لاحقة أمير داغ
— 93 —
فلأجل هذه النقطة لا تسعى رسائل النور لاستقطابِ الداعمين، سواءٌ كانوا من داخل البلاد أو خارجِها، ولا تلتفت إلى قوَّتهم رغم أهميتِها، بل لا تبحث عنهم ولا تَتْبع لهم؛ لكيلا تكون في نظرِ عوامِّ أهلِ الإيمان سُلَّمًا لبعضِ غاياتِ الحياة الدنيوية، ولتتمكن بقوتها وحقيقتها الخارقتَين یی اللتين نالتْهما من عدم اتخاذها أداةً لشيءٍ سوى الحياة الباقية یی من دفعِ هجماتِ الشبهات والتردُّدات.
أما سؤال: لماذا تتحاشى ما يُوْليك خُلَّصُ إخوانك بحُسْنِ ظنهم من مقاماتٍ نورانيةٍ ورُتَبٍ أخروية؟! مع أنها مقاماتٌ معنويةٌ مقبولةٌ لا ضَير منها، بل يَطلبها جميع
— 94 —
أهل الإيمان والحقيقة، وقد ثَبتتْ عند إخوانك بحججٍ وأسانيد لا تُرَد، ومع أنك إنْ قَبِلتَها لم تَضُرَّ بإخلاصِك، لكنك مع هذا تَفِرُّ منها لا بتواضعٍ وفناءٍ عن الذات، بل بشدةٍ وحِدَّةٍ تَكسِر بها خواطر إخوانك.
فالجواب: كما أن الرجلَ الشهمَ ذا الحَميَّةِ يُضحِّي بحياته لينقذ حياةَ أصحابه، فإني إذا لَزِم الأمر یی والأمر لازمٌ حقًّا یی مستعدٌّ للتضحية لا بتلك المقامات التي لا أستحقها فحسب، بل حتى بمقاماتِ الحياة الأبدية الحقيقية، كي أحافظ على حياة أهل الإيمان الأبدية من صولة الأعداء المُحْدِقين؛ فهذا ما تعلمتُه من درسِ الشَّفَقة في رسائل النور.
أجل، فإن ثمة أمرًا سائدًا في كل زمان، لا سيما في زماننا هذا، وبالأخص في هذا العصر الجيَّاش بالأنانية وترويج الذات، حيث تهيمن الغفلةُ العامةُ الناجمةُ عن الضلالة، وتَغلِب السياسةُ والفلسفة.. وهو أن أصحاب المناصب والمقامات الرفيعة يجعلون كلَّ شيءٍ تابعًا لهم وسُلَّمًا، حتى إنهم يجعلون من مقدَّساتهم أدواتٍ لمقاماتٍ دنيوية؛ وإنه إذا كان المبتغى مقاماتٍ معنوية، كان التوسُّلُ إليها والسعيُ نحوها بشتى الوسائل والأدوات أشدَّ وأقوى، والساعي إلى هذه المقامات مُتَّهَمٌ بأنه يَجعل بعضَ الحقائق والخِدْمات القدسية وسيلةً وسُلَّمًا للمحافظة على نفسه في نظر العامة، ولتصويرها لهم على أنها لائقةٌ بتلك المقامات، وعندئذٍ يتعدَّى الضررُ فيَصِلُ إلى الحقائقِ التي ينشرها، فيَشوبُ رواجَها تردُّدٌ كثير؛ فإذا كان النفع المتحقِّق للشخص أو المقام واحدًا، فالضرر اللاحق بعامة الناس یی لعدم الرواج یی ألْفٌ.
والحاصل أن حقيقة الإخلاص تمنعني من كلِّ ما من شأنه أن يكون وسيلةً لجاهٍ وسمعةٍ أو مرتبةٍ ماديةٍ أو معنوية.
نعم، صحيحٌ أن هذا يُلحِق بالخدمة النورية ضررًا كبيرًا من حيث الكمية، لكنْ ليس للكمية أهميةٌ في مقابل النوعية؛ ولهذا أرى أن تلقين عَشَرةِ أشخاصٍ الحقائقَ الإيمانيةَ التي هي أسمى من كلِّ شيءٍ، وتعليمَهم إياها تعليمًا متحققًا بالإخلاص من موقعِ الخادم الخالص، أهمُّ من إرشادِ آلافِ الناس من موقعِ قُطبٍ عظيم؛ لأن هؤلاء
— 95 —
العَشَرة يَرَون تلك الحقائق أسمى من كلِّ شيء فيَثبُتون، وعندئذٍ يمكن لقلوبهم التي هي بمثابة بُذورٍ أن تنمو وتترعرع فتغدو أشجارًا، أما أولئك الآلاف فيمكن أن يُهزَموا ويتفرَّقوا بسبب الشبهات والوساوس الآتية من الدنيا والفلسفة أولاً، وبسبب نظرهم إلى درس ذلك القطب على أنه آتٍ من مقامه الخاص ومن مشاعره الخاصة ثانيًا؛ فلأجل هذا المعنى أُرجِّح خدمةَ الحقائق على المقامات.
وأَذكر بهذا الخصوص أمرًا، وهو أن الإساءة التي وُجِّهَتْ إليَّ يوم العيد، صحيحٌ أنها كانت مدبَّرةً من أعدائي، وكانت تخالف القانون من خمسةِ وجوه، إلا أني خشيتُ أن تَحُلَّ بفاعلها مصيبة، لأن المسألة أخذتْ أبعادًا أخرى لدى عامة الناس، بحيث إنْ حَلَّتْ بالرجل مصيبةٌ فلربما أَولاني الناسُ مقامًا وعدُّوها كرامةً عجيبةً لي، فدعوت ربي قائلًا: اللهم أصلح شأنَ هذا الرجل، أو جازِه بما يستحقُّه من غير أن يبدو الجزاءُ كرامةً لي.
وبهذه المناسبة أُبيِّن أمرًا، وهو أنني وجدتُ بين رسائل طلاب النور التي سلَّمتْنا إياها المحكمةُ مؤخَّرًا رسالةً عليها تواقيعُ كثيرة، ولعلَّها أُدرِجتْ في "المَلاحق"، وهي رسالةٌ تتحدث عن البركة التي يجدها طلاب رسائل النور في معيشتهم، وتتحدث كذلك عن الصفعات التي نزلت ببعضهم؛ فكما أن في "قَسْطَموني" طلابًا تلقَّوا صفعات، فإن هاهنا خمسةَ طلابٍ كذلك لا يُساورنا شكٌّ في أنهم تلقَّوا صفعاتٍ كأولئك.
(حاشية): نعم، رأينا ذلك بأعيننا، فلم تَبقَ لدينا شبهةٌ في ذلك؛ باسم الطلاب هنا: جيلان، إبراهيم.