— 184 —
إخطارٌ وتنبيهٌ ودرسٌ لشبابٍ حائر
(تتمةٌ لی"إيقاظ الشباب" الذي أرسلناه إليكم سابقًا)
جاءني يومًا مجموعةٌ من الشباب المتألق، فسألوني أن أُسديَ إليهم نصيحةً مؤثِّرةً وإخطارًا بليغًا للوقاية من مَخاطر الحياةِ والشبابِ والهَوَسات، فقلتُ لهم كما قلتُ لشبابٍ قَبْلَهم طلبوا من رسائل النور المدد:
إن الشباب الذي تتمعون به سيزول قطعًا، فإن لم تَلزموا الدائرةَ المشروعةَ فسيَضيع ذلك الشبابُ مُخلِّفًا عليكم آلامًا وبلايا في الدنيا والقبْرِ والآخرةِ تَفوقُ لَذَّتَه؛ وإنْ أنفقتم ذلك الشبابَ في العِفَّة والشرف والطاعة، وَفقَ التربية الإسلامية، شكرًا لنعمة الشباب، فسيَدوم ذلك الشبابُ معنًى، وسيكون وسيلةً للفوز بشبابٍ أبدي.
أما الحياة، فإنها إذا خَلَتْ من الإيمان، أو فَقَد الإيمانُ تأثيرَه فيها بسبب العصيان، أَورثتْ یی مع المتعة القصيرة واللَّذة الظاهرية یی آلامًا وأحزانًا وأكدارًا تَفوق المتعةَ واللَّذةَ آلافَ الدرجات؛ لأن الإنسان بما فيه من عقلٍ وفكرٍ، له یی مع علاقته بالحاضر یی علاقةٌ بالماضي والمستقبلِ فطرةً، فيمكن أن يجد من هذه الأزمنة الألمَ كما يمكن أن يجد منها الَّلذة؛ بخلاف الحَيَوان، إذْ لا فِكر له، فلا تُفسِد لَذَّتَه الحاضرةَ أحزانُ ماضٍ ولا مخاوفُ مستقبل؛ أما الإنسان فإنه إذا كان واقعًا في الغفلة والضلالة، فإن أحزان الماضي ومخاوفَ المستقبل تُنَغِّص لَذتَه الحاضرةَ الجزئيةَ بل تَفسُدها، لا سيما إذا كانت لذةً غيرَ مشروعة، فإنها بمثابةِ عسلٍ مسموم.
إذًا فالإنسان يقع دون الحيَوان بمئةِ درجةٍ فيما يتعلق بلَذَّة الحياة؛ بل إن حياةَ أهلِ الغفلة والضلالة، بل وجودَهم، بل عالَمَهم، ليس سوى يومِهم الحاضر، إذْ جميعُ الأزمنة والعوالم الماضية هي في نقطةِ ضلالتهم معدومةٌ ميتة، والعقلُ لعلاقته بها تَغْشاه منها ظُلُماتٌ حالكاتٌ وغَياهِبُ مُدلَهِمَّات؛ أما الأزمنةُ المستقبَلةُ فإنها معدومةٌ عنده
— 185 —
كذلك لعدمِ اعتقاده، فليس أمامهم سوى فِراقاتٍ أبديةٍ تَحصُل بالعدم، فتُلَبِّد حياتَهم بظلماتٍ قاتمةٍ دائمةٍ تُلازم تفكيرَهم.
أما إذا صار الإيمانُ حياةَ الحياة، فحينئذٍ تستنير بنور الإيمان الأزمنةُ الماضيةُ والمستقبَلة، ويتحقق لها الوجود، فتُفيضُ على الروح والقلب من نقطةِ الإيمان أنوارًا وجودية، وأذواقًا ومُتَعًا عُلويةً معنوية، كما يُفيضُها الزمانُ الحاضر؛ وهذه الحقيقةُ موضَّحةٌ في الرجاء السابع من "رسالة الشيوخ"، فطالِعوها.
فهكذا هي الحياة، فإن كنتم تريدون لَذَّتَها ومتعتَها، فأحيوا حياتَكم بالإيمان، وزينوها بالفرائض، وحافظوا عليها باجتناب المعاصي.
أما حقيقةُ الموتِ المُخيفةُ التي تُطالعنا بها الوَفَيَات كلَّ يومٍ، في كلِّ آنٍ ومكان، فأُبيِّنها لكم بتمثيلٍ كما ذكرتُه لشبابٍ آخَرين، فأقول:
تصوَّروا أنه قد نُصِبت أمامنا هنا مِشنقة، وإلى جانبها مركزٌ لليانصيب يوزِّع بطاقاتِ جوائزَ سخية؛ ونحن هنا عشَرةُ أشخاصٍ سنُدعى إلى هناك على كلِّ حال، وسوف يستدعوننا شئنا أو أبَينا، لا مَفرَّ لنا من ذلك، لكنَّ موعد الاستدعاء مكتوم، ولهذا فنحن ننتظر على مَرِّ الدقائق أن يُقال لنا: تعال.. خُذْ قرارَ الإعدام واصعَد إلى المِشنقة؛ أو يُقال: تعال.. صَدَرتْ لك بطاقةُ جائزةٍ تُكسِبُك ملايينَ الليرات الذهبية.. تعالَ استلمها.
وبينما نحن ننتظر، إذ دخل علينا شخصان، أحدهما امرأةٌ حسناءُ كاسيةٌ عاريةٌ خَدَّاعة، بيدها حَلوى لذيذةٌ ظاهرًا، مسمومةٌ حقيقةً، تريد إطعامَها.
أما الشخص الآخَر فرجلٌ جادٌّ، ليس بخِبٍّ يَخدَع، ولا غِرٍّ يُخدَع، دخل على إثْر تلك المرأة فقال: أتيتكم بطِلْسمٍ.. أتيتكم بدرس، فإن قرأتموه، ولم تأكلوا من هذه الحلوى، نجوتم من المِشنقة، ونِلتم بالطِّلْسم بطاقةَ الجائزةِ التي لا مثيل لها.
انظروا.. ها أنتم تَرَون المِشنقة عِيانًا، وتَرَون الذين أكلوا من ذلك العسل يذهبون إلى هناك، ويعانون ألمَ البطنِ الرهيبَ جَرَّاءَ سُمِّ الحلوى إلى أن يدخلوا إلى هناك؛ وأما الذين فازوا ببطاقة الجائزة، فمع أنهم لا يَبدون لأعيننا، ومع أنهم يَصعدون
— 186 —
إلى المِشنقة ظاهرًا، إلا أن هناك ملايينَ بل ملياراتِ الشهود يُخبرون أنهم لم يُشنَقوا، بل اتخذوا المِشنقة سُلَّمًا للدخول بسهولةٍ إلى دائرة الجائزة.
فانظروا مِن النوافذ لتَرَوا كبارَ الموظَّفين والشخصياتِ المَعنيَّةِ بهذا الأمر يُعلِنون ويُخبِرون بأعلى صوتهم قائلين: إن أصحابَ الطِّلْسم قد فازوا ببطاقات الجوائز.. اِعلموا هذا يقينًا كما تَرَون الذاهبين إلى المشنقة بعين اليقين، فلا يُساوِرنَّكم في هذا شكٌّ ولا شبهة، فإنه قطعيٌّ كرأيِ العَين وكالشمس في رابعة النهار.
وعلى غِرار هذا التمثيل، فإن مُتَعَ الشبابِ الماجنةَ ولَذائذَه غيرَ المشروعةِ یی وهي بمثابةِ عسلٍ مسموم یی تُفقِد المرءَ إيمانَه.. وثيقةَ الخزينة الأبدية وبطاقةَ السعادة السرمدية، فيَصير الموتُ عنده مِشنقة، ويُمسي القبْرُ یی كما يبدو في الظاهر یی بابًا لظلماتٍ أبديةٍ، ولأن الأجلَ خَفيّ، فإن المرء يغدو ينتظر جَلَّادَ الأجلِ الذي يمكن أن يَضرِب عنقَه في أي لحظةٍ غيرَ مفرِّقٍ بين شابٍّ وشيخ.
أما إذا اجتنب ذلك العسلَ المسموم، أي: الهَوساتِ غيرَ المشروعة، وحاز ذلك الطِّلْسم القرآني، وهو الإيمان والفرائض، فإنه سيفوز ببطاقةِ كنزِ سعادةٍ أبديةٍ صادرةٍ عن مركزِ جوائزِ مُقدَّرات البشر.. هذا ما يخبر به مئةٌ وأربعةٌ وعشرونَ ألفًا من الأنبياء عليهم السلام، مع مَن لا يُعَدُّ ولا يُحصى من أهل الولاية وأهل الحقيقة وأهل التحقيق، أخبَروا بذلك وأظهروا آثاره متَّفقين.
والحاصل: إن الشباب زائل، فإن كان أُنفِق في السَّفَه والمجون، فسيُورِث آلافَ البلايا والآلام في الدنيا والآخرة، وإنْ أردتم أن تعرفوا أن أمثالَ هؤلاء الشباب سَيَؤُول أكثرُهم إلى المستشفيات لِما أصابهم من مرضٍ نفسيٍّ بسوء استعمالهم وإسرافهم؛ أو إلى السجون وأماكن الإهانة لطَيشهم ونزوتهم؛ أو إلى الملاهي والخَمَّارات للضَّنْك الناجم عن الآلام المعنوية، فاسألوا المستشفيات والسجون والمقابر، فستسمعون من لسانِ حالِ المستشفيات أنَّاتٍ وآهاتٍ تنبعث من أمراضٍ نَجَمَتْ عن الإسراف أو سوءِ الاستعمال جَرَّاءَ نزوةِ الشباب، وستسمعون من السجون تأسُّفاتِ شبابٍ بائسٍ يذوق
— 187 —
صفعاتِ ما ارتكب خارجَ دائرة الشرع بِطَيش الشباب، وستعلمون أن أكثر ما يُعذَّب به المرء في القبر وعالم البرزخ یی الذي لا تهدأ أبوابُه عن الانفتاح والانغلاق لكثرة الداخلين فيه یی إنما هو نتيجةُ سوءِ استعمالاته في زمان الشباب، وهذا ثابتٌ بمشاهدةِ أهلِ كشفِ القبور، وبشهادةِ وتصديقِ جميعِ أهلِ الحقيقة.
واسألوا أيضًا الشيوخَ والمرضى، وهم الذين يُمثِّلون غالبيةَ النوع الإنساني، فستسمعون أكثريتَهم المطلقةَ يقولون بأسًى وحسرة: واأسفا على شبابنا!! لقد أضعناه سدًى، بل أضعناه بما يعود علينا بالضرر، فحَذارِ حَذارِ أن تفعلوا مثلَنا.
ذلك أن مَن يقاسي غَمًّا وكَدَرًا سنينَ كثيرةً في الدنيا، وعذابًا وضررًا في البرزخ، وجهنمَ وسقرًا في الآخرة، لأجْلِ متعةٍ غير مشروعةٍ قارَفَها في سنواتٍ معدودةٍ زمنَ الشباب، لَجَديرٌ بكلِّ أسًى ورِثاء، لكنَّه لا يستحق الشفقة، إذِ الراضي بالضرر لا يُنظَر له، فمَن دخل في الضرر برضاه لم يُشفَق عليه وليس بأهلٍ للشَّفَقة.
حَفِظنا الله وإياكم من فتنة هذا الزمان المُغرية، ونجَّانا وإياكم منها؛ آمين.
٭ ٭ ٭
إخواني الأعزاءَ الأوفياءَ طلابَ رسائل النور..
بمناسبةِ ما صَدَرَ عن رجلٍ طاعنٍ في السن من اعتراضٍ لا يَرِد على الخاطر، ويَضُرُّ ببعضِ ضعافِ طلابِ رسائل النور، أجدني مضطرًا لبيان حقيقةٍ تَقطع أمثالَ ذلك الاعتراض من أساسه.
وأعيد هنا ما قلتُه لأحدهم مِن قَبْلُ فأقول: إن ما يثير العَجَب ويدعو للأسف هو أن أهلَ الحقيقة يُضيِّعون قوةَ الاتفاق الفائقةَ فيُغلَبون، وأن أهل النفاق وأهلَ الضلالة يَتَّفقون ليَحوزوا قوةَ الاتفاق العظيمة برغم مضادته لمشربهم، فتجدهم وهم عشرةٌ بالمئة يَغلِبون التسعين من أهل الحقيقة!!
— 188 —
وأكثرُ ما يثير العَجَب والحَيرة، أننا كنا ننتظر العونَ والتشجيعَ أكثرَ ما ننتظره منهم، فإذا بهم بدلًا من العون الذي كُلِّفوا به إسلامًا ومسلكًا ووظيفةً دينيةً، يعترضون بسوءِ فهمٍ مستندين إلى أهمية موقعهم الاجتماعي، اعتراضًا أَورثَ خدمةَ رسائل النور فتورًا.
لقد اعترض هذا الشخصُ على بياناتٍ تَخُصُّ حقيقةً ما، ولا أدري بالتحديد أيَّةَ مسألةٍ اعترض عليها وأيَّةَ آيةٍ كريمةٍ تَخُصُّ، فلعلَّه اعترض على مسألةٍ من رسالة "الإشارات القرآنية" المسماةِ "الشعاعَ الأول"، وهي رسالةٌ خصوصيةٌ للغاية.
وإنني یی أنا أخاكم العاجزَ یی أُبيِّن لهذا الشخصِ الفاضلِ والصديقِ القديم، ولأهل النَّباهة، ولكم كذلك، أن "سعيدًا الجديد" يَذكر بفيضِ القرآن المُعجِزِ البيانِ براهينَ للحقائق الإيمانية في أعلى درجاتِ الحقِّ والمنطقية، بحيث إنها أَلزمتْ وما تزال تُلزِم أشدَّ فلاسفةِ أوروبا عِنادًا وتَحمِلُهم على التسليم لها، فضلًا عن علماء المسلمين.
أما لَفْتُ القرآنِ المعجزِ البيانِ الأنظارَ إلى إحدى معجزاته المعنوية في هذا الزمان یی أعني رسائلَ النور یی وإيماؤُه ورمزُه إليها في طَيِّ المعنى الإشاريِّ، فإنما هو شأنُ إعجازِه ومقتضى بلاغتِه المعجِزة، إذْ هو لسانُ الغيب، وبنحوِ هذا كان إخبارُ سيدِنا عليٍّ والغوثِ الأعظمِ عن قيمتِها وأهميتِها إشارةً ورمزًا.
أجل، فحين كنا بأَمَسِّ الحاجة إلى سُلوانٍ قدسيٍّ في زمنٍ عصيبٍ في سجن "إسكي شَهِر"، قيل لي بإخطارٍ معنوي: إنك تورِد لرسائل النور شواهدَ من كلام الأولياء السابقين، مع أن القرآن أَولى بذلك، بِسرِّ قوله تعالى: وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ؛ فهل يَقبَل القرآنُ الكريم رسائلَ النور يا ترى؟ وبأيِّ نظرٍ يَنظر إليها؟
وجدتُ نفسي أواجِه هذا السؤال العجيب، فطلبتُ من القرآن المدد، فإذا بي في غضونِ ساعةٍ أجد أن رسائل النور مندرِجةٌ في ضمنِ ثلاثٍ وثلاثين آيةً كفردٍ داخلٍ في كُلِّيةِ معناها الإشاريِّ الذي هو طبقةٌ من طبقاتِ معناها الصريح وتفرُّعاتِه،
— 189 —
ووجدتُ قرينةً قويةً على دخولها فيه وامتيازِها؛ ورأيتُ بعضَ ذلك واضحًا بدرجةٍ ما، وبعضَه الآخر مُجملًا، فلم يعد يُخالِج قناعتي شكٌّ ولا شبهةٌ ولا وسوسةٌ ولا وهم، وكتبتُ قناعتي القطعيةَ هذه بنيَّةِ الحفاظِ على إيمان أهلِ الإيمان بواسطة رسائل النور، وأعطيتُها لخواصِّ إخواني بشرطِ الحفاظ على خصوصيتها؛ ولسنا نقول في هذه الرسالة: إن هذا هو المعنى الصريحُ للآية، حتى يقولَ عنه المشايخ: فيه نَظَرٌ؛ ولم نَقُل: إن هذا هو كُلِّيةُ المعنى الإشاري.
وإنما نقول: إن تحت المعنى الصريحِ طبقاتٍ متعددةً من المعاني، إحداها طبقةُ المعنى الإشاريِّ والرمزي، ثم إن هذا المعنى الإشاريَّ كُلِّيٌّ، له جزئياتٌ وأفرادٌ في كل عصر، ورسائلُ النور هي أحدُ أفراده في هذا العصر؛ فإذا عُرِضت قرائنُ، بل حججٌ، بدستورٍ جِفْرِيٍّ رياضيٍّ جارٍ بين العلماء منذ القديم، تشيرُ إلى أنَّ هذا الفردَ سيكون محطَّ نظرٍ قصدًا، وأنه سيؤدي وظيفةً جليلة، فليس في هذا ما يَخدِش ظاهرَ آياتِ القرآن أو صريحَه، لا بل هو مما يَخدُم إعجازَه وبلاغتَه، فلا اعتراض على هذا النوع من الإشارات الغيبية.
وإنَّ لأهل الحقيقة استنباطاتٍ لا تُعَدّ، استنبطوها من إشاراتٍ قرآنيةٍ لا تُحَدّ، فمن لم يستطع إنكارها فلا يُنكِرَنْ هذه، بل لا يمكنه ذلك.
أما ذلك المعتَرِضُ الذي استَغرَب واستَبعَد ظهورَ مؤلَّفاتٍ مُهمَّةٍ على يدِ رجلٍ لا أهمية له مثلي، فإنه لو تفكَّر في أن خَلْقَ شجرةِ صَنَوبرٍ كالجبل من بذرةٍ بحجمِ حبةِ قمح، دليلٌ من دلائل العَظَمةِ والقدرةِ الإلٰهيتين، لوجد نفسَه مضطرًّا للقول: إن ظهورَ مؤلَّفاتٍ كهذه في زمنِ الحاجةِ الماسَّةِ على يدِ مَن هو في عجزٍ مطلَقٍ وفقرٍ مطلَقٍ مثلي، لَدليلٌ على سَعَةِ الرحمة الإلٰهية.
وإنني من موقع رسائل النور ومكانتها أُطمئنكم وأُطمئن المعترضين بأن هذه الإشارات، وتلك الإخبارات والرموزَ الإيمائية من الأولياء، قد دفعتْني دومًا إلى الحمد والشكر، وإلى الاستغفار من عيبي وتقصيري، ولم تُورِث نفسيَ الأمارةَ أنانيةً
— 190 —
أو حبًّا للذات يكون مبعثَ فخرٍ وغرورٍ لها ولو لحظةً واحدة، وهذا أمرٌ أُثبِته لكم بما هو مُشاهَدٌ من أحوالي منذ عشرين سنة.
أجل، ومع تقرير هذه الحقيقة، فإنا نُقِرُّ بأنه لا أحدَ يخلو من العيب والسهو والنسيان، وإن لي نواقصَ وعيوبًا كثيرةً لا أعلمها، وربما تدخَّلَ فكري في بعض الأحيان فأَوقعَ في الرسائل أخطاء.
لكنَّ الأمر الذي يأباه كلُّ مَن له ذَرَّةُ إنصاف، هو أن ذلك الشخص لم يَجِد مَن يَعتَرِض عليه إلا رجلًا مسكينًا مظلومًا يُبيِّن لإخوانه نكتةً إعجازيةً ليُقوِّي إيمانَهم، فاعترض عليه بما أَورثَ إخوانَه فتورًا في خدمتهم الإيمانية، كأنه لا يرى ما فعله أهلُ الضلالة الذين استبدلوا بالحروف القرآنية القدسية حروفًا مستحدَثةً ناقصةً، وصنعوا للقرآن ترجمةً بشريةً مَلأى بتأويلاتٍ تحريفيةٍ فاسدةٍ تَطعن في صريح آياته!!
وإن من دواعي حَيرتي وعَجَبي شخصيًّا هو أن الشخص المعتَرِض تلميذٌ لأحدِ أهمِّ شيوخي في العلم، وهو "الشيخ فهيم"، وطالبٌ من طلاب "الإمام الرباني" الذي أرتبط به أوثقَ ارتباط، فكان أَولى الناس بالإغضاءِ عن عيوبي وهفواتي وحياتي السالفةِ المشوَّشة، وأحراهم بالمسارعةِ لإغاثتي بكل قوته، لكنه مع الأسف صَدَر منه اعتراضٌ أَورث یی كما سَمِعْنا یی بعضَ ضِعافِ أصحابنا فتورًا، وقدَّم لأهل الضلالة سندًا!!
إننا ننتظر من هذا الشيخ الفاضل السعيَ للإصلاحِ لإزالةِ ما وقع مِن سوء فهم، والعونَ بالدعاءِ والنصيحةِ الصادقة.
وعلاوةً على ما سبق فإني أُبيِّن ما يلي فأقول:
إذا كانت المسالكُ والمشاربُ في هذا الزمان، مع ما فيها من ملايين المُضحِّين الأقوياء الصادقين، قد هُزِمت ظاهرًا أمام هجوم الضلالة الشرس، فإن رسائل النور التي سَبَقت تلك المسالك، وصَمَدت في تلك المواجهات، لا يمكن أن تكون بضاعةَ رجلٍ مثلي عديمِ الحيلة، وشِبهِ أُمِّيٍّ يعيش وحيدًا، ويسكن أمامَ مخفرٍ يراقبه على الدوام، وتُشَنُّ عليه حمَلاتٌ مغرِضةٌ رهيبةٌ من شتى الجهات، ويُنَفَّر الناسُ من حوله،
— 191 —
نعم، لا يمكن أن يكون هو صاحبَ رسائل النور أو تكونَ من بنات أفكاره، وليس له أن يفتخر بها، وإنما هي محضُ معجزةٍ معنويةٍ من معجزات القرآن الحكيم في هذا الزمان، جادَتْ بها الرحمةُ الإلٰهية؛ فمدَّ الرَّجلُ ومعه آلافٌ من أصحابه أيديَهم نحو هذه الهدية القرآنية، فوقعتْ عليه بنحوٍ ما وظيفةُ التَّرجُمان الأول.
والدليل على أن رسائل النور بأجزائها البديعة ليست نتاجَ فكره وعلمه وذكائه، أن منها ما كُتِب في ستِّ ساعات، ومنها ما كُتِب في ساعتين، ومنها ما كُتِب في ساعة، ومنها ما كُتِب في عشر دقائق!! وأنا أؤكد وأُقسِم أنْ لو كانت لي قوةُ حِفظِ "سعيدٍ القديم"، ما استطعتُ أن أُنجزَ بفكري في عشرِ ساعاتٍ ما أُنْجِزَ هنا في عشر دقائق، ولا أستطيع بذهني واستعدادي أن أنجز في يومين الرسالةَ التي كُتِبَتْ في ساعة، ولا أستطيع أنا ولا غيري من أشدِّ الحكماء المتدَيِّنين بحثًا وتمحيصًا أن ننجز في ستةِ أيامٍ التحقيقاتِ التي تَضَمَّنَتْها رسالةٌ كُتِبَتْ في ستِّ ساعات، أعني "الكلمة الثلاثين"، وعلى هذا فقِس.
إذًا.. فمع أننا مُفلِسون، إلا أننا صرنا خَدَمًا ودلَّالين في معرضِ مجوهراتٍ في غاية الثراء.. فنسأل الله تعالى من فضله وكرمه أن يوفقنا وسائرَ طلاب رسائل النور في هذه الخدمة القدسية بإخلاصٍ تامٍّ على الدوام؛ آمين.
سعيد النُّورْسِيّ
٭ ٭ ٭