لاحقة أمير داغ
— 96 —

إلى السيد مديرِ الأمن العام بأنقرة..

إنْ كنتَ تريد الحديثَ إلى شخصٍ مسكينٍ ما زال منذ عشرين سنةً يلتزم الصمت حيالَ ما يقاسي من سجنٍ انفراديٍّ وتجريدٍ مطلقٍ غيرِ رسميَّين، وما يَلقى من مضايقاتٍ وتشديداتٍ لا مثيلَ لها ولا مسوِّغَ سوى أوهامٍ وهواجسَ لا أصل لها؟ فإنْ كنت تريد لقاءَه لقاءً حقيقيًّا جادًّا غيرَ رسمي، فها أنَذا أتحدث إليكم قليلًا.
أولًا: طَوالَ سنتَين خَلَتا، دَقَّقتْ محكمتان في جميع ما كتبتُ من مؤلفاتٍ ومراسلاتٍ خلال عشرين سنةً من حياتي، فلم تَعثُرا فيه على مادةٍ واحدةٍ تَمَسُّ إدارةَ البلاد وأمنَها، بل لا توجد فيه مادةٌ كهذه أصلًا، والدليل على ذلك أن المحكمتَين أعادتا إليَّ جميعَ كتبي یی الخصوصيةَ وغيرَ الخصوصية یی مع الحكم بالبراءة.. وكفى بهذا حجةً لا تُجرَح، وسندًا لا يُخدَش.
أما حياتي قبل هذه العشرين سنة، فكانت هي الأخرى مبذولةً بتضحيةٍ وسخاءٍ لمنفعة هذا الوطن والشعب، والدليلُ على ذلك تقديرُ القائد العام لخدماتي التي
— 97 —
أَسديتُها تحت إمرته بوصفي قائدًا لفوجٍ من المتطوعين في الحرب العالمية الأولى، وتقديرُ قياداتِ حكومة أنقرة لخدماتي الفائقة في حرب الاستقلال، واستقبالُ مجلس الشعب إيَّاي بحفاوةٍ وتقدير.. وهذا يعني أن العذاب والأذى الذي لقيتُه طَوالَ هذه العشرين سنةً كان مَحضَ معاملةٍ تَعَسُّفيةٍ غيرِ قانونية.. لقد مرَّ عليَّ في هذه العشرين سنةً أربعون عيدًا وأنا مُنزَوٍ وحيد!! كفى.. أنا عند باب القبر، فلا تُحوِّلوا نظري إلى الدنيا.
ثم إنه بالنظر إلى كونكم رئيسَ الأمن العام، يتحتم عليكم أن تكونوا مؤيِّدين لخدمتي التي أقوم بها، لأنَّ دروسَ رسائل النور یی كما شَهِدتْ لها المحاكم یی حين تتناول الشأن الدنيوي، تعمل بكل قوتها للحفاظ على أسس الأمن والاستقرار، وتُرسي دعائمَهما، وتقطع الطريق على الفساد والفوضى والاضطراب، حتى لقد غدتْ هذه الدروس أشبه بضباطِ شرطةٍ قدسيِّين معنويين، والدليل على هذا يُقدِّمه رجالُ الشرطة المنصفون الذين وَجدوا أن مَن يتلقَّون درسَهم من رسائل النور، يحافظون على الأمن والاستقرار أكثرَ من رجال الشرطة؛ وهذا أمرٌ أستطيع أن أُشهِد عليه شرطةَ ثلاثِ ولايات.
لقد تَبيَّن لي أن ما قام به المسؤولون مؤخرًا بشكلٍ مكثَّفٍ من تخويف الناس من اللقاء بي والتواصل معي، إنما كان بهدفِ كسرِ إقبالِهم وتوجُّهِهم الذي يفوق حدي ولا أستحقُّه؛ وإني بهذا الخصوص أُبيِّن لكم ما بَيَّنتُه وكتبتُه إلى خواصِّ إخواني في مراسلاتنا الخصوصية، وهو أني لا أقبل تَوجُّهَ العامَّة إلى شخصي، بل أرفضه رفضًا قاطعًا، لأنه مخالفٌ لمسلكنا وإخلاصنا؛ ولقد كَسَرتُ خواطرَ كثيرٍ من خواصِّ إخواني لأجل هذه المسألة؛ فإنْ كان من أمرٍ سوى ذلك، فهو أني قبِلتُ أخبارًا غيبيةً أَخبَرَ بها السادةُ الأولون والأفاضلُ السابقون عن قيمةِ رسائل النور التي تُفسِّر حقيقةَ القرآن الحكيم بصورةٍ لا مثيل لها، فكتبتُ أخبارهم، وأثبتُّ أني مجرَّدُ خادمٍ بسيط؛ فإنْ فرضْنا بعدَ هذا أني مِلْتُ إلى توجُّه الناس وإقبالهم، فهذا يَخدُم الأمنَ والاستقرار، ويعود بالفائدة على مسؤولي الأمن أمثالِكم.
— 98 —
ألا ما دام الموتُ لا يُقتَل، وكان قضيةً أهمَّ من الحياة بكثير، وكان تِسعون بالمئة من الناس يعملون ويجتهدون لسلامةِ هذه الحياة.. فإنا نحن تلاميذَ رسائل النور نتصدَّى لقضية الموت وهجومِه الرهيبِ الذي سيَنزِل بكلِّ أحدٍ لا مَحالة؛ فحمدًا لله بلا حدٍّ أن رسائل النور استطاعت یی حتى يومنا هذا یی أن تُحوِّل الموتَ لدى مئاتِ الآلافِ من الناسِ من إعدامٍ أبديٍّ إلى مذكِّرةِ تسريحٍ وإعفاء، ونستطيع أن نُبرِز لهذا مئاتِ الآلافِ من الشهود؛ ولقد كان الحريُّ بأمثالكم من مُحبِّي الوطن والشعب أن يقابلنا في نقطةِ الحقيقةِ هذه بالتقدير والتشجيع، فإذا بنا نُقابَل بالتضييق والملاحقة وتوجيه التُّهَم لمجرَّد هواجسَ وأوهام.. فما أَبعدَ هذا عن الحَمِيَّة والإنصاف!! أحيل الأمر إلى إنصافكم.
في العزل والسجن الانفرادي غير الرسمي
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭