المكتوبات العربية
— 187 —

الشعبة الأولى

هي معرفة جنس الحيوان للنبي (ص) وإظهاره معجزاته. لهذه الشعبة أمثلة كثيرة نذكر هنا بعض ما هو مشهور ومقطوع به بالتواتر المعنوي من الحوادث، أو ما هو مقبول لدى أئمة العلم، أو تلقته الأمةُ بالقبول.
الحادثة الأولى: حادثة الغار المشهورة إلى حدّ التواتر المعنوي، وهي أنَّ الرسول الأكرم (ص)، عندما تحصّن في الغار مع أبي بكر الصديق نجاةً من طلب قريش له، "أمر اللّٰه حمامتين
— 188 —
فوقفتا بفم الغار وفي حديث آخر؛ أن العنكبوت نسجتْ على بابه" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣١٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٤٨؛ عبد الرزاق، المصنف ٥/٣٨٩؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/١٧٩-١٨١؛ الطبراني، المعجم الكبير ١١/٤٠٧، ٢٠/٤٤٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٢٨-٢٢٩. حتى إن أُبي بن خلف -وهو من صناديد قريش، وقد قتله الرسولُ الكريم (ص) يوم بدر- حين طلب منه كفرةُ قريش دخول الغار، قال: "ما أربُكم [٭]: (أربكم): حاجتكم. فيه، وعليه من نسج العنكبوت ما أرى أنه نُسجَ قبل أن يولَد محمد" ووقفتْ حمامتان على فم الغار، فقالت قريش: "لو كان فيه أحدٌ لم تكن الحمامتان ببابه والنبيُّ (ص) يسمع كلامَهم، فانصرفوا". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٤٨؛ عبد الرزاق، المصنف ٥/٣٨٩؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٣/١٧٩-١٨١؛ الطبراني، المعجم الكبير ١١/٤٠٧، ٢٠/٤٤٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٢٨-٢٢٩.
"وروى ابن وهب، أن حمامَ مكة، أظلّت النبيَ (ص)، يوم فتحِها، فدعا لها بالبركة". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣١٣؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٢/٢١٠؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٣٧.
"وعن عائشة رضي اللّٰه عنها؛ قالت: كان عندنا داجنٌ، [٭]: (داجن): ما يألف البيت من الحيوان. فإذا كان عندنا رسول اللّٰه (ص) قرّ وثبت مكانه، فلم يجئ ولم يذهب وإذا خرج رسولُ اللّٰه (ص) جاءَ وذهب". [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٦/١١٢، ١٥٠، ٢٠٩؛ أبو يعلى، المسند ٧/٤١٨، ٨/١٢١؛ ابن عبد البر، التمهيد ٦/٣١٤؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٣١. أي أن ذلك الحمام كان يوقّر النبي (ص) فيهدأ ويَسكن في حضوره.
الحادثة الثانية: "وهیي قصة الذئیب المشهورة"، وقد رويت بطرق كثيرة حتى أخیذت حكم التواتر، وقد نقلت هذه القصة العجيبة بطرق كثيرة عن مشاهير الصحابة الكرام ، منهم: أبو سعيد الخدري، وسلمة بن الأكوع، وابن أبي وهب، وأبو هريرة، وصاحب القصة: الراعي أُهبان. فقد روى هؤلاء بطرق عديدة أنه "بينا راعٍ يرعى غنمًا له، عرضَ الذئبُ لشاةٍ منها، فأخذها منه، فأقعى [٭]: (أقعى): مكث على عقبيه ناصبًا يديه. الذئب، وقیال للراعي: ألا تتقي اللّٰه، حُلْتَ بيني وبين رزقي، قال الراعي: العجَب من ذئب يتكلم بكلام الإنس! فقال الذئب: ألا أخبرُك بأعجبَ من ذلك؟ رسولُ اللّٰه بين الحَرّتين [٭]: (الحرتين): المقصود المدينة المنورة. يحدِّث الناس بأنباءِ ما سبق.. قد فتحت له أبوابُ الجنة.. يدعوكم إليها". [٭]: انظر: البخاري، الأنبياء ٥٤، فضائل أصحاب النبي (ص) ٥، ٦؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٣؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٨٣؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ٤/٣٠٨.
— 189 —
ومع أن كل الطرق مجمعةٌ على تكلّم الذئب، إلّا أن أقواها هو الحديث الذي رواه أبو هريرة رضي اللّٰه عنه ففيه: "قال الراعي: مَن لي بغنمي؟ قال الذئب: أنا أرعاها حتى ترجع، فأسلمَ الرجلُ إليه غنمَه ومضى، وذكر قصته، وإسلامه، ووجودَه النبيَّ (ص) يقاتل" فرجع فوجد الذئبَ راعيًا أمينًا، ولا نقص في الأغنام "وذبح للذئب شاةً منها" جزاء إرشاده له. [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣١١؛ القرطبي، الإعلام بما في دين النصارى ٣٦١؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٣٤-٦٣٥.
وفي طريق آخر "أنه جرى لأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية مع ذئب وجَداه أخذ ظبيًا فدخل الظبيُ الحرمَ، فانصرف الذئب، فعجبا من ذلك، فقال الذئب: أعجبُ من ذلك محمد بن عبد اللّٰه بالمدينة يدعوكم إلى الجنة.. فقال أبو سفيان: واللات والعزّى لئن ذكرتَ هذا بمكة لتتركنّها خلوفًا". [٭]: (الخلوف): أي خالية من أهلها. القاضي عياض، الشفا١/ ٣١١؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٦/١٤٦؛ القرطبي، الإعلام بما في دين النصارى ٣٦١.
نحصل من هذا: أن قصة الذئب تورث قناعة واطمئنانًا كالمتواتر المعنوي.
الحادثة الثالثة: هي قصة الجمل المروية بخمسة أو ستة طرق عن مشاهير الصحابة: أبو هريرة، [٭]: الهيثمي، مجمع الزوائد ٩/٧. وثعلبة بن مالك، [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٨٢. وجابر بن عبد اللّٰه، [٭]: الدارمي، المقدمة ٤؛ أحمد بن حنبل ، المسند ٣/٣١٠؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣١٦؛ عبد بن حميد، المسند ١/٣٣٧. وعبد اللّٰه بن جعفر، [٭]: أبو داود، الجهاد ٤٤؛ أحمد بن حنبل، المسند ١/٢٠٤-٢٠٥. وعبد اللّٰه بن أبي أوفى، [٭]: أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٨٤-٣٨٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٢٩. وأمثالهم، فهؤلاء جميعًا متفقون على أن: الجملَ قد جاء النبيَّ (ص) وسجد بين يديه سجدةَ تعظيم وإكرام وتكلّم معه. ويخبرون بطرق أخرى؛ أنَّ ذلك الجمل قد ثار في بستان "وكان لا يدخل أحیدٌ الحائط إلّا شدّ عليیه الجمل، فلما دخل عليه النبيُّ (ص) دعاه فوضع مِشْفَره [٭]: (المشفر للجمل): كالشفة للإنسان. على الأرض وبَرك بين يديه فخطمه". [٭]: (خطَمَه): وضع زمامه الذي يقاد به في رأسه. القاضي عياض، الشفا ١/٣١٣؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٣٧.
"وفي خبر آخر في حديث الجمل أنَّ النبي (ص) سألهم عن شأنه فأخبروا أنهم أرادوا ذبحه". [٭]: انظر: أحمد بن حنبل، المسند ٤/١٧٣.
— 190 —
"وفي رواية: أنه شكى إليَّ أنكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره، فقالوا: نعم.".
وأيضًا أن ناقة النبي (ص) المسماة بالعضباء "لم تأكل ولم تشرب بعد موته (ص) حتى ماتت" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣١٣. وذكر أبو إسحاق الاسفرائني "من قصة العضباء وكلامها للنبي (ص)" في أمر مهم. [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣١٣؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٣٧.
وثبت في الصحيح أن جَمَل جابر بن عبد اللّٰه الأنصاري أعيى في سفر فلم يمكن له أنْ يدوم على المسير فنَخسَه [٭]: (نخس): طعن في مؤخرة الدابة أو جنبها . النبي (ص) نخسةً خفيفةً "فنشط حتى كان لا يملك زمامه" وذلك بما رأى من لطف معاملته (ص). [٭]: انظر: البخاري، البيوع ٣٤، الشروط ٤، الجهاد ١١٣، النكاح ١٠، ١٢٢؛ مسلم، الرضاعة ٥٦، ٥٨، المساقاة ١٠٩-١١٣.
الحادثة الرابعة: روى البخاري وأئمة الحديث: "لقد فزع أهلُ المدينة ليلةً فانطلق ناسٌ قِبَل الصوت فتلقّاهم رسولُ اللّٰه (ص) راجعًا قد سَبَقَهم إلى الصوت وقد استبرأ الخبرَ على فرسٍ لأبي طلحة عُريٍ والسيفُ في عنقِه وهو يقول: لن تُراعوا" [٭]: (لن تراعوا): ليس هناك شيء تخافونه. وقال لأبي طلحة: وجدنا فرسَك بحرًا [٭]: انظر: البخاري، الهبة ٣٣، الجهاد ٢٤، ٤٦، ٥٠، ٨٢، ١١٦، ١١٧، ١٦٥، الأدب ٣٩، ١١٦؛ مسلم، فضائل الصحابة ٤٨-٤٩. وكان به قطاف، أي يبطئ. فأصبح بعد تلك الليلة لا يجارَى. [٭]: ابن ماجه، الجهاد ٩؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/١٤٧؛ عبد بن حميد، المسند ١/٣٩٨.
وثبت برواية صحيحة أنه "قال لفرسه -عليه السلام- وقد قام إلى الصلاة في بعض أسفاره: لا تبرحْ بارك اللّٰه فيك حتى نَفْرغَ من صلاتنا. وجعله قبلتَه، فما حرّك عضوًا حتى صلّى (ص)". [٭]: القاضي عياض، الشفا١/ ٣١٥؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٦٤١.
الحادثة الخامسة: هي "تسخير الأسد لسفينة -مولى رسول اللّٰه (ص)- إذ وجّهَه إلى مُعاذ باليمن فلقي الأسدَ فعرّفه: أنه مولى رسول اللّٰه (ص) ومعه كتابُهُ فَهَمْهَمَ وتنحّى عن الطريق. وذكر في منصرفِه مثل ذلك" وفي رواية أخرى عنه: أنَّ سفينة ضَلَّ الطريق في العودة فرأى الأسدَ، قال: "جعل يغمزني بمنكبه حتى أقامني على الطريق". [٭]: البزار، المسند ٩/٢٨٥؛ الطبراني، المعجم الكبير ٧/٨٠؛ الحاكم، المستدرك ٢/٦٧٥؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٤٥-٤٦.
— 191 —
"وروي عن عمر أن رسول اللّٰه (ص) كان في محفَل من أصحابه إذ جاء أعرابيٌ قد صاد ضَبًا، فقال: من هذا؟ قالوا: نبيُّ اللّٰه، فقال: واللات والعزّى لا آمنتُ بك أو يؤمن بك هذا الضَب وطرحَه بين يدي النبي (ص) فقال النبي (ص) له: يا ضَبُّ، فأجابه بلسان بيّن يسمعه القومُ جميعًا: لبيك وسعديك..." [٭]: الطبراني، المعجم الأوسط ٦/١٢٧؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٣٦-٣٨؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٧٧-٣٧٩. فآمن الأعرابي.
"وعن أم سلمة: كان النبي (ص) في صحراء، فنادته ظبيةٌ: يا رسول اللّٰه" إلى آخر الحديث "فخرجتْ تجري هي تقول: أشهد أن لا إله إلّا اللّٰه وأنك رسول اللّٰه ". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٢٣/٣٣١؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ٢/١٠١.
وهكذا فهناك أمثال هذه النماذج كثيرة جدًّا. لم نبين إلّا ما اشتهر من الأمثلة القاطعة.
فيا أيها الإنسان ويا من لا يعرف هذا الرسول الكريم (ص) ولا يطيعُه، اعتبر! واسعَ لئلا تتردّى في ما هو أدنى من الذئب والأسد، فهذه الحيوانات تعرف الرسول الكريم وتطيعه.
الشعبة الثانية
هي معرفةُ الموتى والجن والملائكة الرسولَ الكريم (ص)، ولها وقائع كثيرة جدًّا سنذكر منها على سبيل المثال بضعة أمثلة مشهورة نقلها الأئمةُ الثقات.. سنذكر أولًا أمثلةَ الموتى، أما الجن والملائكة فأمثلتُها متواترة وكثيرة جدًّا.
المثال الأول: روى الإمام الحسن البصري، وهو إمام علماء الظاهر والباطن ومن أصدق تلاميذ الإمام علي كرم اللّٰه وجهه في عهد التابعين: "أتى رجل النبي (ص)، فذكر له أنه طرح بُنيَّةً له في وادي كذا" فرقّ عليه رسولُ اللّٰه (ص) "فانَطلق معه إلى الوادي وناداها باسمها: يا فلانة أجيبي بإذن اللّٰه تعالى، فخرجتْ وهي تقول: لبيك وسعديك: فقال لها: إن أبوَيك قد أسلما -فإن أحببتِ- أن أردّك عليهما. قالت: لا حاجة لي فيهما، وجدتُ اللّٰه خيرًا لي منهما". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٢٠؛ القرطبي، الإعلام بما في دين النصارى ٣٦٤؛ علي القاري، شرح الشفا١/٦٤٨.
المثال الثاني: روى الإمام البيهقي والإمام ابن عَدي مسندًا "عن أنس أن شابًا من الأنصار توفي، وله أمٌ عجوز عمياء -وهو وحيدُها- فسجَيناه، وعزّيناها، فقالت: ابني! قلنا: نعم. قالت: اللّٰهم إن كنتَ تعلم أني هاجرتُ إليك وإلى نبيك رجاءَ أن تعينَني على كل شدة، فلا تحملنَّ عليّ هذه المصيبة. فما برحنا أن كشف الثوبَ عن وجهه، فطعم وطعمنا". [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٠؛ ابن عدي، الكامل ٤/٦٢.
— 192 —
وقد أشار إلى هذه الحادثة العجيبة الإمامُ البوصيري في قصيدته "بردة المديح" قائلًا:
لو ناسَبَتْ قَدْرَه آياتُه عِظَمًا أحيى اسمُه حين يُدعَى دارسَ الرِّمَم
الحادثة الثالثة: روى الإمام البيهقي وغيرُه "عن عبد اللّٰه بن عبيد اللّٰه الأنصاري: كنت فيمن دفنَ ثابت بن قيس، وكان قُتل في اليمامة، فسمعناه حين أدخلناه القبرَ يقول: محمدٌ رسول اللّٰه، أبو بكر الصديق وعمر الشهيد، عثمان البَرُّ الرحيم. فنظرنا إليه فإذا هو ميّت" [٭]: انظر: البخاري، التاريخ الكبير ٥/١٣٨؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٨؛ القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٢٠. فأخبر عن استشهاد عمر قبل تولّيه الخلافة.
الحادثة الرابعة: "روى الإمام الطبراني وأبو نعيم في دلائل النبوة عن النعمان بن بشير أن زيد بن خارجة خَرّ ميتًا في بعض أزقّة المدينة فرفع وسُجّي، إذ سمعوه بين العشاءين والنساء يصرخنَ حوله يقول: انصتوا انصتوا، فَحسَر عن وجهه، فقال: محمدٌ رسول اللّٰه...".. "ثم قال: السلام عليك يا رسول اللّٰه ورحمة اللّٰه وبركاته. ثم عاد ميتًا كما كان". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٥/٢١٨-٢١٩؛ البيهقي، دلائل النبوة ٦/٥٦-٥٧؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٢١.
فإذا كان الموتى الذين لا حياةَ لهم يصدّقون رسالته (ص) فكيف إن لم يصدّقه من له حياة؟ أليس هؤلاء الأحياء الأشقياء هم أكثر فقدًا للحياة من أولئك الموتى؟
أما خدمةُ الملائكة للنبي (ص) وظهورُهم له وإيمانُ الجن به وطاعتُهم له، فهو ثابتٌ بالتواتر، وقد صرّح القرآن الكريم بذلك في كثير من آياته الكريمة، وكانت خمسةُ آلافٍ من الملائكة طوعَ أمره -كالصحابة الكرام- في غزوة بدر كما ورد في القرآن الكريم، حتى إن أولئك الملائكة نالوا -بين الملائكة الآخرين- شرفَ الاشتراك في المعركة كما ناله أصحابُ بدر. [٭]: البخاري، المغازي ١١؛ ابن ماجة، المقدمة ١١؛ أحمد بن حنبل، المسند ٣/٤٦٥. في هذه المسألة جهتان:
الأولى: وجود الجن والملائكة وعلاقاتهم معنا. فهذا ثابتٌ ثبوتًا قاطعًا كوجود الحيوان والإنسان الذي لا يشك فيه أحدٌ. وقد أثبتنا هذا بيقين جازم في "الكلمة التاسعة والعشرين" فنحيل الإثباتَ إلى تلك الكلمة.
— 193 —
الجهة الثانية: هي رؤية أفراد الأمة وتكلمُهم مع الملائكة والجن بما حازوا من شرف الانتساب إلى الرسول الكريم (ص) وإظهارًا لأثر من آثار معجزاته.
فقد روى البخاري ومسلم وأئمةُ الحديث بالاتفاق: "عن عمر رضي اللّٰه عنه قال: بينما نحن جلوسٌ عند رسول اللّٰه (ص) ذات يوم إذ طلع علينا رجلٌ شديدُ بياض الثياب شديد سواد الشعر لا يُرى عليه أثرُ السفر ولا يعرفه منا أحدٌ حتى جلس إلى النبي (ص)".. فسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان وقد عرّف له الرسول (ص) كلًا مما سأل. "ثم قال: يا عمر أتدري مَن السائل، قلتُ: اللّٰه ورسوله أعلم، قال: فإنه جبريل أتاكم يعلّمكم دينَكم". [٭]: البخاري، الإيمان، تفسير سورة لقمان؛ مسلم، الإيمان ١، ٥، ٧.
وثبت بروايات صحيحة مقطوع بها وفي درجة التواتر المعنوي يرويها أئمةُ الحديث: أنَّ الصحابة كثيرًا ما كانوا يرون جبريل عليه السلام عند النبي (ص) في صورة دحية الكلبي رضي اللّٰه عنه صاحب الحُسن والجمال، [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٢/١٠٧، ٦/٧٤، ١٤١، ١٤٦؛ الترمذي، المناقب ٤٣؛ البخاري، مناقب أصحاب النبي (ص) ٢٥، فضائل القرآن ١؛ مسلم، فضائل الصحابة ١٠٠. منهم عمر وابن عباس وأسامة وحارث وعائشة الصديقة وأم سلمة رضي اللّٰه عنهم أجمعين فيقولون: إنّا نرى جبريل عند النبي (ص) في صورة دحية الكلبي في كثير من الأحيان. أفيمكن أن يقول هؤلاء لشيء: نرى، وهم لم يروه؟!.
وثبت بإسناد صحيح عن سعد بن أبي وقاص -أحد المبشَّرين بالجنة وفاتح فارس- قال: إننا رأينا في غزوة أُحد أن الرسول (ص) "على يمينه ويساره جبريلُ و ميكائيل في صورة رجلَين عليهما ثياب بيض" [٭]: البخاري، المغازي ١٨، اللباس ٢٤؛ مسلم، فضائل الصحابة٤٦-٤٧؛ القاضي عياض، الشفا ١/٣٦١. وهما على هيئة حارسَين محافظين له. فإذا قال بطلٌ من أبطال الإسلام مثلُ سعد: رأينا، فهل يمكن أن يحدث الخلاف؟.
ثم إن أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب -ابن عم الرسول (ص)- رأى يوم بدر "رجالًا بيضًا على خيل بُلقٍ [٭]: (بلق): فيها بياض ولون آخر. بين السماء والأرض". [٭]: ابن هشام، السيرة ٣/١٩٧؛ البزار، المسند ٩/٣١٧؛ ابن سعد ، الطبقات الكبرى ٤/٧٤-٧٥؛ الواقدي، كتاب المغازي ١/٧٦.
"وأَرى النبيُّ (ص) لحمزةَ جبريلَ في الكعبة فخرّ مغشيًا عليه". [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٣/١٢ ؛ البيهقي، دلائل النبوة ٧/٨١؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٢٠٨
— 194 —
فأمثلة رؤية الملائكة هذه كثيرة جدًّا، وجميع هذه الوقائع تظهر نوعًا من المعجزات الأحمدية وتدلّ على أنَّ الملائكة تحوم كالفَراش حول نور نبوته.
أما اللقاء مع الجن ومشاهدتهم، فيقع كثيرًا جدًّا حتى مع عامة الناس، فكيف بالصحابة الكرام رضوان اللّٰه عليهم أجمعين، إلّا أن أئمة الحديث ينقلون إلينا أصحّ الأخبار وأثبتها.
"رأى عبد اللّٰه بن مسعود الجن ليلة الجن -أي اهتدائهم في بطن نخل- وسمع كلامَهم وشبّههم برجال الزط" [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ١/٤٥٥؛ البزار، المسند ٥/٢٦٧؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٠/٦٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/٢٣١. وهم قوم من السودان طوال.
ثم إن حادثة مشهورة ينقلها ويخرّجها أئمةُ الحديث ويقبلون بها وهي "قتل خالد بن الوليد -عند هدمه العُزّى- [٭]: (العزّى): شجرة أو ثلاثة أشجار في مكان واحد بنوا عليها بناء، كانت غطفان يعبدونها.. للسوداء التي خرجت له ناشرةً شعرَها عريانة [٭]: (عريانة): واضعة يدها على رأسها داعية يا ويلها. فجزَلَها [٭]: (جزلها): جعلها قطعتين. بسيفه وأعْلَمَ النبي (ص) فقال: تلك العزّى"، [٭]: ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/١٤٥؛ الواقدي، كتاب المغازي ٣/٨٧٣- ٨٧٤؛ النسائي، السنن الكبرى ٤/٤٧٤؛ أبو يعلى، المسند ٢/١٩٦؛ البيهقي، دلائل النبوة ٥/٧٧. فكان الناس يعبدونها وهي في صنم العزى. ولن تُعبد أبدًا.
"وعن عمر بن الخطاب رضي اللّٰه عنه، أنه قال: بينا نحن جلوس مع النبي (ص) إذ أقبل شيخٌ بيده عصًا فسلّم على النبي (ص) فردّ عليه. وقال (ص): نغمةُ الجن، من أنت؟ قال: أنا هامه". "في حديث طويل وأن النبي (ص) علّمه سورًا من القرآن" [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٥/٤١٨-٤٢٠؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٣٧٠-٣٧٢؛ القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٦٣؛ الذهقث، ميزان الاعتدال ١/٣٣٨، ٦/٢٠٧. فهذه الحادثة رغم أنها انتُقدت من قِبل رجال الحديث [٭]: انظر: ابن الجوزي، الموضوعات ١/٢٠٧-٢٠٩؛ السيوطي، اللآلئ المصنوعة ١/١٧٤-١٧٧. إلّا أن أئمةَ آخرين قد حكموا بصحتها... [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٥/٤٢٠؛ الخفاجي، نسيم الرياض ٤/٢٩٦. وعلى كل حال فلا نرى ضرورة في الإسهاب، فالأمثلة في هذا الباب كثيرة جدًّا.
ونقول أيضًا:
— 195 —
إن الذين تنوّروا بنور النبي (ص) وتربوا بتعاليمه واقتفوا أثره وهم يربون على الألوف من أمثال الشيخ الكيلاني من الأولياء الأقطاب والعلماء الأصفياء قد التقوا الملائكة والجن وتكلموا معهم، فالروايات متواترة وموفورة وقطعية. [٭]: وذكر الشيخ ابن تيمية في كتابه (التوسل والوسيلة) حادثة من هذا القبيل (ص: ٢٤): "قال الشيخ عبد القادر الكيلاني (قدس اللّٰه سره): كنت مرة في العبادة فرأيت عرشًا عظيمًا وعليه نور، فقال لي: يا عبد القادر! أنا ربك وقد حللت لك ما حرّمت على غيرك. قال: فقلت له: أأنت اللّٰه الذي لا إله إلّا هو؟ إخسأ يا عدو اللّٰه. قال: فتمزق ذلك النور وصار ظلمة. وقال: يا عبد القادر نجوت مني بفقهك في دينك وعلمك وبمنازلاتك في أحوالك. لقد فتنتُ بهذه القصة سبعين رجلا، فقيل له: كيف علمت أنه الشيطان؟ قال: بقوله لي "حللت لك ما حرمت على غيرك" وقد علمت أن شريعة محمد (ص) لا تنسخ ولا تبدل، ولأنه قال: أنا ربك ولم يقدر أن يقول أنا اللّٰه الذي لا اله إلّا أنا" اهیی راجع الفتاوى (١١/ ٣٠٧).
نعم إن لقاء الأمة المحمدية الملائكة والجن وتكلّمَهم معهم إنما هو أثرٌ من آثار التربية النبوية وهدايتها الخارقة.
الشعبة الثالثة
إنَّ عصمةَ اللّٰه تعالى للرسول الكريم (ص) وحفظَه له من أذى الناس معجزةٌ باهرة وحقيقة جلية نصّ عليها القرآن الكريم في قوله تعالى: واللّٰه يَعْصمُكَ مِن النّاس (المائدة: ٦٧). ففي هذه الآية الكريمة معجزات كثيرة. إذ لمّا أعلن الرسول الكريم (ص) نبوتَه فإنه لم يتَحدَّ طائفةً واحدة ولا قومًا ولا ساسةً ولا حكامًا معينين ولا مجتمعه بل تحدى جميعَ السلاطين وجميع أهل الأديان، تحداهم جميعًا ولا عاصمَ له إلا اللّٰه، وحتى عمُّه قد ناصبَه العداء. وقومُه وقبيلتُه كانوا أعداء له، ومع هذا ظلَّ ثلاثًا وعشرين سنة من غير حارس يحرسه، رغم تعرّضه لمخاطرَ ومهالك كثيرة، ولقد عصمَه اللّٰه من الناس وحفظَه حتى انتقل إلى الملأ الأعلى باطمئنان كامل. مما يدلّنا دلالةَ الشمس في وضح النهار مدى رصانة الحقيقة التي تنطوي عليها الآية الكريمة: واللّٰه يَعْصمُكَ مِن النّاس ومدى كونها نقطة استناد له (ص).
وسنذكر بضعًا من الحوادث التي هي ثابتة ثبوتًا قطعيًّا ونسوقها على سبيل المثال:
الحادثة الأولى: يروي أهلُ السيرة والحديث متفقين على أنه: عندما اجتمعت قريش على قتله (ص) جاءهم إبليسُ في هيئة شيخ ودلّهم على أن يؤخَذ من كل قبيلة فتًى -لئلا يَقع النیزاع بينهم- فسار ما يناهز مائتي رجل بقيادة أبي جهل وأبي لهب نحو بيت النبي (ص) وكان عنده
— 196 —
علي رضي اللّٰه عنه فأمره أن ينام على فراشه وانتظرهم الرسول (ص) حتى أتت قريش وحاصروا البيت "فخرج عليهم (ص) من بيته فقام على رؤوسهم وقد ضرب اللّٰه تعالى على أبصارهم وذرّ الترابَ على رؤوسهم، وخَلَصَ منهم". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٣/٦-٨؛ ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/٢٢٧-٢٢٨؛ وانظر: أحمد بن حنبل، المسند ١/٣٠٣، ٣٦٨؛ سعيد بن منصور، السنن ٢/٣٧٨؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٧/٣٩٩.
وأيضًا "حمايته عن رؤيتهم في الغار بما هيأ اللّٰه من الآيات ومن العنكبوت الذي نسج عليه.. ووقفت حمامتان على فم الغار". [٭]: مضى تخريجه في الشعبة الأولى من هذه الاشارة.
الحادثة الثانية: وهي قصة سراقة بن مالك [٭]: البخاري، مناقب أصحاب النبي (ص) ٢٥، فضائل الأصحاب ٢، مناقب الأنصار ٤٥؛ مسلم، الزهد ٧٥. "حين الهجرة، وقد جعلتْ قريش فيه (ص) وفي أبي بكر الجعائل [٭]: (الجعائل): جمع جعيلة، ما يعطى في مقابلة عمل ما. فأنذر به، فركب فرسه واتبعه حتى إذا قرُب منه دعا عليه النبي (ص) فساختْ قوائمُ فرسه فخرّ عنها... ثم ركب ودنا حتى سمع قراءَة النبي (ص) وهو لا يلتفت وأبو بكر رضي اللّٰه عنه يلتفت وقال للنبي (ص) أوتينا، فقال: لا تحزن إن اللّٰه معنا" كما قاله في الغار "فساخت ثانية إلى ركبتَيها وخرّ عنها فزجرها فنهضت ولقوائمها مثلُ الدخان، فناداهم بالأمان، فكتب له النبي (ص) أمانًا... وأمرَه النبي (ص) أن لا يترك أحدًا يلحق بهم فانصرف".
"وفي خبر آخر أن راعيًا عرف خبرهما، فخرج يشتد يُعلِمُ قريشًا فلما ورد مكة ضُرب على قلبِه، فما يدري ما يصنع وأُنسِيَ ما خرج له حتى رجع إلى موضعه" [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/ ٣٥١؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧١٥. ثم عرف أنه قد أُنسيَ.
الحادثة الثالثة: يروي أئمة الحديث بطرق متعددة أنه في غزوة (غطفان) و (أنمار) أراد رئيسُ قبيلته وهو "غورث بن الحارث المحاربي أن يفتك بالنبي (ص) فلم يَشعر به (ص) إلّا وهو قائم على رأسه منتضيًا سيفَه فقال: اللّٰهم اكفنيه بما شئتَ فانكبّ لوجهه من زُلَّخةٍ [٭]: (زلخة): وجع يأخذ في الظهر فيمنع الإنسان من الحركة. زُلَّخَها بين كتفيه وندر [٭]: (ندر): سقط من جوف أو من بين أشياء . سيفُه من يده". [٭]: القاضي عياض، الشفا ١/٣٤٧؛ علي القاري، شرح الشفا ١/٧١٠؛ الحاكم، المستدرك ٣/٢٩-٣٠.
— 197 —
وروى أنه (ص) أتاه أعرابي "فاخترط سيفَه ثم قال: مَن يمنعك مني؟ فقال: اللّٰه! فارتعدتْ يدُ الأعرابي وسقط سيفُه" فأخذه النبي (ص) وقال: ومَن يمنعك الآن؟ ثم عفا عنه النبي (ص) "فرجع إلى قومه وقال: جئتُكم من عند خير الناس. [٭]: أحمد بن حنبل، المسند ٣/٣٦٤-٣٩٠؛ ابن حبان، الصحيح ٧/١٣٨؛ أبو يعلى، المسند ٣/٣١٣؛ وانظر: البخاري، الجهاد ٨٤، ٨٧، المغازي ٣١-٣٢؛ مسلم، صلاة المسافرين ٣١١؛ فضائل الصحابة ١٣. وقد حكيت مثل هذه الحكاية أنها جرت له يوم بدر وقد انفرد من أصحابه لقضاء حاجته فتتبّعه رجلٌ من المنافقين، وذكر مثله" أنه رفع سيفه ليهوي به على رسول اللّٰه (ص) وإذا به ينظر إليه فيرتعد المنافقُ ويسقط السيف من يده.
الحادثة الرابعة: روى أئمة الحديث برواية مشهورة قريبة من التواتر، وذكر أكثر علماءُ التفسير؛ أن سبب نیزول الآية الكريمة:
﴿ اِنّا جعلنا في أعناقِهِم أغلالًا فهي الى الأذقانِ فَهُم مُقمَحون٭ وَجَعلنا من بين أيديهم سَدًا ومِن خَلْفِهم سَدًا فأغشيناهم فهم لا يیبصِرون ﴾
(يس٨- ٩) [٭]: الطبري، جامع البيان ٢٢/١٥٢؛ ابن كثير، تفسير القرآن ٣/٥٦٥؛ السيوطي، الدر المنثور ٧/٤٣؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٥/٩.
أن أبا جهل أقسم؛ لئن أرى محمدًا ساجدًا لأضربنّه بهذه الصخرة "فجاءه بصخرةٍ وهو ساجد وقريش ينظرون، ليطرحها عليه فلزقتْ بيده ويبسَتْ يداه إلى عنقه" [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٢/١٣٧-١٣٨؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/١٩٠-١٩١؛ وانظر: البخاري، تفسير سورة العلق ٤؛ مسلم، صفات المنافقين ٣٨. وبعد أن أتم الرسول (ص) صلاتَه انصرف وانطلقت يدُ أبي جهل. إما بإذنه (ص) أو لانتفاء الحاجة.
إن الوليد بن المغيرة "أتى النبيَّ (ص) ليقتُله بصخرة كبيرة فطمَس اللّٰه على بصره فلم يَرَ النبيَّ (ص)، وسمع قولَه فرجع إلى أصحابه فلم يرهم حتى نادوه" [٭]: الطبري، جامع البيان ٢٢/١٥٢؛ البيهقي، دلائل النبوة ٢/١٩٦- ١٩٧؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٢٠٠؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن ١٥/٨-٩. حتى إذا خرج الرسول (ص) من المسجد عاد بصرُه، لانتفاء الحاجة.
وثبت عن أبي بكر الصديق رضي اللّٰه عنه أنه: بعدما نیزلت سورة تَبّتْ يدا أبي لهب أتت أمُّ جميل، امرأةُ أبي لهب الملقبة بحمالة الحطب "رسولَ اللّٰه (ص) وهو جالس في المسجد ومعه أبو بكر وفي يدها فِهر [٭]: (فهر): حجر ملء الكف. من حجارة فلما وقفَتْ عليهما لم ترَ إلّا أبا بكر وأخذ
— 198 —
اللّٰه تعالى ببصرَها عن نبيّه (ص) فقالت: يا أبا بكر أين صاحبُك فقد بلغني أنه يهجوني، واللّٰه لو وجدتُه لضربتُ بهذا الفهر فاه". [٭]: الحميدي، المسند ١/١٥٣-١٥٤؛ البزار، المسند ١/٦٢، ٢١٢-٢١٣؛ ابن أبي شيبة، المصنف ٦/٣٢٣؛ ابن حبان، الصحيح ١٤/٤٤٠؛ أبو يعلى، المسند ١/٣٣، ٥٣، ٢٤٦.
نعم. لا ترى حطّابة جهنم -بلا شك- سلطانًا عظيمًا كهذا الذي خصّه اللّٰه بالدرجة الرفيعة.
الحادثة الخامسة: ثبت بالنقل الصحيح "خبر عامر بن الطفيل وأربد بن قيس حين وفدا على النبي (ص)، وكان عامر قال له: أنا أُشغل عنك وجهَ محمد، فاضربْه أنت، فلم يره فَعَلَ شيئًا، فلما كلَّمه في ذلك، قال له: واللّٰه ما هممتُ أن أضربه إلّا وجدتك بيني وبينَه، أفأضربك؟". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٢٦٠-٢٦١؛ الطبراني، المعجم الكبير ١٠/٣١٢؛ البيهقي، دلائل النبوة ٥/٣١٨-٣٢٠؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٢٠٧.
الحادثة السادسة: وثیبت بالنقل الصحيیح أيضًا "أن شيبة بن عثیمان الحجبي أدركه يوم حُینیيین" أو أُحید "وكان حمزة قد قَتَل أباه وعمَّه، فقال: اليیوم أدرك ثیأري من محمد، فلما اختلط الناس أتاه من خلفه ورفع سيفَه ليصبَّه عليه. قال: وأحسّ بي النبيُّ (ص) فدعاني فوضع يده على صدري وهو أبغضُ الخلق إليّ فما رفعَها إلّا وهیو أحیبُّ الخلق إليّ. وقال لیي: ادنُ، فقاتِل، فتقدمتُ أمامه أضرب بسيفي وأقِيه بنفسي، ولو لقيتُ أبي تیلیك الساعة لأوقعتُ به دونه". [٭]: الطبراني، المعجم الكبير ٧/٢٩٨؛ وانظر: الواقدي، كتاب المغازي ٣/٩٠٩-٩١٠؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ١٩٥؛ الأصبهاني، دلائل النبوة ١/٤٩، ٢٢٨.
"وعین فُضیالة بین عمرو قال: أردتُ قیتل النبي (ص)، عام الفیتح، وهو يطوف بالبيت، فلما دنوتُ منه قال: أفُضالة؟ قلت: نعم! قال: ما كنتَ تُحدِّث به نفسك؟. قلتُ: لا شیيء. فضحك واستغفرَ لي ووضع يیدَه على صدري، فسكن قیلیبیي، فواللّٰه ما رفیعیهیا حتى ما خیلیق اللّٰه شيئًا أحیبَّ إليّ منیه". [٭]: ابن هشام، السيرة النبوية ٥/٨٠؛ ابن حجر، الإصابة ٥/٣٧٢؛ ابن كثير، البداية والنهاية ٤/٣٠٨؛ الحلبي، السيرة الحلبية ٣/٥٦.
الحادثة السابعة: ثبت بالنقل الصحيح: أن اليهود تآمروا عليه عندما "جلس إلى
— 199 —
جدار.. فانبعث أحدهم ليطرح عليه رَحًى فقام النبي (ص) فانصرف" [٭]: البيهقي، دلائل النبوة ٣/١٨٠-١٨١؛ أبو نعيم، دلائل النبوة ٤٨٩-٤٩٠؛ السيوطي، الخصائص الكبرى ١/٣٤٨. فبطل ما كانوا يفعلون بحفظ اللّٰه.
وهناك حوادث كثيرة من أمثال هذه الحادثة. فيروي الإمام البخاري ومسلم وأئمة الحديث "عن عائشة رضي اللّٰه عنها قالت: كان النبي (ص) يُحرَس حتى نیزلت هذه الآية: واللّٰه يعصمك من الناس فأخرج رسول اللّٰه (ص) رأسه من القبة: يا أيها الناس انصرفوا فقد عصمني ربي عزّ وجل". [٭]: الترمذي، تفسير سورة المائدة ٤؛ النسائي، السنن الكبرى ٩/٨؛ سعيد بن منصور، السنن ٤/١٥٠٣-١٥٠٤.
هذه الرسالة توضح منذ البداية إلى هنا: إنَّ كل نوع من أنواع هذه الكائنات، وكل عالم منها، يَعْرف النبي (ص) وله معه رابطةٌ وعلاقة. إذ تُظهر معجزاته(ص) من كل نوع من أنواع الكائنات، أي أن هذا النبيَّ الكريم (ص) رسولٌ ومبعوث من قبل اللّٰه بوصفه ربّ العالمين وخالق الكون.
نعم، كما أن موظفًا مرموقًا ومفتشًا ذا منیزلةٍ عند السلطان تعرفه كلُّ دائرة من دوائر الدولة، وإذا ما دخل أيًا منها سيلقى ترحابًا حارًا؛ لأنه مأمورٌ من قِبَل السلطان الأعظم، إذ لو فرضنا أنه كان مفتشًا للعدل فحسب، فسوف ترحّب به دوائر العدل فقط، ولا تعرفه جيدًا الدوائر الأخرى، ولو كان مفتشًا عامًا للجيش فلا تعرفُه الدوائر الرسمية الأخرى للدولة.. بينما يُفهَم من الأمثلة السابقة أن جميعَ دوائر السلطنة الإلهية تعرفه (ص) معرفةً جيدة أو يعرّفه اللّٰه لهم ابتداءً من الملائكة إلى الذباب والعنكبوت. فهو بلا شك خاتمُ الأنبياء ورسول رب العالمين، وأن رسالته عامةٌ للكائنات قاطبة لا تختص بأمةٍ دون أمة كغيره من الأنبياء والمرسلين.