— 388 —
"إنزال الحديد"
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ وأنزلْنا الحديدَ فيه بأسٌ شَديدٌ وَمَنافعُ للنّاس ﴾
(الحديد:٢٥)
جواب مهم جدًّا ومختصر عن سؤال يخصّ هذه الآية الكريمة، طرحَه رجل له أهميته وعلى علم واسع، وألزم به بعضَ العلماء.
سؤال:
يقال: إنَّ الحديد يخرج من الأرض ولا ينیزل من السماء حتى يقال: "أنزلنا". فلِمَ لم يقل القرآن الكريم: "أخرجنا" بدلًا عن "أنزلنا" الذي لا يوافق الواقع ظاهرًا؟
الجواب: إنَّ القرآن الكريم قد قال كلمة " أنزلنا" لأجل التنبيه إلى جهة النعمة العظيمة التي ينطوي عليها الحديد والتي لها أهميتُها في الحياة. فالقرآن الكريم لا يلفت الأنظار إلى مادة الحديد نفسِها ليقول "أخرجنا" بل يقول "أنزلنا" للتنبيه إلى النعمة العظيمة التي في الحديد وإلى مدى حاجة البشر إليه. وحيث إنَّ جهةَ النعمة لا تخرج من الأسفل إلى الأعلى بل تأتى من خزينة الرحمة، وخزينةُ الرحمة بلا شك عاليةٌ وفي مرتبة رفيعة معنًى، فلابد أن النعمة تنیزل من الأعلى إلى الأسفل، وأن مرتبة البشر المحتاج إليها في الأسفل، وأن الإنعامَ هو فوق الحاجة. ولهذا فالتعبير الحق الصائب لورود النعمة من جهة الرحمة إسعافًا لحاجة البشر هو: "أنزلنا" وليس "أخرجنا".
ولما كان الإخراجُ التدريجي يتم بيد البشر، فإن كلمة "الإخراج" لا يُشعر جهة النعمة ولا يجعلها محسوسةً بأنظار الغافلين.
نعم لو كانت مادة الحديد هي المرادة، فالتعبير يكون "الإخراج" باعتبار المكان المادي. ولكن صفات الحديد، والنعمة التي هي المعنى المقصود هنا، معنويتان؛ لذا لا يتوجه هذا المعنى إلى المكان المادي، بل إلى المرتبة المعنوية.
— 389 —
فالنعمة الآتية من خزينة الرحمة التي هي إحدى تجليات مراتب سمو الرحمن ورفعته غير المتناهية تُرسل من أعلى مقام إلى أسفل مرتبة بلا شك ؛ لذا فالتعبير الحق لهذا هو: "أنزلنا". والقرآن الكريم ينبّه البشر بهذا التعبير إلى أن الحديد نعمة إلهية عظيمة. نعم، إنَّ الحديد هو منشأُ جميع الصناعات البشرية ومنبعُ جميع رقيّها ومحور قوتها، فلأجل التذكير بهذه النعمة العظمى يذكر القرآن بكل عظمة وهيبة وفي مقام الامتنان والإنعام قائلًا:
﴿ وأنزلْنا الحديدَ فيه بأسٌ شَديدٌ وَمَنافعُ للنّاس ﴾
كما يعبّر عن أعظم معجزة لسيدنا داود عليه السلام بقوله تعالى: وألنّا له الحديد (سبأ:١٠). أي أنه يبين تليين الحديد معجزة عظيمة ونعمة عظيمة لنبي عظيم.
ثانيًا: إن "الأعلى" و "الأسفل" تعبيران نسبيان، فيكون الأعلى والأسفل بالنسبة إلى مركز الكرة الأرضية. حتى إنَّ الذي هو أسفل بالنسبة إلينا هو الأعلى بالنسبة لقارة أمريكا. بمعنى أن المواد الآتية من المركز إلى سطح الأرض تتغير أوضاعُها بالنسبة إلى مَن هم على سطح الأرض.
فالقرآن المعجز البيان يقول بلسان الإعجاز: إنَّ للحديد منافعَ كثيرة وفوائد واسعة، بحيث إنه ليس مادة اعتيادية تخرج من مخزن الأرض التي هي مسكن الإنسان، وليس هو معدنًا فطريًا يستعمل في الحاجات كيفما اتفق. بل هو نعمةٌ عظيمة أنزلَها خالق الكون بصفته المهيبة "رب السماوات والأرض" أنزلها من خزينة الرحمة وهيأها في المصنع العظيم للكون، ليكون مدارًا لحاجات سكنة الأرض. فعبّر عنه بالإنزال قائلًا وأنزلْنا الحديدَ لأجل بيان المنافع العامة التي ينطوي عليها الحديد وفوائده الشاملة، كما للحركة والحرارة والضياء الآتي من السماء فوائد. تلك التي ترسل من مصنع الكون. فالحديد لا يخرج من المخازن الضيقة لكرة الأرض، بل هو في خزينة الرحمة التي هي في قصر الكون العظيم ثم أُرسل إلى الأرض ووضع في مخزنها كيما يمكن استخراجه من ذلك المخزن حسب حاجة العصور تدريجيًا.
فلا يريد القرآن الكريم أن يبين استخراج الحديد هذا تدريجيًا من هذا المخزن الصغير، الأرض. بل يريد أن يبين أن تلك النعمة العظمى قد أنزلت من الخزينة الكبرى للكون مع كرة الأرض، وذلك لإظهار أن الحديد أكثر ضرورة لخزينة الأرض. بحيث إن الخالق الجليل عندما فصل الأرضَ عن الشمس أنزل معها الحديد ليحقق أكثر حاجات البشر ويضمنها.
— 390 —
فالقرآن الحكيم يقول بإعجاز، ما معناه: أنجزوا بهذا الحديد أعمالكم واسعوا للاستفادة منه بإخراجه من باطن الأرض.
وهذه الآية الجليلة تبين نوعين من النعم التي هي محور لدفع الأعداء وجلب المنافع. ولقد شوهد تحقق منافع الحديد المهمة للبشرية قبل نزول القرآن، إلّا أن القرآن يبين أن الحديد سيكون في المستقبل في صور تحيّر العقول سيرًا في البحر والهواء والأرض حتى إنه يسخّر الأرض ويظهر قوة خارقة تهدد بالموت، وذلك بقوله تعالى: فيه بأسٌ شَديدٌ مُظهرًا لمعة إعجاز في إخبار غيبي.
* * *
عندما تطرق البحث عن النكتة السابقة انفتح الكلامُ حول هدهد سليمان. فيسأل أحدُ إخواننا الذي يلح في السؤال: (٭): هو "رأفت"؛ الغيور في طرح الأسئلة والمتكاسل في كتابة الرسائل. (المؤلف). إن الهدهد يصف الخالق الكريم سبحانه بقوله:
يخرج الخبء في السمیوات والارض
(النمل:٢٥) فما سبب ذكره في هذا المقام الجليل هذا الوصف الرقيق بالنسبة إلى الأوصاف الجليلة؟.
الجواب: إنَّ إحدى مزايا الكلام البليغ هو أن يُشعر الكلامُ صنعةَ المتكلم التي ينشغل بها. فهدهد سليمان الذي يمثل عريف الطيور والحيوانات كالبدوي العارف الذي يكشف بالفراسة الشبيهة بالكرامة مواضع الماء الخفية في صحراء جزيرة العرب الشحيحة بالماء. فهو طيرٌ ميمون مأمور بإيجاد الماء ويعمل عمل المهندس لدى سيدنا سليمان عليه السلام، فلذلك يُثبت بمقياسِ صنعتِه الدقيقة، كونَ اللّٰه معبودًا ومسجودًا له، بإخراجه سبحانه ما خبئ في السماوات والأرض، فيعرّف إثباته هذا بصنعته الدقيقة.
ألا ما أحسنَ رؤيةَ الهدهد! إذ ليس من مقتضى فطرة ما تحت التراب من المعادن والنوى والبذور التي لا تحصى، أن تخرج من الأسفل إلى الأعلى. لأنَّ الأجسام الثقيلة التي لا روح لها ولا اختيار لا تصعد بنفسها إلى الأعلى، وإنما تسقط من الأعلى إلى الأسفل. فإخراج جسم مخفي تحت التراب، من الأسفل إلى الأعلى ونفض التراب الثقيل الجسيم من على كاهله الجامد لابد أن يكون بقدرة خارقة لا بذاته. فأدرك الهدهد أخفى براهين كون اللّٰه تعالى معبودًا ومسجودًا له وكشفَها بعارفيته ووجَد أهم تلك البراهين بصنعته، والقرآن الحكيم منح إعجازًا بالتعبير عنه.