اللمعات العربية
— 407 —

حول "وحدة الوجود"

أخي العزيز: تطلبون شيئًا من الإيضاح حول "وحدة الوجود" ففي إحدى لمعات "المكتوب الحادي والثلاثين" جوابٌ شاف وقوي واضح إزاء رأي "محي الدين بن عربي" في هذه المسألة.
أما هنا فنكتفي بهذا القدر ونقول: إنَّ تلقين مسألة "وحدة الوجود" في الوقت الحاضر للناس يضرّهم ضررًا بالغًا، إذ كما أن التشبيهات والتمثيلات، (٭): كالملكين العظيمين المسميين بالثور والحوت، انقلبا بسر التشبيه عند العوام إلى صورة ثور ضخم وحوت كبير. (المؤلف). إذا خرجت من أيدي الخواص ودخلت أيدي العوام وسرَت من يد العلم إلى يد الجهل تُتلقى حقائق؛ كذلك حقائقُ وحدة الوجود وأمثالُها من الحقائق العالية، إذا ما دخلت بين العوام الغافلين السارحين في تأثير الأسباب، يتلقونها "طبيعة" وتولد ثلاث مضار مهمة.
الضرر الأول: إنَّ مشرب وحدة الوجود، مع أنه في حكم إنكار وجود الكائنات إزاء وجود اللّٰه سبحانه، إلا أنه كلما دخل بين العوام يمضي بهم إلى أن يصل في فكر الغافلين منهم ولاسيما الملوّثين بالماديات إلى إنكار الألوهية إزاء الكون والماديات.
الضرر الثاني: إنَّ مشرب وحدة الوجود، يردّ ردًا شديدًا ربوبية ما سوى اللّٰه تعالى، حتى إنه ينكر ما سواه تعالى ويرفع الثنائية، فلا يرى وجودًا مستقلًا للنفس الأمارة ولا لأي شيء كان، ولكن في هذا الزمان، الذي استولت فيه مفاهيم الطبيعة وتفرعنت نفوسٌ أمارة وبخاصة من له استعداد ليتخذ نفسه معبودَه من دون اللّٰه، ونفخ الغرور والأنانية في أوداجه، فضلا عن نسيان الخالق والآخرة إلى حدّ ما. فتلقينُ هؤلاء بوحدة الوجود يطغي نفوسَهم حتى لا يسعها شيء، والعياذ باللّٰه.
— 408 —
الضرر الثالث: إنه يورث أفكارًا وتصورات لا تليق بوجوب وجود الذات الجليلة، المنیزّهة المبرأة المتعالية المقدسة عن التغير والتبدل والتجزؤ والتحيز، ولا تلائم تنیزّهه وتقدسه سبحانه بحال، فيكون بذلك سببًا لتلقينات باطلة.
نعم، إنَّ من يتكلم عن وحدة الوجود عليه أن يعرج فكرًا من الثرى إلى الثريا تاركًا الكائنات وراءه ظهريّا، محدقًا بنظره إلى العرش الأعلى، عادًّا الكائنات معدومة في حالة الاستغراق، فيمكنه أن يرى بقوة الإيمان أن كل شيء من الواحد الأحد سبحانه مباشرة. وإلّا فإن من يقف وراء الكائنات وينظر إليها ويرى الأسباب أمامه وينظر من الأرض، فإنه يحتمل أن يغرق في تأثير الأسباب ويقع في مستنقع الطبيعة، بينما الذي يعرج فكرًا إلى العرش كجلال الدين الرومي يستطيع أن يقول: "افتح سمعَك فإنك تستطيع أن تسمع من كل أحد -كأنه حاكٍ فطري- ما تسمعه من الحق تعالى". وإلّا فمن لا يستطيع العروجَ مثله إلى هذه المرتبة الرفيعة ولا يرى الموجودات من الفرش إلى العرش على صورة مرايا (لتجلياته) إن قلت له: "اصغ إلى كل أحد تسمع منه كلام اللّٰه" فإنه يبتلى بتصورات باطلة مخالفة للحقيقة كمن يهوي معنًى من العرش إلى الفرش.
﴿ قل اللّٰه ثُمَ ذَرهُم في خَوضِهم يَلعَبون ﴾
(الأنعام: ٩١).
ما للتراب ولرب الأرباب.
سبحان من تقدس عن الأشباه ذاتُه وتنیزّهت عن مشابهة الأمثال صفاته وشَهِد على ربوبيته آياته جل جلاله ولا إله إلّا هو.
سعيد النورسي

* * *

— 409 —
"جواب عن سؤال"
لا يسعني الوقت الكافي لعقد موازنة بين أفكار كل من "مصطفى صبري" و"موسى باكوف" إلا أنني أكتفي بالقول الآتي:
إن أحدهما قد أفرط والآخر يفرط. فمع أن مصطفى صبري محقّ في دفاعاته بالنسبة إلى موسى باكوف إلّا أنه ليس له حق تزييف شخص محي الدين بن عربي الذي هو خارقةٌ من خوارق العلوم الإسلامية.
نعم، إن محي الدين بن عربي مهتدٍ ومقبولٌ ولكنه ليس بمرشدٍ ولا هادٍ وقدوةٍ في جميع كتاباته، إذ يمضي غالبًا دون ميزان في الحقائق، فيخالف القواعد الثابتة لأهل السنة، ويفيد بعضُ أقواله -ظاهرًا- الضلالةَ غير أنه بريء من الضلالة، إذ الكلام قد يبدو كفرًا بظاهره، إلّا أن قائلَه لا يكون كافرًا.
فمصطفى صبري لم يراع هذه النقاط بنظر الاعتبار ففرّط في بعض النقاط لتعصبه لقواعد أهل السنة. أما موسى باكوف فهو يخطئ كثيرًا بأفكاره التي تماشي التمدن والمنحازة شديدًا للتجدد. إذ يحرّف بعض الحقائق الإسلامية بتأويلات خاطئة ويتخذ شخصًا مردودًا كأبي العلاء المعَرِّي في مستوى أعلى من علماء الإسلام المحققين، وقد غالى كثيرًا لانحيازه الشديد إلى تلك المسائل التي خالف فيها محي الدين أهلَ السنة والتي تنسجم مع أفكاره.
ولقد قال محي الدين: "تُحرم مطالعةُ كتبَنا على من ليس منا" أي على من لا يعرف مقامَنا. نعم إن قراءة كتب محي الدين ولاسيما مسائله التي تبحث في وحدة الوجود مضرة في هذا الزمان.
سعيد النورسي
— 410 —
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
عندما كنت أنظر من نافذة السجن، إلى ضحكات البشرية المبكية، في مهرجان الليل البهيج، أنظر إليها من خلال عدسة التفكر في المستقبل والقلق عليه، انكشف أمام نظر خيالي هذا الوضع، الذي أبينه:
مثلما تشاهَد في السينما أوضاعُ الحياة لمن هم الآن راقدون في القبر، فكأنني شاهدت أمامي الجنائز المتحركة لمن سيكونون في المستقبل القريب من أصحاب القبور.. بكيت على أولئك الضاحكين الآن، فانتابني شعورٌ بالوحشة والألم. راجعت عقلي، وسألت عن الحقيقة قائلًا: ما هذا الخيال؟ قالت الحقيقة: إن خمسةً من كل خمسين من هؤلاء البائسين الضاحكين الآن والذين يمرحون في نشوة وبهجة سيكونون كهولًا بعد خمسين عامًا، وقد انحنَت منهم الظهور وناهز العمر السبعين، والخمسةَ والأربعين الباقية يُرمّون في القبور. فتلك الوجوه الملاح، وتلك الضحكات البهيجة، تنقلب إلى أضدادها. وحسب قاعدة "كل آتٍ قريب" [٭]: انظر: الدارمي، المقدمة ٢٣؛ ابن ماجه، المقدمة ٧. فإن مشاهدة ما سيأتي كأنه آتٍ الآن تنطوي على حقيقة، فما شاهدته إذن ليس خيالًا.
فما دامت ضحكاتُ الدنيا المتسمة بالغفلة مؤقتة ومعرّضة إلى الزوال، وهي تستر مثل هذه الأحوال المؤلمة المبكية. فلابد أن ما يسرّ قلبَ الإنسان البائس العاشق للخلود، ويفرح روحَه الولهان بعشق البقاء، هو ذلك اللهو البريء والمتعة النیزيهة وأفراح ومسرات تخلد بثوابه، ضمن نطاق الشرع، مع أداء الشكر باطمئنان القلب وحضوره بعيدًا عن الغفلة. ولئلا تقوى الغفلةُ في النفوس في الأعياد، وتدفع الإنسان إلى الخروج عن دائرة الشرع، ورد في الأحاديث الشريفة ترغيب قوي وكثير في الشكر وذكر اللّٰه في تلك الأيام. وذلك لتنقلب نعم الفرح والسرور إلى شكر يديم تلك النعمة ويزيدها، إذ الشكر يزيد النعم ويزيل الغفلة.
سعيد النورسي