— 400 —
"نكتتان"
الفقرات التالية عبارة عن نكتتين:
الأولى: تخص الأخلاق، كتبت لمناسبة ظهور حالات غير مريحة في سجن "أسكي شهر" من جراء انقباض النفوس.
الثانية: نكتة لطيفة لآية كريمة لطيفة مشهورة إلّا أنها ظلت مستورة.
النكتة الأولى: إنَّ من كمال كرم اللّٰه سبحانه وسعة رحمته وطلاقة عدالته أن أدرج ثوابًا ضمن أعمال البر، وأخفى عقابًا معجلًا في أعمال الفساد والسيئات. فقد أدرج طي الحسنات لذائذَ وجدانية معنوية بما يذكّر بنعَم الآخرة، وأدرج في ثنايا السيئات أعذبةً معنوية بما يحسس بعذاب الآخرة الأليم.
فمثلًا: إن إفشاء المحبة والسلام في صفوف المؤمنين، إنما هو حسنةٌ كريمة للمؤمن، فله ضمن هذه الحسنة لذة معنوية وذوق وجداني وانشراح قلبي ممَّا يذكّر بثواب الآخرة المادي. ومن يتفقد قلبَه يشعر بهذا الذوق.
ومثلًا: إنَّ بث الخصومةِ والعداء بين المؤمنين إنما هو سيئةٌ قبيحة. فهذه السيئة تنطوي على عذاب وجداني وأيّ عذاب، بحيث يأخذ بخناق القلب والروح معًا، فكل من يملك روحًا حساسةً وهمة عالية يشعر بهذا العذاب.
ولقد مررتُ بنفسي -طوال حياتي- بأكثر من مائة تجربة على هذا النوع من السيئات. فكنت كلما حملتُ عداءً على أخ مؤمن تجرعتُ عذاب تلك العداوة، حتى لم يبق لي ريب من أن هذا العذاب إنما هو عقاب معجّل لسيئتي التي ارتكبتُها. فأُعاقب عليها وأُعذب بها.
— 401 —
ومثلًا: إن توقير الجديرين بالاحترام والتوقير وإبداء العطف والرحمة لمن يستحقهما عملٌ صالح وحسنة للمؤمن. ففي هذه الحسنة تكمن لذةٌ عظيمة ومتعة وجدانية إلى حدٍّ قد تسوق صاحبَها إلى التضحية حتى بحياته. فإن شئت فانظر إلى اللذة التي تكسبها الوالدات من بذل شفقتهن لأولادهن، حتى إن الوالدة تمضي في سبيل تلك الرأفة والشفقة إلى الجود بنفسها. بل ترى هذه الحقيقة واضحة حتى في عالم الحيوان، فالدجاجة تهاجم الأسد دفاعًا عن فراخها.
إذن ففي الاحترام والرأفة أجرةٌ معجلة. يشعر بهذه اللذة أولئك الذين يملكون أرواحًا عالية ونفوسًا أبيّة شهمة.
ومثلًا: إنَّ في الحرص والإسراف عقوبةً معنوية معجلة وجزاءً قلبيًا، إذ يجعل صاحبه ثملًا من كثرة الشكوى والقلق، فترى العقوبةَ نفسها بل أشد منها في الحسد والتنافس والغيرة، حتى إن الحسد يحرق صاحبَه قبل غيره. وتنقلب الآية في التوكل والقناعة إذ فيهما ثواب وأيّ ثواب بحيث إنه يزيل آثار المصائب وأوضار الفاقة والحاجة.
ومثلًا: إنَّ الغرور والتكبر حملٌ ثقيل مقيت على كاهل الإنسان، حيث إنه يتعذب من رؤيته استثقال الآخرين له في الوقت الذي ينتظر منهم احترامَه.
نعم، إن الاحترام والطاعة توهب ولا تطلب.
ومثلًا: إنَّ في التواضع وترك الغرور والكبر لذةً عاجلة ومكافأة آنية يخلص المتواضعَ من عبء ثقيل وهو التصنع والرياء.
ومثلا: إنَّ في سوء الظن وسوء التأويل جزاءً معجلًا في هذه الدنيا. حتى غدت "مَن دقّ دُقّ" قاعدة مطّردة. فالذي يسيء الظَّنَّ بالناس يتعرض حتمًا لسوء ظنهم. والذي يؤول تصرفات إخوانه المؤمنين تأويلًا سيئًا، لا محالة سيتعرض للجزاء نفسه في وقت قريب.
وهكذا فقس على هذا المنوال جميعَ الخصال الحسنة والذميمة.
نسأل اللّٰه الرحيم أن يرزق الذين يتذوقون طعوم الإعجاز القرآني المعنوي المنبعث من "رسائل النور" في زماننا هذا ذوقَ تلك اللذائذ المعنوية المذكورة، فلا تقرب إليهم بإذن اللّٰه الأخلاق الذميمة.
— 402 —
النكتة الثانية:
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجنَّ والإنْسَ اِلّا لِيَعْبُدون ٭ ما اُريد منهم مِن رزقٍ وما اُريد أن يُطْعِمون ٭ إنّ اللّٰه هُو الرزّاقُ ذُو القُوّةِ المتينِ ﴾
(الذاريات: ٥٦-٥٨)
إنَّ ظاهر معنى هذه الآية الكريمة على ما جاء في أغلب التفاسير لا يبين الأسلوب الرفيع المنسجم مع بلاغة القرآن المعجزة، لذا كان يشغل فكري في كثير من الأحيان. فنبين ثلاثة أوجه إجمالًا، من بين المعاني الجميلة الرفيعة التي وردت من فيض القرآن الكريم.
الوجه الأول: إنَّ اللّٰه سبحانه يسند أحيانًا إلى نفسه ما يمكن أن يعود إلى رسوله الكريم (ص) من حالات، وذلك تكريمًا له وتشريفًا. فها هنا كذلك، إذ المعنى المراد من الآية الكريمة المتصدرة، لابد أن يكون الإطعام والإرزاق الذي يعود إلى الرسول (ص)، أي إنَّ رسولي في أدائه مهمة الرسالة وتبليغه العبودية للّٰه، لا يريد منكم أجرًا ولا أجرة ولا جزاءً ولا إطعامًا.. وإلّا إن لم يكن المراد هذا المعنى لكان إعلامًا لمعلوم في منتهى البداهة، مما لا ينسجم وبلاغة القرآن المعجزة.
الوجه الثاني: الإنسان مُغرمٌ بالرزق كثيرًا، ويتوهم أن السعي إلى الرزق يمنعه عن العبودية، فلأجل دفع هذا التوهم، ولكي لا يُتخَذ ذريعةً لترك العبادة تقول الآية الكريمة:
﴿ وَمَا خَلَقْتُ الجنَّ والإنْسَ اِلّا لِيَعْبُدون ﴾
وتحصر الغاية من الخلق في العبودية للّٰه، وأن السعي إلى الرزق -من حيث الأمر الإلهي- عبوديةٌ للّٰه أيضًا.
أما إحضارُ الرزق لمخلوقاتي ولأنفسكم وأهليكم وحتى رزقُ حيواناتكم فأنا الكفيل به. فأنتم لم تُخلَقوا له، فكل ما يخص الرزق والإطعام يخصني أنا وأنا الرزاق ذو القوة المتين.. فلا تحتجّوا بهذا فتتركوا العبادة، فأنا الذي أُرسل رزقَ مَن يتعلق بكم من عبادي..
ولو لم يكن هذا المعنى هو المراد، لكان من قبيل إعلام المعلوم، لأن رزقَ اللّٰه سبحانه وتعالى وإطعامَه محال بديهي ومعلوم واضح. وهیناك قاعدة مقررة في علم البلاغة تفيد:
— 403 —
إن كان معنى الكلام معلومًا وبديهيًا، فلا يكون هذا المعنى مرادًا، بل المراد لازمهُ أو تابعٌ من توابعه.
فمثلًا: إن قلتَ لأحدهم وهو حافظ للقرآن الكريم: أنت حافظ. فهذا الكلام إعلامٌ بما هو معلوم لديه، فإذن المراد منه هو: إنني أعلم أنك حافظ للقرآن، أي أُعلِمُه بما لا يعلمه، وهو علمي أنه حافظ للقرآن.
فبناءً على هذه القاعدة يكون معنى الآية التي هي كنايةٌ عن نفي رزق اللّٰه وإطعامه هو:
إنكم لم تُخلَقوا لإيصال الرزق إلى مخلوقاتي التي تعهّدت أنا برزقهم. فالرزق أنا به زعيم. فواجبُكم الأساس هو العبودية، والسعي على وفق أوامري للحصول على الرزق، هو بذاته نوع من العبادة.
الوجه الثالث: إنَّ المعنى الظاهري للآية الكريمة: لم يلد ولم يولد في سورة الإخلاص، معلومٌ وبديهي. فيكون المقصود لازمًا من لوازم ذلك المعنى. أي أن الذين لهم والدة وولد لا يكونون إلهًا قطعًا.
فيقضي سبحانه وتعالى بقوله: لم يلد ولم يولد الذي هو بديهي ومعلوم ويعني أنه أزلي وأبدي، لأجل نفي الألوهية عن سيدنا عيسى عليه السلام وعزير عليه السلام والملائكة والنجوم والمعبودات الباطلة.
فكما أن هذه الآية هكذا فهنا أيضًا يكون معنى الآية الكريمة:
﴿ ما اُريد منهم مِن رزقٍ وما اُريد أن يُطْعِمون ﴾
أنَّ كل ما يُرزَق ويُطعَم وله استعداد للرزق والإطعام لا يمكن أن يكون إلهًا. فلا تليق الألوهيةُ بمن هو محتاج إلى الرزق والإطعام.
سعيد النورسي
* * *