اللمعات العربية
— 391 —

"إنزال الأنعام"

﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ وَأنزلَ لكُم مِن الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ يَخْلُقُكُم في بُطونِ اُمّهاتِكُم خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلقٍ في ظُلُماتٍ ثَلیییث ﴾
(الزمر:٦)
إنَّ هذه الآية الكريمة تتضمن النكتة نفسها التي بينّاها في الآية الكريمة: وأنزلْنا الحديدَ فهي تؤيدها وتتأيد بها في الوقت نفسه.
نعم، إنَّ القرآن الكريم يقول في سورة الزمر:
﴿ وَأنزلَ لكُم مِن الأنعامِ ثمانيةَ أزواجٍ ﴾
ولا يقول: "وخلق لكم من الأنعام ثمانية أزواج" وذلك للإفادة بأن ثمانية أزواج من الحيوانات المباركة قد أُنزلت لكم وأُرسلت إليكم من خزينة الرحمة الإلهية وكأنها مرسلةٌ من الجنة، لأن تلك الحيوانات المباركة نعمةٌ بجميع جهاتها للبشرية كافة. فمن أشعارها وأوبارها يستفيد البدو في حلّهم وترحالهم، ومنها تُنسج الملابس، ومن لحومها تهيأ ألذّ المأكولات، ومن ألبانها تستخرج أطيب الأطعمة، ومن جلودها تصنع الأحذية والنعال وغيرها من المواد النافعة، حتى إن روثَها يكون رزقًا للنباتات ووقودًا للإنسان. فكأن تلك الحيوانات المباركة قد تجسّمت وأصبحت النعمةَ بعينها والرحمة بنفسها. ولهذا أُطلق عليها اسم "الأنعام" مثلما أطلق على المطر اسم "الرحمة". فكأن الرحمةَ قد تجسمت مطرًا والنعمةَ تجسدت في صور شتى من أشكال المعزى والضأن والبقر والجاموس والإبل. وعلى الرغم من أن موادها الجسمانية تُخلق في الأرض، فإن صفة النعمة ومعنى الرحمة قد غلبتا واستحوذتا على مادتها، فعبّر القرآن عنها بی"أنزل" الذي يفيد: أن الخالق قد أنزل هذه الحيوانات المباركة من خزينة الرحمة مباشرة، أي أنَّ الخالق الرحيم قد أرسلها من مرتبة رحمته الرفيعة، ومن جنته المعنوية العالية، هديةً إلى وجه الأرض بلا وساطة.
— 392 —
نعم، تُدرج أحيانًا صنعةٌ تقدّر بخمس ليرات في مادة لا تساوي خمسةَ قروش، فلا تؤخذ مادةُ الشيء بنظر الاعتبار، بل تُعطى الأهمية للصنعة الموجودة عليها، كالصنعة الربانية العظيمة الموجودة في الجرم الصغير للذباب. وأحيانًا تكون صنعةٌ زهيدة في مادة ثمينة، فالحُكم عندئذٍ للمادة.
على غرار هذا المثال: فإن مادة جسمانية قد تحمل من معاني الرحمة ومعاني النعمة الكثيرة بحيث تفوق مائةَ مرة في الأهمية على مادتها. حتى لكأن مادةَ ذلك الشيء تختفي وتنیزوي أمامَ عِظَم أهمية النعمة والرحمة، لذا فالحُكم هنا يتوجه إلى حيث النعمة.
وكما تُخفي المنافعُ العظيمة للحديد وفوائدُه الكثيرة مادتَه المادية، فإن النعمة الموجودة في كل جزء من أجزاء هذه الحيوانات المباركة المذكورة كأنها قد قلبت مادتها الجسمانية إلى نعمة، فأُخذت صفاتها المعنوية بنظر الاعتبار دون مادتها الجسمانية. لذا عُبِّرَ عنها في الآية الكريمة "وأنزل ... وأنزلنا".
نعم، إن عبارة "وأنزل.. وأنزلنا" كما تفيد النكات السابقة من حيث الحقيقة فإنها تفيد أيضًا معنًى بلاغيّا مهمًا إفادة معجزة. وذلك: أنَّ منحَ الحديد خواصَّ مميزة، كوجوده في كل مكان، وسهولة تليينه كالعجين، نعمةٌ إلهية. حيث يمكن الحصول عليه واستعماله في كل عمل رغم صلابته واختفائه ووجوده في الأعماق فطرةً، لذا فإن التعبير بی وأنزلْنا الحديدَ إنما يبين هذا المعنى أي كأنَّ الحديد نعمةٌ من النعم الفطرية السماوية التي يمكن الحصول عليها بيُسر، وكأن مادة الحديد تنیزل من مصنع علوي رفيع وتسلَّم بيد الإنسان بسهولة.
وكذلك الحيوانات الضخمة كالبقر والجاموس والإبل وغيرها من المخلوقات الجسيمة، مسخّرةٌ وذليلة ومطيعة ومنقادة حتى لصبي صغير، إذ تسلّم قيادها له وتطيعه. لذا فالتعبير بی وَأنزلَ لكُم مِن الأنعامِ يفيد أن هذه الحيوانات المباركة ليست حيوانات دنيوية يُستوحَش منها وتلحق بنا الضرر كالبعوض والحية والعقرب والذئب والسبع وما شابهها من الضواري المفترسة، بل كأنها حيوانات آتية من جنة معنوية، لها منافع جليلة، ولا يأتي منها ضرر، بل كأنها تنیزل من الأعلى ، أي من خزينة الرحمة.
— 393 —
ولعل المقصود من قول بعض المفسرين: إن هذه الحيوانات قد أُنزلت من الجنة ناشئ من هذا المعنى المذكور.
(٭): لقد قال بعض المفسرين : إن مبادئ هذه الحيوانات قد أتت من السماوات. ومرادهم في ذلك: أن بقاء هذه الحيوانات المسماة بالأنعام، إنما هو بالرزق، وأن أرزاقها هي الأعشاب والنباتات، ورزق الأعشاب آت من المطر، والمطر باعث على الحياة ورحمة نازلة من السماء، فالرزق آت من السماوات. والآية الكريمة (وفي السماء رزقكم) (الذاريات:٢٢) تشير إلى هذا المعنى. إذ لما كانت إدامة أجسام الحيوانات المتجددة هي بالمطر النازل من السماوات، فإن التعبير بی "أنزلنا" هو في موضعه اللائق (المؤلف).
إن كتابة صحيفة كاملة حول إيضاح ما في حرف واحد من القرآن الكريم من مسائل ونكات لا تعدّ إطنابًا، فليس إذن من الإسراف في شيء كتابتنا ثلاث صفحات لبيان نكات العبارة القرآنية "أنزلنا". بل قد يكون أحيانًا حرف واحد من القرآن الكريم مفتاحًا لخزينة معنوية عظيمة.

* * *

"دستور"
إنَّ طلاب النور لا يتحرَّون عن نورٍ خارج دائرة "رسائل النور"، وما ينبغي لهم. ولو تحرّى أحدٌ منهم فلا يجد إلّا مصباحًا بدلًا من شمس معنوية تضيء من نافذة "رسائل النور"، بل قد يفقد الشمس.
ثم إنَّ ما في دائرة "رسائل النور" من مشرب الخلة ومسلك الأخوة، هذا المشرب الخالص والمسلك القوي الذي يُكسب الفردَ الواحد أرواحًا كثيرة ويُظهر سرًا من أسرار الأخوة التي ورثها الصحابةُ الكرام من نور النبوة، هذا المشرب لا يدع حاجةً إلى البحث عن المرشد الوالد في الخارج -مع إضرارٍ به بثلاث جهات- بل يوجِد له بدلًا من الوالد المرشد الواحد، إخوانًا كبارًا كثيرين. فلا شك أنَّ ما تسبغه أنواعُ الشفقة النابعة من قلوب إخوة كبار، يسقط من القيمة شفقة الوالد الواحد.
نعم، إنَّ الذي اتخذ لنفسه شيخًا قبل دخوله الدائرة يمكنه أن يحافظ على رابطته بشيخه ومرشده ضمن الدائرة أيضًا، ولكن مَنْ لم يكن له شيخ بعد الدخول في الدائرة، ليس له أن يتخذ شيخًا إلّا ضمن الدائرة.
— 394 —
ثم إنَّ ما في درس "رسائل النور" للحقائق من علم الحقيقة الذي يمنح فيضَ الولاية الكبرى النابعة من سر الوراثة النبوية، لا يدع حاجة إلى الانتماء إلى الطرق الصوفية خارجَ الدائرة، إلّا من فهم الطريقة على غير وجهها وكأنها رؤًى جميلة وخيالات وأنوار وأذواق، ويرغب في الحصول على أذواق الدنيا وهوساتها مما سوى فضائل الآخرة، ويطلب مقام المرجعية كعبَدة النفس.
إنَّ هذه الدنيا دارُ حكمة. والأجر والثواب فيها على قدر المشقات والتكاليف، وهي ليست دارَ مكافأة وجزاء. ولهذا لا يهتم أهلُ الحقيقة بالأذواق والأنوار التي في الكشف والكرامات، بل قد يفرّون منها ويريدون سترها.
ثم إنَّ دائرة "رسائل النور" دائرةٌ واسعة جدًّا، وطلابها كثيرون جدًّا، فلا تعاقب الذين يهربون منها، ولا تهتم بهم. وربما لا تدخلهم ضمن دائرتها مرة أخرى. لأنَّ الإنسان يملك قلبًا واحدًا والقلب الواحد لا يمكن أن يكون في داخل الدائرة وخارجها معًا.
ثم إنَّ الراغبين في إرشاد الآخرين ممن هم خارج دائرة النور، عليهم ألّا ينشغلوا بطلاب النور لأن احتمال خسرانهم بثلاث جهات وارد. فالطلاب الذين هم في دائرة التقوى ليسوا بحاجة إلى الإرشاد، علمًا أن في الخارج الكثيرين من تاركي الصلاة، فتركُ أولئك والانشغالُ بهؤلاء المتقين ليس من الإرشاد في شيء. فإن كان ممن يحب هؤلاء الطلاب فليدخل أولًا ضمن الدائرة، وليكن لهم أخًا، وإن كان ذا مزايا وفضائل فليكن لهم أخًا كبيرًا.
ولقد تبيّن في هذه الحادثة أن للانتساب إلى "رسائل النور" أهميةً عظيمة وثمنًا غاليًا جدًّا، فالراشد الذي بذل هذه التضحيات وجاهد الإلحاد باسم العالم الإسلامي، لا يترك هذا المسلك الذي هو أثمنُ من الألماس ولا يستطيع أن يدخل مسالك أخرى غيره.
سعيد النورسي

* * *