— 88 —
سأذكر لكم مسألتَين مهمَّتَين للغاية، أَذكرهما بغاية الاختصار، اعتمادًا على ذكائكم، ولوجودِ أجزاءِ المسألتَين متفرقةً في رسائل النور.
المسألة الأولى: أن كاتبَ القرآنِ المعجِزِ البيان، وتلميذَ رسائل النور الحقيقيَّ وذا الحقيقة، كَتب إليَّ مؤخرًا يسألني عن حقيقةٍ جليلةٍ، بناءً على ما أَوْلانيه من حُسنِ ظنٍّ زائدٍ يَفوق حدِّي ألفَ درجة؛ ذلك أنه رأى في شخصي العاديِّ البسيطِ وظيفةَ الشخص المعنويِّ لرسائل النور.. تلك الوظيفةِ البالغةِ غايةَ الأهمية والقدسية؛ ورأى كذلك جَلوةَ وظيفةٍ من الوظائف العُلْوية السامية لخلافة النبوة.. رأى هذا في شخصيَ البسيط لكوني أستاذَه، فأراد أن يَنظر إليَّ على أنني مَظهرٌ لتلك الخلافة المعنوية.
فأولًا: إن الحقيقة الباقية لا تُبنى على شخصياتٍ فانية، فإنْ بُنيَتْ عليها كان ذلك ظلمًا للحقيقة.
وإن الوظيفة الكاملةَ الدائمةَ من كلِّ وجهٍ لا تُناطُ بشخصياتٍ مُعرَّضةٍ للتلاشي والفناء، مُبتلاةٍ بالطعنِ والإزراء، فإن أُنيطتْ بها لَحِقَ الوظيفةَ ضررٌ بالغ.
ثانيًا: إن ظهور رسائل النور لم يكن بفكر تَرجُمانِها وحدَه، ولا بلسانِ احتياجِه المعنويِّ وحدَه، ولم تَرِدْ هذه الفيوضاتُ من القرآن مراعيةً استعدادَ التَّرجُمان وحدَه؛
— 89 —
وإنما أولئك الأفاضلُ الخالصون الصادقون أربابُ المتانة، الذين هم مخاطَبو ذلك التَّرجُمان وأصحابُه في درسِ القرآن، هم مَن كانوا مَبعثَ ظهورِ هذه الأنوارِ بنحوٍ يَفوق استعدادَ التَّرجُمان نفسِه بجهاتٍ كثيرة، كجهةِ طلبِهم تلك الفيوضاتِ روحًا، وقَبولِهم لها، وتصديقِهم بها، وتَمَثُّلِهم إياها، وغيرِ ذلك من الجهات؛ وكما كان هؤلاء مبعثَ ظهورِ الأنوار، فإنهم هم مَن يُشكِّلون حقيقةَ الشخص المعنويِّ لرسائل النور وطلابِها، وللتَّرجُمان نصيبُه من هذا الشخص المعنوي، ويمكن أن يكون له شرفُ تَقدُّمٍ وأسبقيةٍ ما لم يُفسِدْه بترك الإخلاص.
ثالثًا: إن هذا الزمان زمانُ الجماعة، ومهما بَلغتْ عبقريةُ الفرد من التفوُّق، فإنها قلَّما تَصمُد في مواجهةِ عبقريةِ الشخصِ المعنويِّ للجماعة.
ولهذا فإن مثل هذه الوظيفة الإيمانية یی التي هي أنوارُ عبقريةٍ قدسيةٍ تُنير بجهةٍ ما عالَمَ الإسلام بأجمعه كما ذَكر ذلك الأخُ المبارك یی لا يمكن أن تُحمَل على كاهل شخصٍ ضعيفٍ مغلوبٍ لا حول له ولا قوة، يحيط به أعداءٌ لا حدَّ لهم، وخصومٌ عتاةٌ لا يتوانَون عن الطعن فيه وانتقاصه بالحطِّ والإهانة؛ فإنْ حُمِلَتْ على كاهل هذا الشخص ذي النواقص والعيوب، وتَزعزعَ تحت ضربات الإهانة، سقَط الحِملُ وتَبعثر.
رابعًا: لقد دَرَجَ كثيرٌ من الأفاضل منذ القديم على إحسانِ الظنِّ بأساتذتهم ومرشديهم ومعلميهم وكبارهم إحسانًا يفوق قيمتَهم الشخصية، وكان حُسْنُ الظنِّ الزائدُ هذا أمرًا مقبولًا بدرجةٍ ما، لكونه وسيلةً للاستفادة من دروس هؤلاء وإرشادهم، فلم يكن يُنتَقَد بأنه خلاف الواقع.
وعلى غِرارِ هذا النهج في يومنا هذا، يَعمل طلابُ رسائل النور بهمةٍ ونشاطٍ بسببِ ما يعتقدون في شخصي الضعيفِ الناقصِ من رتبةٍ وفضيلةٍ عُلْويَّتَين تناسبان أستاذًا يليق بهم، ولئن أمكن بهذا الخصوص قَبولُ حُسْنِ ظنِّهم الذي يَفوق حدي، فلا بدَّ أن يُعلَم أن ما لديَّ ليس سوى مِلْكٍ للشخصِ المعنويِّ لرسائل النور.
على أن الزنادقة، وأهلَ الضلالة، وأهلَ السياسة، وأهلَ الغفلة، بل حتى البسطاء من أهل الدين: مخطئون في إيلائهم مزيدَ أهميةٍ للأشخاص، وإن خصومنا من هؤلاء
— 90 —
لا سيما الزنادقة یی يعملون بكلِّ ما أوتوا من قوةٍ للحطِّ من شأني وإطفاءِ تلك الأنوار وحَملِ البسطاء على تصديقهم، ظانِّين أن شخصًا مسكينًا مثلي هو منبعُ تلك الأنوار، وأنهم بانتقاصهم لهذا الشخص يوجِّهون الضربة للحقائق.
فمن ذلك حادثةٌ تُبيِّن هذه الحقيقة، أذكرها في: