لاحقة قسطموني
— 192 —
وبينما نحن في هذه الكُربة إذْ تبَدَّتْ أمامَنا ثلاثُ طُرُقٍ إلى عالَمٍ مُضيء.. لقد سبق أن شاهدتُ هذه الأرض المَجازية، نعم، جئتُ إلى هنا ذات مرة، وسلكتُ الطُّرُق الثلاثة طريقًا بعد طريق، وهذا هو الطريق الأول، طريقُ الأكثرية، إنه جولةٌ حول العالَم، وهو يَشدُّنا للقيام بهذه السياحة، فهيا نسلكه سيرًا على الأقدام.. انظر إلى بحارِ رمالِ هذه الصحراء تَمُوج هائجةً تُهدِّدنا!! وانظر إلى جبالِ أمواجِ هذا البحر تَهيج غاضبةً تتوعدنا!! ها قد عبرنا بحمد لله إلى الجهة الأخرى ولاح لنا وجه الشمس، ولكن مَن سوانا يُقَدِّر ما قاسَينا من الأهوال؟!
أُفٍّ.. لقد رجعنا من جديدٍ إلى تلك الأرض الموحشة وظُلمة السحاب المُطبِقة!! ونحن أَحْوَجُ ما نحتاجُ إلى عالَمِ ضياءٍ ينير بصيرةَ القلب.. فإنْ كانت لك شجاعةٌ فائقةٌ فتعال نسلك معًا الطريقَ الثاني المحفوفَ بالمخاطر.. سنسلكه إما بالنَّقْبِ في أرض الطبيعة حتى نصِل إلى الجهة الأخرى، أو بالذَّهاب في أنفاقٍ طبيعيةٍ يَغشانا الخوفُ والوَجَل، فلقد سِرتُ في هذا الطريق قَبلُ، وعبرتُه بعَناءٍ كبيرٍ وتضرعٍ كثير، لكنْ كانت معي مادةٌ تُذيب أرضَ الطبيعة وتُفتِّتها، وهي مادةٌ كان القرآنُ زودني بها دليلًا في الطريق.. ويالَه من دليلٍ خارقٍ مُعجِز.
— 193 —
أخي.. اتبعني ولا تَخَف، انظر.. هناك مغاراتٌ تُشبه الأنفاق، ومساراتٌ تحت الأرض تنتظرنا وتُسهِّل عبورنا، ولا تُخيفنَّك الطبيعةُ ولا جُموديَّتُها الرهيبة، فإن خلفَ وجهها العَبوسِ وجهَ صاحبِها الرحيم البسَّام، استشعرتُه بنور تلك المادة القرآنية الشبيهة بالراديوم.
ها قد خرجنا إلى عالَم الضياء فاهْنأْ وقَرَّ عَينًا.. انظر إلى هذه الأرض الغَنَّاء، والسماءِ اللطيفةِ الجميلةِ الفضاء.. ارفع رأسك يا أخي وشاهد شجرةَ طوبى قد بَسَقَتْ نحو السماء، ومَزَّقتْ الحجبَ والغيومَ فخلَّفتْها كالهباء.. انظر إليها تدعونا.. إنها القرآن الكريم.. شجرةُ طوبى التي امتدت أغصانها إلى كلِّ ناحية، فلنستمسك بغصنها الذي تدلِّى ليأخذَنا إلى هناك.
وإنَّ هذه الشجرة السماوية قد تَمثَّلتْ على الأرض بتمثال، هو الشرعُ الأنوَر.. إذًا لقد كنا نَخرج إلى عالَم الضياء بواسطة هذا الطريق من غيرِ مشقةٍ ولا عناء.
فإنْ كنا أخطأنا فلنعد إلى البداية، لنجد الطريق الصحيح المستقيم، فانظر، إنه الطريق الثالث، انظر كيف يقف الطائرُ الملكي المَهيب على ذُرى تلك الجبال الشاهقة يتلو أذانًا تتردد أصداؤه في أرجاء الدنيا.. إنه المؤذِّن الأعظم محمدٌ الهاشمي (ص) يدعو الإنسانَ إلى عالَم النور الأنور، ويُلزِمه بالصلاة والدعاء.
اُنظر إلى جبال الهدى قد اخترقت الغيومَ شاهقةً نحو السماء.. وانظر إلى جبال الشريعة كيف زَيَّنتْ وجه الأرض وكحَّلتْ عينَها.
فلنخرج من هنا، ولنحلِّق بطائرة الهِمَّة إلى هناك.. حيث الضياء والنسيم، وحيث النور والجمال.. ها هو "أُحُدُ" التوحيد ذلك الجبل العزيز.. وذاك "جُوديُّ" الإسلام جبلُ السلامة.. وها هو القرآنُ الأزهرُ "جبلُ القمر" الذي يتفجر من ينابيعِه الثَّرَّةِ النِّيلُ الزُّلال، فاشرب من مائه العذب فإنه ماء الحياة.
فتبارك الله أحسن الخالقين، وآخرُ دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
أيها الصَّديق.. اِخلع الآن الخيالَ وتقلَّد العقل.. فالطريقان الأَوَّلان هما طريقا
— 194 —
المغضوب عليهم والضالين، يَحُفُّهما خطرٌ كثيرٌ داهم، صيفُهما وربيعُهما شتاءٌ دائم، لا يَنجو من سالكِيهما إلا آحادٌ كأفلاطون وسقراط.
أما الطريق الثالث فسهلٌ قريب، قاصدٌ مستقيم، يسلكه الجميع، ويستوي فيه الضعيف والقوي، وأَرْوَحُ ما فيه أنَّ سالكه نائلٌ شرفَ الشهيد أو حائزٌ رتبةَ المجاهد.
وهكذا نَخلُص إلى النتيجة.. نعم، إن الدهاء العلمي مَسلكُه ومذهبُه الطريقان الأَوَّلان؛ أما الهُدى القرآني، فالطريق الثالث هو صراطُه المستقيم، وهو الذي يوصِلُنا.
اللهم اهدنا الصراطَ المستقيم صراطَ الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين آمين
٭ ٭ ٭