— 228 —
المقام الأول
إن من نظر إلى الأرض وقد امتلأت بذوي الأرواح مع حقارتها، وتأمَّلَ في انتظام العالم وإتقانه، تحدّسَ بوجود سكان في هذه البروج العالية؛ فَمَثَلُ مَنْ لم يصدّق بوجود الملائكة كَمَثَل رجل ذهب إلى بلدة عظيمة وصادف دارًا صغيرة عتيقة ملوّثة بالمزخرفات مشحونة بالناس، ورأى عرصاتها مملوءة من ذوي الأرواح ولحياتهم شرائط مخصوصة كالنباتات والسِّماك. ثم رأى أُلوفًا من القصور العالية الجديدة قد تخلّلت بينها ميادين النیزهة، فيعتقد خلوَّها عن السكان لعدم جريان شرائط حياة هذه الدار في تلك القصور. ومَثَل المعتقِد بوجودهم كَمَثَل مَنْ إذا رأى هذا البيت الصغير وقد امتلأ من ذوي الأرواح، ورأى انتظام البلدة، جزم بأن لتلك القصور المزيَّنة أيضا سكانا يناسبونها وتوافِقُهم، ولهم شرائط حياة مخصوصة. فعدم مشاهدتهم -لبُعدهم وترفّعهم- لا يدل على عدمهم. فامتلاءُ الأرض من ذوي الحياة ينتج بالطريق الأولَى وبالقياس الأولَويّ المؤسَّسِ على القياس الخفيّ المبنيِّ على الانتظام المطرد، امتلاءَ هذه الفضاء الوسيعة ببروجها ونجومها وسماواتها من ذوي الأرواح الذين يدعوهم الشرع بالملائكة، المنطويةِ على أجناس مختلفة فتأمل!