— 396 —
"شرف الرسائل الرفيع"
إخواني !
لقد أُخطر إلى قلبي: كما أنَّ "المثنوي الرومي" قد أصبح مرآةً لحقيقة واحدة من الحقائق السبع المُفاضة من نور شمس القرآن الكريم، فاكتسب منیزلةً سامية وشرفًا رفيعًا حتى أصبح مرشدًا خالدًا لكثير من أهل القلب فضلًا عن المولويين. كذلك "رسائل النور" ستنال بإذن اللّٰه شرفًا رفيعًا ساميًا بسبع جهات، وستكون لدى أهل الحقيقة بمثل مرشدةٍ خالدة رائدة باقية بسبعة أضعاف "المثنوي الرومي". لأنها تمثّل الأنوار السبعة لنور شمس القرآن الكريم والألوان السبعة المتنوعة في ضيائها، تمثلها دفعةً واحدة في مرآتها.
سعيد النورسي
"لطمة رحمة"
إخوتي!
لقد أدركت أنَّ التي نزلت بنا -مع الأسف- هي لطمةُ رحمة. أدركتُها منذ حوالي ثلاثة أيام وبقناعة تامة. حتى إنني فهمت إشارةً من الإشارات الكثيرة للآية الكريمة الواردة بحق العاصين للّٰه، فهمتُها كأنها متوجهةٌ إلينا. وتلك الآية الكريمة هي:
فلما نسوا ما ذكّروا به.... اخذناهم
[٭]: نص الآية الكريمة: (فلما نسوا ما ذكّروا به فتحنا عليهم ابواب كل شيء حتى اذا فرحوا بما اوتوا أخذناهم بغتة فاذا هم مبلسون) (الأنعام:٤٤).
أي لمّا نسيَ الذين ذُكّروا بالنصائح، ولم يعملوا بمقتضاها .. أخذناهم بالمصيبة والبلاء.
نعم، لقد كُتّبنا [٭]: يقول "النورسي" كُتبنا بالبناء للمجهول ولم يقل "كتبنا" للمعلوم وكأنه يشير بذلك إلى أن رسالة "الإخلاص" إنْ هي إلا فيوضات قرآنية أُمليتْ عليه، ومن هنا تأتي أهميتها. مؤخرًا رسالةٌ تخصّ سرَّ الإخلاص، وكانت حقًا رسالة رفيعة سامية، ودستورًا أَخويًا نورانيًا، بحيث إن الحوادث والمصائب التي لا يمكن الصمودُ تجاهها إلّا بعشرة
— 397 —
آلاف شخص ، يمكن مقاومتُها -بسر ذلك الإخلاص- بعشرة أشخاص فقط. ولكن أقولها آسفًا: إننا لم نستطع وفي المقدمة أنا، أن نعملَ بموجب ذلك التنبيه المعنوي، فأخذتْنا هذه الآية الكريمة -بمعناها الإشاري- فابتليَ قسمٌ منا بلطمةِ تأديب ورحمة، بينما لم تكن لطمةَ تأديب لقسم آخر بل مدارُ سلوان للمبتلين، وليكسبوا بها لأنفسهم الثواب.
نعم، إنني لكوني ممنوعًا عن الاختلاط منذ ثلاثة شهور لم أستطع أن أطلع على أحوال إخواني إلّا منذ ثلاثة أيام، فلقد صدر -ما لا يخطر ببالي قط- ممن كنتُ أحسبهم من أخلص إخواني أعمالٌ منافية لسر الإخلاص. ففهمتُ من ذلك أن معنًى إشاريّا للآية الكريمة : فلما نسوا ما ذكّروا به.... اخذناهم يتوجه إلينا من بعيد.
إنَّ هذه الآية الكريمة التي نزلت بحق أهل الضلال مبعثَ عذاب لهم، هي لطمةُ رحمة وتأديب لنا؛ لتربية النفوس وتكفير الذنوب وتزييد الدرجات. والدليل على أننا لم نقدر قيمةَ ما نملك من نعمة إلهية حقّ قدرِها هو: أننا لم نقنع بخدمتنا القدسية برسائل النور المتضمنة لأقدس جهاد معنوي، ونالت الولاية الكبرى بفيض الوراثة النبوية وهى مدار سرّ المشرب الذي تحلى به الصحابة الكرام. وأن الشغف بالطرق الصوفية التي نفعُها قليل لنا في الوقت الحاضر، واحتمال إلحاقها الضررَ بوضعنا الحالي ممكن، قد سُدّ أمامَه بتنبيهي الشديد عليه.. وإلّا لأفسدَ ذلك الهوى وحدتَنا، وأدّى إلى تشتت الأفكار الذي ينیزل قيمة الترابط والتساند من ألف ومائة وأحد عشر الناشئة من اتحاد أربعة آحاد، ينیزلها إلى قيمة أربعة فحسب، وأدّى إلى تنافر القلوب الذي يبدّد قوتنا إزاء هذه الحادثة الثقيلة ويجعلها أثرًا بعد عين.
أورد الشيخ سعدي الشيرازي صاحب كتاب "كلستان" ما مضمونه:
"لقد رأيت أحد المتقين من أهل القلب في زاوية "التكية" يزاول السير والسلوك، ولكن بعد مُضِيِّ بضعة أيام شاهدتُه في المدرسة بين طلاب العلوم الشرعية، فسألته: لِمَ تركت الزاوية التي تفيض الأنوار وأتيت إلى هذه المدرسة؟ قال: هؤلاء النجباء ذوو الهمم العالية يسعون لإنقاذ الآخرين مع إنقاذهم لأنفسهم بينما أولئك يسعون لإنقاذ أنفسهم وحدَها إن وفّقوا لها. فالنجابة وعلو الهمة لدى هؤلاء والفضيلة والهمة عندهم، ولأجل هذا جئت إلى هنا". هكذا سجل الشيخ سعدي خلاصة هذه الحادثة في كتابه "كلستان".
— 398 —
فلئن رُجّحت المسائل البسيطة للنحو والصرف التي يقرؤها الطلاب مثل:" نَصَرَ نَصَرا، نصَرُوا.." على الأوراد التي تُذكر في الزوايا، فكيف برسائل النور الحاوية على الحقائق الإيمانية المقدسة في "آمنت باللّٰه وملائكته وكتبه ورسله وباليوم الآخر". ففي الوقت الذي ترشد "رسائل النور" إلى تلك الحقائق بأوضح صورة وأكثرِها قطعية وثبوتًا حتى لأعتى المعاندين المكابرين من الزنادقة وأشد الفلاسفة تمردًا، وتلزمهم الحجة، كم يكون على خطأ من يترك هذه السبيل أو يعطلها أو لا يقنع بها ويدخل الزوايا المغلقة دون استئذانٍ من الرسائل تبعًا لهواه! ويبين في الوقت نفسه مدى كوننا مستحقين لهذه الصفعة، صفعة الرحمة والتأديب.
سعيد النورسى
* * *
"تنبيه"
حكايتان صغيرتان
الحكاية الأولى: عندما كنت أسيرًا في شمالي روسيا قبل خمسة عشر عاما [٭]: المقصود سنة ١٩١٦م. في قاعة مصنع كبير، مع تسعين من ضباطنا، كانت المناقشات تحتد والأصوات تتعالى نتيجة الضجر وضيق المكان. وكنت أهدّئهم حيث كانوا جميعًا يحترمونني. ثم عينتُ خمسًا من الضباط لإقرار الهدوء وقلت لهم: إذا سمعتم الضوضاء في أية ناحية أسرعوا إليها، وعاونوا الجهة غير المحقة. وحقًا لقد انتهت الضوضاء نتيجة هذا العمل. فسألوني: لِمَ قلت: عاونوا غير المُحق؟ وقد أجبتهم حينها: إنَّ غير المحق، هو غير منصف، لا يدع درهمًا من راحته لأربعين درهمًا من راحة الجميع. أما المحق فيكون ذا أنصاف يضحي براحته التي تعدل درهمًا، لراحة صديقه التي تعدل أربعين درهمًا. وبتخلّيه عن راحته هذه، تسكن الضوضاءُ وينتهي الصخب ويعم الهدوء. فيرتاح الضباط التسعون الساكنون في هذه القاعة. ولكن إذا مدّ المحقّ بقوة يزداد الصخب أكثر. ففي مثل هذه الحياة الاجتماعية تؤخذ المصلحة العامة بنظر الاعتبار.
فيا إخوتي لا يستاء بعضُكم من بعض قائلًا: إن أخي هذا لم ينصفني أو أجحف بحقي..
— 399 —
فهذا خطأ جسيم في هذه الحياة وفي اجتماعنا هذا. فلئن أضرّك صاحبُك بدرهم من الضرر، فإنك باستيائك منه وهجرك إياه تلحق أربعين درهمًا من الأضرار. بل يحتمل إلحاق أربعين ليرة من الأضرار برسائل النور. ولكن وللّٰه الحمد فإن دفاعاتنا الحقة القوية والصائبة جدًّا قد حالت دون أخذ أصدقائنا إلى الاستجواب وأخذ إفادتهم المكررة، فانقطع دابر الفساد. وإلّا لكان الاستياء الذي وقع بين الإخوة يلحق بنا أضرارًا جسيمة. كسقوط قشة في العين أو سقوط شرارة في البارود.
الحكاية الثانية: كان لعجوز ثمانيةُ أبناء. أعطت لكل منهم رغيفًا دون أن تستبقي لها شيئًا. ثم أرجعَ كلٌّ منهم نصفَ رغيفه إليها. فأصبح لديها أربعة أرغفة، بينما لدى كل منهم نصف رغيف.
إخوتي إنني أشعر في نفسي بنصف ما يتألم به كلٌّ منكم من آلام معنوية وأنتم تبلغون الأربعين، إنني لا أبالي بآلامي الشخصية. ولكن اضطررت يومًا فقلت: "أهذا عقاب لخطئي وأُعاقب به"- فتحرّيت عن الحالات السابقة. فشاهدت أنه ليس لدي شيء من تهييج هذه المصيبة وإثارتها، بل كنت أتخذ منتهى الحذر لأتجنّبها.
بمعنى أن هذه المصيبة قضاءٌ إلهي نازل بنا.. فلقد دُبّرت ضدّنا منذ سنة من قبَل المفسدين فما كان بطوقنا تجنُّیبُها، فلقد حمّلونا تبعاتها فلا مناص لنا مهما كنا نفعل. فلله الحمد والمنة أن هوّنَ من شدة المصيبة من المائة إلى الواحد.
بناءً على هذه الحقيقة: فلا تمنّوا عليّ بقولكم: إننا نعاقَب بهذه المصيبة من جرائك. بل سامحوني وادعوا لي. ولا ينتقدنّ بعضُكم بعضًا. ولا تقولوا: لو لم تفعل كذا لما حدث كذا.. فمثلًا إن اعتراف أحد إخواننا عن عدد من أصحاب التواقيع (على الرسائل) أنقذ الكثيرين. فهوّن من شأن الخطة المرسومة في أذهان المفسدين الذين يستعظمون القضية. فليس في هذا ضرر، بل فيه نفع عام عظيم. لأنها أصبحت وسيلة لإنقاذ الكثيرين من الأبرياء.
سعيد النورسي