكوت عنه. مثال ذلك: لو أخبر شخصٌ جماعتَه عن حادثة وقعت أمامَهم ولم يكذّبوه في خبره بل قابلوه بالسكوت، فإن ذلك يعني قبولَهم لوقوعها، ولاسيما إذا كانت الحادثة المروية ذات علاقة بالجماعة، والجماعةُ مستعدة للانتقاد والرد والتجريح، وممن لا يقبلون بالخطأ أصلا، بل يرون الكذب أمرًا قبيحًا بشعًا، فإن سكوتهم عنها يدل على وقوع تلك الحادثة دلالةً قاطعة.
القسم الثاني من التواتر المعنوي: هو اتفاقهم على القدْر المشترك بين أخبارهم وإن كانت الروايات متنوعة. مثال ذلك:
إذا قيل أن أوقية من الطعام أشبَعت مائتي رجل. فالذين حدّثوا بهذا يروونه في صور متنوعة وبعبارات مختلفة متباينة. فهذا ذكَر مائة رجل وذاك ثلاثمائة رجل والآخر أوقيتين من الطعام وهكذا. فترى أن الجميعَ متفقون على وقوع الحادثة، وهو أن الطعام القليل أشبعَ أناسًا كثيرين. فالحادثة إذن بشكلها المطلق متواترةٌ معنًى، وهي تفيد اليقين، ولا تضرّ بها صور الاختلاف. وفي بعض الأحيان يفيد خبر الآحاد ضمن بعض الشروط الحكمَ القطعي كقطعية التواتر، وقد يفيد القطعية أحيانًا تحت أَمارات خارجية.
وهكذا، فالقسم الأَعظم مما نُقل إلينا من دلائل النبوة ومعجزات الرسول (ص) هو:
— 124 —
بالتواتر الصريح أو المعنوي أو السكوتي، وقسم منها بخبر الآحاد. إلّا أنه ضمن شروط معينة مُمحَّصة أُخذ وقُبل من قبل أئمة الجرح والتعديل من أهل الحديث النبوي فأصبحت دلالتُه قطعيةً كالتواتر. ولاشك إذا ما قَبِلَ بصحة خبر الآحاد محدِّثون محقِّقون من أصحاب الصحاح الستة وفي مقدمتهم "البخاري" و "مسلم" وهم الحفاظ الجهابذة الذين كانوا يحفظون ما لا يقل عن مائة ألف حديث، وإذا ما رضي به ألوفٌ من الأئمة العلماء المتقين، ممن يصلون صلاة الفجر بوضوء العشاء زهاء خمسين سنة من عمرهم. [٭]: الامام الغزالي، إحياء علوم الدين ١/ ٣٥٩. أقول: إذا ما قَبِل هؤلاء بصحة خبر الآحاد، فلا ريب إذن في قطعيته ولا يقلّ حكمُه عن التواتر نفسه.
نعم، إنَّ علماء علم الحديث ونُقّاده قد تخصصوا في هذا الفن إلى درجة أنهم اكتسبوا مَلَكَةً في معرفة سموِّ كلام الرسول (ص) وبلاغةِ تعابيره، وطراز إفادته، فأصبحوا قادرين على تمييزه عن غيره، بحيث لو رأوا حديثًا موضوعًا بين مائةٍ من الأحاديث لرفضوه قائلين: هذا موضوعٌ!. هذا لا يمكن أن يكون حديثًا شريفًا! فقد أصبحوا كالصيارفة البارعين الأصلاء يعرفون جوهرَ الحديث النبوي من الدخيل فيه.
بيد أن قسمًا من المحققين قد أَفرط في نقد الحديث كی"ابن الجوزي" الذي حكَم على أحاديیثَ صحيحة بالوضیع. [٭]: راجع أقوال الأئمة الحفاظ كالسيوطي والسخاوي وابن صلاح وابن تيمية واللكنوي وغيرهم حول إفراط ابن الجوزي في كتابه "الموضوعات" وتحامله فيه تحاملًا كثيرًا حتى إنه أدرج فيه كثيرًا من الأحاديث الصحيحة، في كتاب: (الأجوبة الفاضلة للأسئلة العشرة الكاملة لعبد الحي اللكنوي وتحقيق عبد الفتاح أبو غدة) في الصفحات: ٨٠، ١٢٠، ١٦٣، ١٧٠ وكذا في كتاب (الرفع والتكميل ص ٥٠-٥١). علمًا أن "الموضوع" يعنیي: أن هذا الیكیلام ليیس بیكیلام الیرسول (ص)، ولا يیعینیي أنیه بیاطل وكلام فیاسید.
سؤال: ما فائدة السَند الطويل: عن فلان.. عن فلان.. عن فلان.. حيث لا جدوى من ذكرهم في حادثة معلومة؟.
الجواب: فوائدُه كثيرة، إذ إن ذكرَ هذا السند الطويل يبين نوعًا من الإجماع فيمن هم في السند من الموثوقين الصادقين من الرواة الذين يُعتّد بهم، فيُظهر لنا نوعًا من الاتصال والاتفاق لأهل العلم المحققين في ذلك السند، فكأنما كلّ إمامٍ وعلّامة في السند يوقّع على حكم ذلك الحديث الشريف ويختم على صحته بختمه.
— 125 —
سؤال: لماذا لم تُنقل "المعجزات" باهتمام بالغ مثلما نُقلَت الأحكامُ الشرعية الضرورية الأخرى نقلًا متواترًا وبطرق متعددة؟.
الجواب: لأنَّ معظم الناس في أغلب الأوقات محتاجون حاجة ماسة إلى الأحكام الشرعية، فهي "كفروض عين" لهم، لما لها من علاقة بكل شخص. بينما المعجزاتُ لا يحتاجها كلُّ إنسان كل حين. حتى لو فرضنا الحاجة إليها، فيكفي سماعَها مرة واحدة، فهي "كفروض كفاية" إذ يكفي أن يعلمَ بها عادةً قسمٌ من الناس.
ولهذا السبب قد يحدث أنْ نرى وقوع إحدى المعجزات ثابتًا بقطعيةٍ أقوى من قطعية ثبوت حكمٍ شرعي أضعافًا مضاعفة، إلّا أن راويها شخصٌ واحد أو شخصان، بينما يكون عددُ رواة ذلك الحكم الشرعي عشرة أو عشرين.
الأساس الرابع
إنَّ قسمًا من حوادث المستقبل الذي أخبر عنه الرسول (ص) هو حوادث كلّيّة، تتكرر في أوقات مختلفة، وليس بحادثة جزئية مفردة. فالرسول (ص) قد يُخبر عن تلك الحادثة الكلية بصورة جزئية مبينًا بعضَ حالاتها، حيث إنَّ لِمثلِ هذه الحادثة الكلية وجوهًا كثيرة، فيبين (ص) في كل مرة وجهًا من وجوهها. ولكن لدى جمع هذه الوجوه من قِبل راوي الحديث في موضع واحد، يبدو هناك ما يشبه الخلاف للواقع. مثال ذلك:
هناك روايات مختلفة حول "المهدي" تتباين فيها التفاصيلُ والتصويرات. [٭]: سبق تخريج الأحاديث حول المهدي في المكتوب الخامس عشر. وقد أخبر الرسول (ص) عن ظهور المهدي مستندًا إلى الوحي، ليصونَ قوةَ أهل الإيمان المعنوية في كل عصر، وليحُول دون سقوطهم في اليأس والقنوط إزاء ما يرونَه من حوادث مهُولة، وليربط الأمةَ ربطًا معنويًّا بالسلسلة النورانية لآل البيت. وقد أثبتنا ذلك في أحد أغصان "الكلمة الرابعة والعشرين". ومن هنا ترى أنَّ كلَّ عصر من العصور قد وجد نوعًا من "المهدي" من آل البيت كالذي يظهر في آخر الزمان، بل مهديين، حتى وجد في المهدي العباسي -الذي يعدّ من آل البيت- كثيرًا من أوصاف ذلك المهدي الكبير.
— 126 —
وهكذا، فأوصافُ الذين يسبقون المهدي الكبير ممّن يمثّلونه في عهودهم، كالخلفاء المهديين والأقطاب المهديين، اختلطت وتداخلت مع أوصاف ذلك المهدي الكبير. فوقع الاختلاف في الروايات.
الأساس الخامس
لم يكن الرسولُ الأعظم (ص) يعلم الغيبَ ما لم يُعلِّمه اللّٰه سبحانه، إذ لا يعلم الغيب إلّا اللّٰه فهو (ص) يبلّغ الناسَ ما علّمه اللّٰه إياه. وحيث إن اللّٰه حكيمٌ ورحيم، فحكمتُه ورحمتُه تقتضيان سترَ أغلب الأمور الغيبية وإبقاءها في طي الخفاء والإبهام، لأن ما لا يسرّ الإنسانَ من حوادث في هذه الدنيا هو أكثر مما يسرّه، فمعرفته تلك الحوادث قبل وقوعها أليم جدًّا.
فلأجل هذه الحكمة ظَلَّ الموتُ والأجلُ مبهَمَين مستورَين عن علم الإنسان، وبقي ما سيصيب الإنسانَ من مصائب ونكبات محجوبًا في ثنايا الغيب، فكان من مقتضى هذه الحكمة الربانية والرحمة الإلهية ألّا يُطلع سبحانه نبيَّه (ص) اطلاعًا كليًا ومفصلًا على ما سيلقاه آلُه وصحبه وأُمته من بعده من حوادثَ مؤلمة ومصائبَ مفجعة، بل أَخبره سبحانه عن بعضٍ من الحوادث المهمة -بناء على حِكَم معينة- إخبارًا غير مفجع، رفقًا بما يحمله من رحمةٍ عظيمة ورأفة شديدة نحو أمته وتجاه آله وأصحابه. كما أنه سبحانه قد بشّره بحوادث مفرحة أيضًا بشارةً مجملة لبعضها ومفصلةً للأخرى
(٭): إن الدليل على أن اللّٰه سبحانه لم يُطلع رسوله (ص) اطلاعًا كاملا على أن الصّديقة عائشة رضي اللّٰه عنها ستكون في وقعة الجمل هو: أنه (ص) قال لزوجاته الطاهرات: "أيكنّ تنبح عليها كلابُ الحوأب" أي من منكن ستشترك في تلك الواقعة، وذلك لئلا يجرح سبحانه ما يكنّه الرسول (ص) من حب شديد ورأفة كاملة تجاه عائشة رضي اللّٰه عنها. إلّا أنه سبحانه أطلعه بعد ذلك اطلاعًا مجملا بالأمر حيث قال (ص) لعلي رضي اللّٰه عنه بحقها:
"فارفق وبلّغها مأمنها" * (المؤلف).
* انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٦/٥٢، ٦/٩٧، ٦/٣٩٣؛ الهيثمي، مجمع الزوائد ٧/٢٣٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٤١١.
فأخبر (ص) أمتَه بما علّمه ربُّه ونقَله المحدِّثون الصادقون العدول بروايات صحيحة إلينا، أولئك الذين كانوا أشدّ تقوى وخشية من أن يصيبهم الزجرُ المخيف في قوله (ص): (مَن كَذب عليَّ مُتعمّدًا فَلْيَتبوأ مَقعدَه من النار) [٭]: البخاري، العلم ٣٨؛ مسلم، المقدمة ٢-٤. والذين كانوا يهربون خوفًا من أن تنالهم الآيةُ الكريمة:
﴿ فَمَنْ أظْلمُ ممّن كَذَبَ على اللّٰه ﴾
(الزمر: ٣٢).