— 376 —
اللمعة الثامنة والعشرون
هذه اللمعة عبارة عن فقرات مختصرة كتبتُها لبعث السلوان إلى قلوب إخواني الذين كانوا معي، حينما كنت ممنوعًا عن التكلم والاختلاط مع الآخرين في سجن "أسكي شهر".
محاورة لطيفة
مع سليمان رشدي الذي هو رمز الوفاء والإخلاص، المتميز بنقاء السريرة.
عندما يقترب زمن تسريح الذباب من مهمة الحياة وذلك في موسم الخريف، يستعمل بعض من يقصد نفعه بالذات مبيدًا لمكافحة الذباب ليحولوا دون أن يمسهم شيء من الإزعاج. فمسَّ ذلك رقة قلبي وأثّر فيَّ كثيرًا. علمًا أن الذباب [٭]: الذباب: يطلق على كل حشرة طائرة (ج) أذبة وذبان. قد تكاثر أكثر من قبل على الرغم من استعمال المبيد القاتل. وكان في غرفتي في السجن حبلٌ لنشر الملابس لأجل تنشيفها فكانت تلك الطويرات الصغيرة جدًّا تتراصف على ذلك الحبل مساءً تراصفًا جميلًا منتظمًا. فقلت لرشدي: لا تتعرض لهذه الطويرات الصغيرة، انشر الملابس في مكان آخر. فردّ عليّ بجدّ: إننا بحاجة إلى هذا الحبل، فلتجد الذبان لها موضعًا آخر!
وعلى كل حال، ولمناسبة المحاورة اللطيفة التي جرت بيننا انفتح بابُ البحث عن الذباب والنحل وما شابههما من الحشرات الكثيرة، فدار الكلام حولها.
فقلت له:
— 377 —
إنَّ مثل هذه الأنواع من الحيوانات التي تتكاثر نسَخُها بكثرة هائلة، لها وظائفُ مهمة. فالكتاب يُطبع طبعات كثيرة نظرًا لقيمته. بمعنى أن جنس الذباب له وظيفةٌ مهمة وقيمة كبيرة حيث يُكثر الفاطرُ الحكيم من نسخ تلك الرسائل القَدَرية وكلمات القدرة الإلهية.
نعم، إنَّ هذه الطائفة من الذباب التي تنظّف وجهَها وعينَيها وجناحيها كل حين، وكأنها تتوضأ، تشكّل موضوعًا مهمًا للآية الكريمة:
﴿ يا ايها الناسُ ضُربَ مثلٌ فاستمعوا له إنّ الذين تَدعونَ من دون اللّٰه لن يَخلُقوا ذبابًا ولو اجتمعوا له وإنْ يَسْلُبهم الذبابُ شيئًا لا يستنقذوه منه ضَعُفَ الطالبُ والمطلوبُ ﴾
(الحج:٧٣).
بمعنى أن الأسباب وما يدعوه أهلُ الضلالة من آلهة من دون اللّٰه لو اجتمعت على خلق ذبابة واحدة لعجَزت. أي إن خلقَ الذباب معجزةٌ ربانية وآيةٌ تكوينية عظيمة، بحيث لو اجتمعت الأسباب كلها لما خلقت مثلَ تلك الآية الربانية ولا استطاعت أن تعارضها ولا تقلدها قطعًا. فتلك المعجزة قهرت نمرود، ودافعتْ عن حكمة خلقها دفاعًا فاق ألفَ اعتراض، لمّا شكى موسى عليه السلام من إزعاجاتها قائلًا: يا رب لِمَ أكثرتَ من نسل هذه المخلوقات المزعجة.. أُجيب إلهامًا: لقد اعترضتَ مرة على الذبان، وهي كثيرًا ما تسأل: يا رب إن هذا الإنسان الكبير ذا الرأس الضخم لا يذكرك إلّا بلسان واحد بل يغفل أحيانًا عن ذكرك، فلو خلقتَ من رأسه فحسب مخلوقاتٍ من أمثالنا لكانت ألوفُ المخلوقات ذاكرةً لك.
وفضلًا عن هذا فإن الذباب يرعى النظافةَ أيّما رعاية، إذ ينظف وجهَه وعينيه باستمرار ويمسح على أجنحته دومًا ويؤدي كل ذلك كمن يتوضأ. إذن لهذه الطائفة وظائفُ مهمة وجليلة بلا شك، إلّا أن نظرَ الحكمة البشرية وعلمَها قاصرٌ لم يحط بعدُ بتلك الوظائف.
نعم، إنَّ اللّٰه سبحانه وتعالى قد خلق قسمًا من الحيوانات مفترسةً آكلة للحوم، وكأنها موظفات صحيّات ومأمورات للتنظيف تؤدي وظيفتها في غاية الإتقان، بتنظيفها وجهَ البحر وجمعِها لجثث ملايين الحيوانات البحرية يوميًّا، وإنقاذ وجه البحر من المناظر القذرة.
(٭): نعم، إن سمكة واحدة تضع ألوفًا من البويضات، فتخرج منها ألوفًا من الصغار وأحيانًا تخرج من مبيضها مليونًا من البويضات، فتكون مواليد الأسماك متناسبة مع وفياتها، كي يمكن أن تحافظ على التوازن في البحر. ومن ألطاف تجليات رحيمية الإلٰهية أنه: لتفاوت أجسام الوالدات تفاوتًا كبيرًا مع أجسام صغارها، فلا تستطيع أن تقود صغارها أينما ذهبت، حيث لا يمكنها الدخول في أماكن تدخلها الصغار، فيولّد الحكيم الرحيم سبحانه قائدًا صغيرًا من بين الصغيرات ويسخّرها في وظيفة الوالدات .(المؤلف).
فإن لم
— 378 —
توف هذه الحيوانات بوظيفتها الصحية حق الوفاء وعلى أجمل وجه لما تلألأ وجهُ البحر كالمرآة الساطعة، ولكان البحر يورث الكآبة والحزن.
وكذا فإنه سبحانه قد خلق حيوانات مفترسة وطيورًا جارحة بمثابة مأمورات للنظافة والأمور الصحية، تقوم بتنظيف وجه الأرض يوميًّا من جثث مليارات من الحيوانات البرية والطيور وإنقاذها من التعفن، وإنقاذ ذوي الحياة من ذلك المنظر الكئيب الأليم. حيث تستطيع تلك الحيوانات أن تتحسس مواضعَ تلك الجثث الخفية والبعيدة من مسافة تبلغ حوالي ست ساعات، وذلك بسَوق من إلهام رباني، فتنطلق إلى تلك المواضع وتزيل الجثث. فلولا هذه الموظفات الصحيات البرية وهي تؤدي وظائفها على أفضل وجه لكان وجهُ الأرض في حالة يرثى لها.
نعم، إنَّ الرزق الحلال للحيوانات الوحشية المفترسة هو لحوم الحيوانات الميتة، وحرام عليها لحوم الحيوانات الحية، بل لها جزاء إن أكلت منها. فالحديث الشريف: (حتى يقتصّ الجمّاءُ من القَرناء) [٭]: عن أبي هريرة رضي اللّٰه عنه أن رسول اللّٰه (ص) قال: "لتؤدُّن الحقوق إلى أهلها يوم القيامة، حتى يقادَ للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" رواه مسلم برقم ٢٥٨٢ والترمذي ٢٥٣٥ (تحفة الأحوذي) (ومعنى الجلحاء: أي التي لا قرن لها). يدل على أن الحيوانات التي تبقى أرواحُها رغم فناء أجسادِها لها جزاءٌ وثواب يناسبها في دار البقاء. فعلى هذا يصح القول: إن لحومَ الحيوانات الحية حرام على المفترسات.
وكذا النمل موظف بجمع شتات القطع الصغيرة للنعم الإلهية وصيانتها من التلف والامتهان لئلا تُداس تحت الأقدام، فضلًا عن جمعه جثث الحيوانات الصغيرة وكأنه موظف صحي.
وكذا الذبان لها وظائف -أهم مما ذكر- فهذه الحشرات مأمورة بتنظيف ما لا يراه الإنسان من جراثيم مرضية وتطهير المواد السامة. فهي ليست ناقلة للجراثيم، بل على العكس، هي تُهلك تلك الجراثيم المضرة وتمحيها بمصّها لها وأكلها، وتحيل تلك المواد السامة إلى مواد أخرى. فتحُول دون سريان كثير من الأمراض، وتُوقِفها عند حدّها.
والدليل على أن الذبان موظفات صحيات، ومأمورات تنظيف وكيمياويات حاذقات، وأن لوجودها حكمة إلهية واسعة.. هو كثرتها المتناهية، إذ المواد النافعة والثمينة يكثّر منها.
— 379 —
أيها الإنسان الذي يقصد نفع ذاته وحده!
انظر إلى فائدة واحدة للذباب تعود إليك فحسب مما سوى فوائده ومنافعه للحياة. وتخلّ عن عدائك له. فكما أنه يورثك الأُنس والسلوان في الاغتراب والوحدة والانفراد، كذلك يوقظك من نوم الغفلة وغمرات تشتت الفكر، فيذكّرك بوظائف إنسانية كالحركة والنشاط والنظافة والوضوء والصلاة بوضعه اللطيف وبوضوئه، وتنظيفه المستمر لوجهه وعيونه، كما هو مشاهد.
وكذا النحل -وهي صنف من الذباب- تُطعمك العسلَ الذي هو ألذّ غذاء وألطفه، وهي الملهمة بالوحي الإلهي كما نص عليه القرآن الكريم. فعليك أن توليها حبَّك.
إنَّ العداء للذباب لا معنى له، بل هو ظلم وإجحاف بحق تلك الحيوانات التي تعاون الإنسان وتسعى لصداقته وتتحمل أذاه. وإنما يجوز مكافحة المضرة منها فحسب، وذلك دفعًا لأضرارها، كدفع ضرر الذئاب عن الأغنام.
فيا ترى أليس من المحتمل أن يكون البعوضُ والبرغوث المسلطان علينا حجّامات فطرية، أي موظفات بمصّ الدم الفاسد الجاري في الأوردة وقت الحر وزيادة الدم أكثر من حاجة الجسم؟.. سبحان من تحيّر في صُنعه العقول..
كنت يومًا في جدال مع نفسي، إذ اغترّت بما أنعم اللّٰه عليها، وتوهمت أنها مالكةٌ لها، وبدأت بالفخر والمدح.
فقلت لها: إنكِ لا تملكين شيئًا بل هو أمانة. فتركت الغرورَ والفخر. ولكنها تكاسلت قائلة: لِمَ أرعى ما ليس لي؟ وماذا عليّ لو ضاع؟.
وفجأة رأيت ذبابةً وقفت على يدي وبدأت بتنظيف وجهها وعينها وجناحيها وهي أمانات لديها تنظيفًا على أجمل ما يكون، مثلما ينظف الجندي سلاحه وملابسه التي سلّمتها له الدولةُ، فقلت لنفسي: انظري إلى هذه الذبابة، فنظرتْ وتعلّمت منها درسًا بليغًا. وهكذا أصبح الذبابُ أستاذًا لنفسي الكسلانة.
إنَّ فضلات الذباب لا ضرر لها من حيث الطب، بل قد تكون شرابًا حلوًا (وغذاءً لحشرات أخرى) [٭]: كما في حشرة المن. إذ ليس من المستبعد عن الحكمة الإلهية، بل من شأنها أن تجعل من الذباب
— 380 —
مكائن تصفية وأجهزة استحالة، نظرًا لأكلها ألوفَ الأصناف من مواد هي منشأ الجراثيم والسموم.
نعم إنَّ من طوائف الذباب -مما سوى النحل- طائفةً تأكل المواد المتعفنة المختلفة
(٭): إن طائفة صغيرة جدًّا من الذباب تُخلق على هيئة كتلة سوداء، على أغصان اللوز والمشمش، في أواخر الربيع، وتبقى ملتصقة بالغصن، وتسيل منها بدلًا من الفضلات، قطرات شبيهة بالعسل فتتجمع حولها أنواع الذباب الأخرى وتمصها. وطائفة أخرى من الذباب تستخدم في تلقيح بعض أزاهير النباتات والأشجار المثمرة، كالتين. وطائفة أخرى للذباب، هي اليراع، المتلمعة ليلًا، وهي أعجوبة تلفت الأنظار وتدعو إلى التدبر والتأمل، كما أن قسمًا منها تتلمع لمعان الذهب. و لا ينبغي أن ننسى البعوض والزنابير المجندات الحاملات للرماح. فلو لم تكن زمام هذه الذبان بيد الخالق الرحيم، وأغارت على الأحياء والإنسان كالبرغوث لأفنت نوع الإنسان كما قتلت نمرود، ولفسّرت لنا المعنى الإشاري للآية الكريمة (وإنْ يَسْلُبهم الذبابُ شيئًا لا يستنقذوه منه.) ولهذا فان جنس الذباب الذي يضم مائة من الطوائف المالكة للمزايا والخواص المذكورة، لها أهميتها التي أهّلتها لتكون موضوع الآية الكريمة (يا ايها الناسُ ضُربَ مثلٌ فاستمعوا له). (المؤلف).
فتقطر دومًا قطرات من مواد حلوة بدلًا من فضلاتها -كنیزول المنّ على أوراق الأشجار- فتثبت أنها مكائن استحالة.
وهكذا يتبين أمام الأنظار مدى عظمة أمة الذباب الصغير هذا، ومدى عظمة وظائفها. وكأنها تقول بلسان الحال: لا تنظروا إلى صغر أجسامنا بل إلى عِظَم وظائفنا. وقولوا: سبحان اللّٰه.