— 228 —
المقام الثاني
اعلم -كما مرَّ- أن الحياة هي الكشافة للموجودات بل هي النتيجة لها، فإذن كيف تخلو هذه الفضاء الوسيعة من ساكنيها وتلك السماوات من عامريها؟ ولقد أجمع العقلاء إجماعًا معنويًا -وإن اختلفوا في طرق التعبير- على وجود معنى الملائكة وحقيقتهم، حتى
— 229 —
إن المشّائيين عبّروا عنهم بالماهيات المجرَّدة الروحانية للأنواع، والإشْراقيين عبّروا عنها بالعقول وأربابِ الأنواع، وأهلَ الأديان بمَلَك الجبال وملَك البحار وملك الأمطار مثلا. حتى إن الماديين الذين عقولُهم في عيونهم لم يتيسر لهم إنكار معنى الملائكة، بل نظروا إليهم في القوات السارية في نواميس الفطرة.
فإن قلت: أفلا يكفي لارتباط الكائنات وحيويتها هذه النواميسُ وتلك القوانين الجارية في الخلقة؟
- قيل لك: ما تلك النواميس الجارية والقوانين السارية إلا أمور اعتبارية بل وهمية لا يتعين لها وجود ولا يتشخص لها هُويّة إلا بممثِّلاتها ومَعاكسها، ومَنْ هو آخذ برأس خيوطها وإن هي إلّا الملائكة..
وأيضًا قد اتفق الحكماء والعقلُ والنقل على عدم انحصار الوجود في عالم الشهادة الظاهرِ الجامد الغير الموافق لتشكل الأرواح. فعالم الغيب المشتمل على عوالمَ -الموافقُ للأرواح كالماء للسِماك- مشحون بها، [٭]: أي بالملائكة. مَظهرٌ لحياة عالم الشهادة.. فإذا شهدتْ لك هذه الأمور الأربعةُ على وجود معنى الملائكة فأحسنُ صوَر وجودهم التي ترضى بها العقولُ السليمة ما هو إلّا ما شرحه الشرع من أنّهم عباد مكرمون لا يخالفون ما يؤمَرون، وكذا أنهم أجسام لطيفة نورانية ينقسمون إلى أنواع مختلفة.