لاحقة أمير داغ
— 85 —
شكرًا لله تعالى بلا حدٍّ أنَّ مرض التسمُّم الخطير وما رافقه من ارتفاعٍ شديدٍ في الحرارة لأكثرَ من خمسةَ عشر يومًا قد زال خطرُه منذ يومَين بفضل دعائكم؛ وإني بالنظر إلى أن عبادة ساعةٍ في المرض تَعدِل عبادةَ يومٍ فيما سواه، لَأرجو أن يكون هذا المرضُ قد سَدَّ مَسَدَّ أعمالِ خيرٍ كثيرةٍ لم أَقدِر عليها، وأن يكون كفَّارةً لتقصيراتي الكثيرة؛ على أن الضَّعف والمرض ما زالا.
تَوافُقٌ لطيفٌ ذو مغزى: وقع بيدي بالأمس المجموعُ الذي كَتَبَه الأبرياء الصغار، فلما تصفحتُه وجدتُ في أوله "الكلمات الصغيرة" مكتوبةً بعنايةٍ بالغة، ومزينةً بنقوشٍ جميلة، كتَبَها بطلٌ من أبطال مدرسة النور، هو بمثابة موجِّهٍ لهؤلاء الأبرياء الصغار، أعني "أحمد النجار"، فقلتُ في نفسي: بارك الله بك يا أحمد، لقد أصبحتَ قائدًا لهم.
ثم وصلتْني في اليوم نفسه رسالةٌ منه يخبرني فيها أنه بينما كان يقرأ بعض رسائلي على إخوانه ذاتَ ليلة، إذْ حَطَّتْ جرادتان على رأسِ صفحةِ الرسالة، فاستمعتا إليها حتى النهاية.
ولقد سَبَق یی حين كنا نكتب إليه الرسالةَ نفسَها قبل أيام یی أنْ صدَّقَتْ حمامتان على مقبوليَّتها، وعلى بشارةِ العصفور والطائر من قبل؛ فعلى غِرارِ هذا كان تصديقُ الجرادتَين للحمامتَين والعصفورِ والطائر، فكان في هذا تَوافُقٌ لطيفٌ ذو مغزى، كأن هذه المخلوقات تقول بألسنةِ أحوالها: ونحن أيضًا نَعرف رسائلَ النور.
— 86 —
وللمناسبة فقد لفَتَ انتباهي فِقرةٌ في المجموع نفسِه، في صفحةٍ قبل الرمز الثامن للشعاع الثامن الذي كتبه الحافظُ "أحمد" النموذجُ المصغَّرُ البريءُ لی"عبد الرحمن"، وابنُ شقيقِ "عليٍّ الصغير" أحدِ الأبطال الميامين.
فقد استوقفني في هذه الفقرة صلتُها باقتباسٍ من رسائل النور سَبَق أن أرسلتُه إليكم قبل نحو شهرين ضمن مكاتيبَ تتحدث عن مقبوليةِ رسائل النور؛ وهو يُبيِّنُ أن هذه المقبوليةَ ليست سوى إكرامٍ إلٰهيٍّ صِرف، وليس فيها لشخصي حصةُ شرفٍ أو براعة؛ وكذلك هذه الفقرةُ، فهي تَذكر أن الأهميةَ الفائقةَ التي أَولَتْها "الجَلْجَلوتية" لرسائل النور لا علاقةَ لها بشخصي ولا بمهارتي؛ ونظرًا لصلة الفقرة بالاقتباس فإني سأرسلها إليكم لتُلحِقوها بموضعٍ مناسبٍ من تلك المكاتيب؛ وهي كما يلي:
"أعترف بأني لستُ أهلًا بأيِّ وجهٍ من الوجوه لأن أكون مَظهَرَ مؤلَّفاتٍ مقبولةٍ كهذه، فذاك مقامٌ لا أستحقُّه؛ إلا أن مِن شأن القدرة الإلٰهية ومِن عادتِها ومن الدليلِ على عَظَمَتِها أن تَخلُق من بذرةٍ صغيرةٍ تافهةٍ شجرةً عظيمةً كالجبل؛ وإنني أؤكد وأُقسِم أنْ ليس لي مقصَدٌ من الثناء على رسائل النور سوى تأييدِ حقائق القرآن وأركانِ الإيمان وإثباتِها ونشرِها.
فأشكر خالقي الرحيم شكرًا لا يتناهى أنْ وقاني الإعجابَ بنفسي، وأراني عيوبَها ونقائصَها، فلم يُبْقِ لي رغبةً في أن أثير إعجابَ الآخرين بهذه النفس الأمَّارة.
نعم، إذْ كيف لمن كان بباب القبر ينتظر الأجل، أن يَنظر إلى الدنيا الفانية التي خلَّفَها وراءَه بعين الرياء؟! لا جَرَم أنه إنْ فَعَل كان خسارةً مروِّعةً وحماقةً تدعو للرثاء!!".
حَفِظَنا الله من أمثال هذه الخسارات، آمين.
أُسلِّم على جميع إخواني فردًا فردًا، وأدعو لهم، وأرجو منهم الدعاء.
٭٭٭