— 385 —
"الكلمات الإلهية"
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ قُل لَو كان البحرُ مِدادًا لكلمات ربّي لَنَفِد البحرُ قبل ان تَنفَدَ كلماتُ ربّي ولو جئنا بمثله مَددًا ﴾
(الكهف: ١٠٩)
إنَّ هذه الآية اللطيفة بحرٌ واسع رفيع زاخرٌ باللآلئ والدرر، ينبغي لكتابة جواهرها النفيسة كتابةُ مجلد ضخم، لذا نعلّقها إلى وقت آخر بمشيئة اللّٰه. ولقد تراءى لي من بعيد شعاعٌ صدر من نكتة من نكاتها الدقيقة، فلَفتَ نظر فكري إليه بعد أذكار الصلاة التي أعدّها أفضلَ وقت لخطور الحقائق. إلّا أنني لم أتمكن من تسجيل تلك النكتة في حينه، فتباعد ذلك الشعاعُ كلما مرّ الزمان، فنذكر هنا بضعَ كلماتٍ لتخط حوله دوائر لاقتناص جلوة منها قبل أن يغيب كليًا ويتوارى عن الأنظار.
الكلمة الأولى: إنَّ الكلام الأزلي صفة إلهية، كالعلم والقدرة، لذا فهو غيرُ محدد وغير متناهٍ، والذي لا نهاية له لا ينفد ولو كان البحر مدادًا له.
الكلمة الثانية: إنَّ أَظهرَ شيء للإشعار بوجود شخص ما هو تكلُّمُه، فهو أَقوى أثرٍ للدلالة عليه؛ إذ سماعُ كلام صادر من شخص ما، يثبت وجودَه إثباتًا يفوق ألف دليل، بل بدرجة الشهود. لذا فإن هذه الآية تقول بمعناها الإشاري:
— 386 —
لو كان البحر مدادًا لعدّ الكلام الإلهي الدالّ على وجوده سبحانه وتعالى وكانت الأشجار أقلامًا تكتب ذلك العدد، ما نفد كلامُ اللّٰه. بمعنى أن ما يدل على الأحد الصمد -دلالة الكلام على المتكلم- لا يعدّ ولا يحصى ولا حدّ له، حتى لو كانت البحار مدادًا له.
الكلمة الثالثة: لما كان القرآن الكريم يرشد جميع الطبقات البشرية إلى حقائق الإيمان، يكرر ظاهرًا الحقيقة الواحدة بمقتضى تقريرها في القلوب وتثبيتها في أفكار العامة وإقناعهم.
لذا فهذه الآية الكريمة جوابٌ ضمني لأهل العلم وعلماء اليهود من أهل الكتاب في ذلك الوقت، على اعتراضهم المُجحف الظالم ظلمًا بيّنًا على أُمية الرسول العظيم (ص) وعلى قلة علمه.
فالآية تقول: إنَّ تكرار المسائل الجليلة التي لكل منها قيمةُ ألف مسألة وتتضمن ألوفًا من الحقائق -كما هي في مسائل الأركان الإيمانية- تكرارًا معجزًا وبأساليب شتى، وإن تكرار حقيقة واحدة وهي تتضمن كثيرًا جدًّا من النتائج من حيث الفوائد المتنوعة، لإقرارها في قلوب الناس كافة ولاسيما العوام.. هذا التكرار الذي تقتضيه حِكمٌ كثيرة -كالتقرير والإقناع والتحقيق- لا يعدّ حصرًا للكلام ولا هو نابع من قصور الذهن ولا من قلة البضاعة وقصر الباع، بل لو كانت البحارُ مدادًا، وذوو الشعور كتّابًا والنباتات أقلامًا، بل حتى الذرات لو كانت رؤوسَ أقلام وقامت كلُّها بعدّ كلمات الكلام الإلهي الأزلي، ما نفدت أيضًا، لأنَّ كل ما ذُكِر من أمور هي متناهية، وكلماتُ اللّٰه غير متناهية، وهي منبع القرآن الكريم المتوجه إلى عالم الشهادة من عالم الغيب مخاطبًا الجن والإنس والملائكة والروحانيين، فيرنّ في أسماع كل فرد منهم. ولا غرو فهو النازل من خزينة الكلام الإلهي الذي لا ينفد.
الكلمة الرابعة: من المعلوم أنَّ صدور كلامٍ مما لا يُتوقع منه الكلام، يمنح الكلامَ أهمية ويدفع إلى سماعه، ولاسيما الأصداء الشبيهة بالكلام، الصادرة من الأجسام الضخمة كالسحاب وجوّ السماء، فإنها تحمل كلَّ أحدٍ على سماعها باهتمام بالغ، وبخاصة النغمات التي يطلقها جهازٌ ضخم ضخامةَ الجبل فإنها تجلب الأسماع إليها أكثر. ولاسيما الصدى السماوي القرآني الذي
— 387 —
يبث -بالراديو- فترنّ به السماوات العلى حتى تسمع هامة الكرة الأرضية برمّتها. فتصبح ذراتُ الهواء بمثابة لاقطات تلك الحروف القرآنية ومراكز بثّها. فتكون الذراتُ بمثابة المرايا العاكسة للأنوار والآذان الصاغية للأصداء، والألسنة الذاكرة لها، وكأنها نهايات إبر لجهاز حاكٍ عظيم تخرج الأصوات.
فالآية تبين رمزًا مدى أهمية الحروف القرآنية ومدى قيمتِها ومزاياها وكونها نابضةً بالحياة، فتقول بمعناها الإشاري: إنَّ القرآن الكريم الذي هو كلام اللّٰه، حيٌّ يتدفق بالحيوية، رفيعٌ سام إلى حدّ لا ينفد عدد الأسماع التي تنصت إليه ولا عدد الكلمات المقدسة التي تدخل تلك الأسماع.. لا تنفد تلك الأعداد حتى لو كانت البحار مدادًا والملائكة كتّابًا لها والذرات نقاطًا والنباتات والشعور أقلامًا.
نعم، لا تنفد، لأنَّ اللّٰه سبحانه الذي يُكثر في الهواء عدد ما لا روحَ فيه ولا حياة من كلام الإنسان الضعيف، إلى الملايين فكيف بعدد كل كلمة من كلام رب السماوات والأرض الذي لا شريك له والمتوجّه إلى جميع ذوي الشعور في السماوات والأرضين.
الكلمة الخامسة:
عبارة عن حرفين:
الحرف الأول: كما أن لصفة الكلام كلماتٍ، كذلك لصفة القدرة كلماتٌ مجسمة. ولصفة العلم كلماتٌ قَدَرية حكيمة وهي الموجودات ولاسيما الأحياء ولاسيما المخلوقات الصغيرة، فكلٌّ منها كلمةٌ ربانية بحيث تشير إلى المتكلم الأزلي إشارةً أقوى من الكلام. فهذه الآية الكريمة تومئ إلى هذا المعنى: إنَّ إحصاء عدد تلك المخلوقات لا ينفد حتى لو كانت البحارُ مدادًا له.
الحرف الثاني: إنَّ جميع أنواع الإلهام الآتي إلى الملائكة والإنسان وحتى إلى الحيوانات، نوعٌ من كلام إلهي. فلا شك أنَّ كلمات هذا الكلام غير متناهية. فإن الآية الكريمة تخبرنا عن مدى كثرةِ ولا نهائية عدد كلمات الإلهام والأمر الإلهي الذي يستلهمه دومًا ما لا يعدّ ولا يحصى من جنود رب السماوات والأرض.
والعلم عند اللّٰه .. ولا يعلم الغيب إلّا اللّٰه