— 381 —
"الحروف القرآنية"
[٭]: هذه العناوين الصغيرة وضعت من قبلنا.
﴿ بسم اللّٰه الرحمن الرحيم ﴾
﴿ انما أمره اذا ارادَ شيئًا ان يقول له كُن فيكون ﴾
(يس:٨٢)
يفهم من إشارة هذه الآية الكريمة: أنَّ الخلق يتم بالأمر ، وأن خزائن القدرة الإلهية بين الكاف والنون. ولهذا السر الدقيق وجوهٌ كثيرة، وقد ذُكر بعضُها في الرسائل.
أما الآن فنحاول أن نفهم هذا السر وفق مثالٍ مادي محسوس لأجل تقريب الأحاديث النبوية الواردة حول خواص الحروف القرآنية ومزاياها وتأثيراتها المادية -ولاسيما الحروف المقطّعة في أوائل السور- إلى نظر هذا العصر المادي، وذلك:
إنَّ للخالق الجليل ذي العرش العظيم سبحانه وتعالى أربعةَ عروشٍ إلهية، هي محاورُ لتدبير أمور المخلوقات الموجودة على كرة الأرض، التي هي بمثابة مركز معنوي للعالم وقلبِ الكائنات وقبلتِها.
أحدها: هو عرش الحفظ والحياة وهو التراب، المُظهِر لتجلي اسم الحفيظ والمحيي.
ثانيها: هو عرش الفضل والرحمة وهو عنصر الماء.
ثالثها: هو عرش العلم والحكمة وهو عنصر النور.
رابعها: هو عرش الأمر والإرادة وهو عنصر الهواء.
إننا نشاهد بأبصارنا ظهورَ المعادن التي تدور عليها حاجات غير محدودة حيوانية وإنسانية، وظهورَ ما لا يحد من النباتات المختلفة، من تراب بسيط. كما نشاهد ظهور ما لا يحد من معجزات الصنعة الإلهية ولاسيما من نطف الحيوانات التي هي سائلٌ شبيه بالماء، ظهورَها في الأحياء المختلفة من الماء .. أي ظهور تلك الكثرة الكاثرة والأنواع المختلفة من عنصر بسيط
— 382 —
(التراب، الماء)، وبانتظام تام وكتابتها على صحيفة بسيطة على صورة نقوش بديعة لا تحد، مما يدلنا على أن "النور والهواء" أيضًا -كهذين العرشين- مظاهر لمعجزات عجيبة لقلم عِلم المصوّر الأزلي العليم الجليل وقلمِ إرادته وأمره كالعرشين السابقين، رغم بساطتهما.
سندع حاليًا عنصر النور. ولمناسبة مسألتنا نحاول كشف الحجاب عما يستر عجائبَ الأمر والإرادة وغرائبهما في عنصر الهواء الذي يمثّل عرش الأمر والإرادة بالنسبة إلى كرة الأرض. وذلك:
كما أننا نزرع الحروف والكلمات بالهواء الذي في أفواهنا، وإذا بها تتسنبل وتثمر، أي أن الكلمة تُصبح حبةً في آن واحد كأنها بلا زمان وتتسنبل في الهواء الخارجي، هواءً حاويًا على ما لا يحد من الكلمة نفسها، صغيرها وكبيرها. كذلك ننظر إلى عنصر الهواء فنرى أنه مطيعٌ ومنقاد لأمر كن فيكون ومسخَّر له إلى حدّ عظيم حتى كأن كلَّ ذرة من ذراته جنديٌ لجيش منظم متأهب لتلقي الأمر في كل آن، ويُظهر الطاعةَ والامتثال للإرادة المتجلية في أمر "كن" بلا زمان، سواءً في ذلك أبعدُ الذرات وأقربُها.
مثلًا: إنَّ الخطاب الذي يلقيه إنسان من الإذاعة يُسمَع في كل مكان في الأرض في الوقت نفسه وكأنه بلا زمان -بشرط وجود الراديوات- مما يبين مدى امتثال كل ذرة من ذرات الهواء لتجلي أمر كن فيكون امتثالًا كاملًا.
فالأمر كذلك في الحروف التي هي غير مستقرة في الهواء، يمكن أن تصبح بكيفياتها القدسية مظاهرَ لتأثيرات خارجية ولخواصَّ مادية كثيرة حسب سر الامتثال هذا. فتشاهَد فيها خاصيةٌ، كأنها تقلب المعنويات إلى ماديات وتحوّل الغيبَ إلى شهادة.
وهكذا بمثل هذه الأمارة، فإن أمارات أخرى لا تحد تُظهِر لنا أن الحروفَ التي هي موجودات هوائية، ولاسيما الحروف المقدسة والحروف القرآنية وبخاصة حروف الشفرات الإلهية وهي المقطعات التي في أوائل السور، تسمع الأوامرَ وتمتثلها امتثالًا في غاية الانتظام والشعور التام والحساسية الكاملة وبلا حاجة إلى زمان. فلا شك أن هذا يحمل المرءَ على التسليم بالخواص المادية والمزايا الخارقة المرويّة للحروف التي في ذرات الهواء ومن حيث القدسية، والتي ينعكس فيها تجلي الإرادة الأزلية وجلوةٌ من أمر كن فيكون.
— 383 —
وهكذا فإن تعابير القرآن الكريم التي تبين أحيانًا أثرَ القدرة كأنها صادرةٌ من صفة الإرادة وصفة الكلام مبنيٌّ على هذا السر. فتلك التعابير القرآنية تدل على أن الموجودات تُخلَق في منتهى السرعة ومسخّرةٌ ومنقادة انقيادًا تامًا للأوامر حتى لكأنَّ الأمرَ يُنفّذ حُكمَه كالقدرة. أي إن الحروف الآتية من الأمر التكويني تؤثر في وجود الأشياء وكأنها قوةٌ مادية، ويَظهر الأمر التكويني كأنه القدرةُ نفسها والإرادةُ نفسها. نعم، إنَّ هذه الموجودات الخفية التي وجودُها المادي هوائي وهي في غاية الخفاء، حتى كأنها موجودات نصف معنوية ونصف مادية، تشاهَد فيها آثارُ الأمر والإرادة بحيث يشبه الأمرُ التكويني القدرة بعينها، بل يصبح القدرةَ نفسَها.
وهكذا لأجل جلب الأنظار والحث على التدبّر في موجودات كأنها برزخ بين المعنويات والماديات يقول القرآن الكريم:
﴿ انما أمره اذا ارادَ شيئًا ان يقول له كُن فيكون ﴾
. لذا فمن المعقول جدًّا أن تكون الحروف المقطّعة التي في أوائل السور أمثال: الم، طس، حم، وماشابهها من الشفرات الإلهية، عُقَدًا وأزرارًا حرفية تستطيع أن تهزّ أوتار العلاقات الدقيقة الخفية بين ذرات الهواء بلا زمان، بل من شأن تلك الحروف ومن وظائفها أن تؤدي مخابرات قدسية -كاللاسلكي المعنوي- من الأرض إلى العرش.
نعم، إنَّ كل ذرة بل كل ذرات الهواء المنتشرة في أقطار العالم تمتثل الأوامر وتنقلها عبر اللاسلكي والهاتف والبرقية، فضلًا عن نقلها سائر السيالات اللطيفة كالكهرباء. فلقد شاهدتُ بالحدس القطعي بل بالمشاهدة الحقة إحدى وظائفها -مما سوى المذكورة- في أَزاهير اللوز، وهي: أن الأشجار المنتشرة في أقطار الأرض كأنها جيش منظم يستلم الأمر نفسه في آن واحد. فبمجرد هبوب نسيم رقيق تستلم الأمر من تلك الذرات، وتظهر وضعًا معينًا. مما أورثتني تلك الحالة يقينًا تامًا وقناعة كاملة بأن قيام الهواء في سطح الأرض كخادم أمين نشط فعال، يخدم ضيوفَ الرحمن الرحيم الذين يسكنون سطح الأرض، يبلّغ في الوقت نفسه أوامر الرحمن بذراته الشبيهة باللاسلكي إلى النباتات والحيوانات، بحيث تكون ذراتُه كلُّها في حكم خدّام الأمر وشبيهة بلاقطات اللاسلكي والهاتف. وفي الوقت نفسه يؤدي بأمر "كن" مهمات جليلة ووظائف منتظمة كثيرة، من أمثال تشكيل الحروف في الفم بعد خروجه منه، وتهوية الأنفاس واسترواح النفوس، أي بعد أدائه وظيفة تنقية الدم الباعث على الحياة، وإشعال
— 384 —
الحرارة الغريزية التي هي وقود الحياة، ثم يخرج الهواء من الفم ويكون مبعثَ نطق الحروف وانطلاقها.. وهكذا تجري وظائفُ كثيرة بأمر كن فيكون.
فبناءً على خاصية الهواء هذه، فإن الحروف التي هي موجودات هوائية كلما اكتسبت قداسةً، أي اتخذت أوضاعَ البث والالتقاط يصبح لها حظٌّ وافر من تلك الخاصية.
لذا فلكون حروف القرآن، في حُكم العُقد، وحروف المقطعات في حكم المركز لرؤوس تلك المناسبات الخفية، وفي حكم عقَدها وأزرارها الحساسة، يكون وجودُها الهوائي مالكًا لهذه الخاصية، كما أن وجودَها الذهني، بل وجودُها النقشي أيضًا، لهما حصة من تلك الخاصية.
أي يمكن بقراءة تلك الحروف وبكتابتها كسبُ الشفاء -كالدواء المادي- والحصول على مقاصد أخرى.
سعيد النورسي