— 404 —
حول "القيلولة"
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
أو هُم قائلون
لقد اهتم "رأفت" بمعنى كلمة "قائلون" الواردة في الآية الكريمة: أو هُم قائلون (الأعراف: ٤)
فكُتب هذا البحث لمناسبة استفساره عنها، ولئلا يعطّل قلمَه الألماسي، بما يصيبه من انحلال في الجسم بسبب نومه بعد صلاة الفجر كالآخرين معه في السجن.
النوم على أنواع ثلاثة:
الأول: الغيلولة: وهي النوم بعد الفجر حتى انتهاء وقت الكراهة. هذا النوم مخالفٌ للسنة المطهرة؛ إذ يورث نقصان الرزق، وزوال بركته، كما هو وارد في الحديث الشريف. حيث إن أفضل وقت لتهيئة مقدمات السعي لكسب الرزق هو في الجو اللطيف، عقب الفجر، ولكن بعد مضيه يطرأ على الإنسان خمول وانحلال، مما يضرّ بسعيه في ذلك اليوم، وبدوره يضر بالرزق، كما يسبب زوال بركته، وقد ثبت هذا بتجارب كثيرة.
الثاني: الفيلولة: وهي النوم بعد صلاة العصر حتى المغرب، هذا النوم يسبب نقصانَ العمر، أي يتناقص عمر الإنسان ماديًا في اليوم الذي يشوبه النوم المورث للغفلة؛ إذ يبدو ذلك اليوم قصيرًا ناقصًا مثلما يكون قضاءُ وقت العصر بالنوم في حكم عدم رؤية نتائج معنوية لذلك اليوم، تلك النتائج التي تتظاهر على الأغلب في ذلك الوقت. فيكون الإنسان كأنه لم يعش ذلك اليوم.
الثالث: القيلولة: وهي سنة نبوية شريفة، ويبدأ وقتُها من الضحى إلى ما بعد الظهر بقليل. ومع كون هذا النوم من السنة المطهرة [٭]: انظر: البخاري، الاستئذان ١٦، ٣٩، ٤١، الجمعة ٤٠، ٤١، الحرث ٢١، الأطعمة ١٧؛ مسلم، الفضائل ٨٤، الجمعة ٣٠؛ أبو داود، الجمعة ٢١٨. فانه يُعين على قيام الليل، وقد رسّخ هذه السنة
— 405 —
النبوية ما اعتاد عليه أهلُ الجزيرة العربية من تعطيل نسبي للأعمال عند اشتداد الحر من الظهر حسب محيطهم. وهذا النوم يطيل العمرَ ويزيد الرزق؛ لأنَّ نصف ساعة من القيلولة يعادل ساعتين من نوم الليل، أي إنه يزيد عمرَ يومه ساعةً ونصفَ الساعة. وينقذ ساعةً ونصف الساعة أيضًا من النوم الذي هو صنو الموت، ويحييها بتزييد وقت عمله كسبًا للرزق، فيطيل زمن السعي والعمل.
سعيد النورسي
* * *
وهذه خاطرة جميلة
حينما كنت أقرأ جملة "ألفُ ألفِ صلاةٍ وألف ألف سلام عليك يا رسول اللّٰه" عقب الصلاة، تراءت لي من بعيد خاطرةٌ لطيفة انكشفت من تلك الصلوات، إلّا أنني لم أتمكن من اقتناصها كاملة، ولكن سأشير إلى بعض جمَلها:
رأيت أن عالَم الليل شبيهٌ بمنیزل جديد يُفتح لدار الدنيا.. دخلت ذلك العالم في صلاة العشاء، ومن انبساط فوق العادة للخيال وبحكم ارتباط ماهية الإنسان مع الدنيا قاطبة رأيت أنَّ هذه الدنيا العظيمة قد أصبحت في ذلك الليل منیزلا صغيرًا جدًّا حتى لا يكاد يرى ما فيه من بشر وذوي حياة. ورأيت -خيالًا- أن ليس هناك من ينوّر ذلك المنیزل إلّا الشخصية المعنوية للرسول (ص) حتى امتلأت أرجاؤه بهجة وأنسًا وسرورًا.
وكما يبدأ الشخصُ بالسلام عند دخوله المنیزل، كذلك وجدت في نفسي شوقًا هائلًا ورغبة جياشة إلى القول: ألف ألف سلام عليك يا رسول اللّٰه ..
(٭): ذلك لان الرحمة النازلة على الرسول الكريم (ص) هي متوجهة لحاجة الأمة قاطبة في زمن أبدي، لذا فالصلاة غير المتناهية التي تهدى إليه منسجمة جدًّا.
فلو دخل شخص بيتًا خاليًا مظلمًا موحشًا كالدنيا المظلمة الموحشة بالغفلة كم سيأخذه الرعب والدهشة والاضطراب؟ ولكن كم يسرّه ويؤنسه ويفرحه وينوره لو رأى أن شخصًا قد تصدر ذلك البيت يعرف مالكه بجميع ما فيه؟ فما بالك لو كان هذا الشخص هو الحبيب المحبوب والأنيس المأنوس وهو الرسول العظيم (ص)، متصدر بيت العالم، يعرّف لنا المالكَ الرحيمَ الكريمَ بما فيه -أي بيت العالم- من أشياء.
قس هكذا لكي تقدر بنفسك قيمة الصلوات عليه ولذتها. (المؤلف).
ومن هنا وجدت نفسي كأنني أُسلّم عليه بعدد الإنس والجن وأعبر بسلامي هذا عن تجديد البيعة له والرضى برسالته
— 406 —
وقبولها منه وإطاعة القوانين التي أتى بها، والتسليم لأوامره وسلامته من بلايانا. أي كأنني أقدم هذا السلام -ناطقًا بتلك المعاني- باسم كل فرد من أفراد عالمي وهم ذوو الشعور من جن وإنس، وجميع المخلوقات.
وكذا فإن ما جاء به من النور العظيم والهدية الغالية ينور عالمي الخاص هذا كما ينور العالم الخاص لكل أحد في هذه الدنيا، فيحوّل عالَمنا إلى عالم زاخر بالنعم. فقلت تجاه هذه النعمة الهائلة: "اللهم أنزل ألفَ صلاة عليه" علّها تكون شكرانًا وعرفانا للجميل على ذلك النور الحبيب والهدية الغالية، إذ إننا لا نستطيع أن نردّ جميلَه وإحسانه إلينا أبدًا، فأظهَرنا تضرُّعنا إلى اللّٰه جل وعلا بالدعاء والتوسل كي يُنیزل من خزائن رحمته رحمةً عليه بعدد أهل السماوات جميعًا.. هكذا أحسست خيالًا.
فهو (ص) يطلب صلاةً بمعنى "الرحمة" من حيث إنه "عبد" ومتوجه من الخلق إلى الحق سبحانه. ويستحق "السلام" من حيث إنه "رسول" من الحق سبحانه إلى الخلق.
وكما أننا نرفع إليه سلامًا بعدد الإنس والجن، ونجدد له البيعة العامة بعددها أيضًا، فإنه (ص) يستحق أيضًا صلاة من خزائن الرحمة الإلهية بعدد أهل السماوات، وباسم كل واحد منهم؛ ذلك لأن النور الذي جاء به هو الذي يظهر كمال كل شيء في الوجود، ويُبرز قيمةَ كل موجود، وتُشاهد به الوظيفة الربانية لكل مخلوق، وتتجلى به المقاصد الإلهية من كل مصنوع. لذلك لو كان لكل شيء لسانٌ لكان يردد قولًا كما يردد حالًا: الصلاة والسلام عليك يا رسول اللّٰه.. فنحن بدورنا نقول بدلًا عن المخلوقات كافة:
ألفُ ألف صلاة وألفُ ألف سلام عليك يا رسول اللّٰه بعدد الإنس والجن وبعدد الملك والنجوم.
فَيَكْفِيكَ أنَّ اللّٰه صَلّٰى بِنَفْسِهِ وَأمْلاَكَهُ صَلَّتْ عَلَيْهِ وَسَلَّمَتْ
سعيد النورسي
* * *