لاحقة أمير داغ
— 12 —

جوابٌ ذو حقيقةٍ عن سؤالٍ مُهِمّ

سألَني بعضُ كبار المسؤولين: لماذا لم تَقبل عرضَ "مصطفى كمال" بتعيينك واعظًا عامًّا في "كُردِستان" والولاياتِ الشرقية مكانَ الشيخ السَّنوسي، مع منحِك راتبًا مقدارُه ثلاثُمئة ليرة؟! فلو قَبِلتَه لكنتَ سببًا في إنقاذِ حياةِ مئةِ ألفِ رجلٍ سُفِكتْ دماؤهم من جرَّاء الثورة!!
فأجبتهم: بدلًا من أن أُنقِذَ لهؤلاء الرجال عشرين أو ثلاثين سنةً من الحياة الدنيوية، صارت رسائل النور وسيلةً لإكسابِ كلِّ فردٍ من مئاتِ آلافِ المواطنين ملايين السنين من الحياة الأُخرويَّة؛ فعوَّضَتْ تلك الخسارات أضعافًا مضاعفةً آلافَ المرات، ولو قبِلتُ ذلك العرض لما ظهرتْ رسائلُ النور التي تَحمِل سرَّ الإخلاص، وتأبى أن تكون أداةً لشيء، ولا هي تابعةٌ لشيء.
— 13 —
حتى لقد قلتُ لإخواني المحترمين في السجن: إنَّ الذين حكموا عليَّ بالإعدام لِمَا ذاقوا من صَفَعاتِ رسائل النور الشديدة، اِشهدوا أنهم إنْ أنقذوا برسائل النور إيمانَهم، ونَجَوا بها من الإعدام الأبدي، فإني أُحِلِّهم حقي وأسامحهم من كلِّ قلبي.
وقلتُ لمن كانوا يضايقونني بمراقبتهم الصارمة في "دَنِزْلي" یی بعد الحكم ببراءتنا یی ولرؤسائهم وللمفتِّشين وقائد الشرطة:
إنَّ إحدى كرامات رسائل النور التي لا تَقبل الإنكار، أنه بعد تسعةِ أشهرٍ من التدقيق في عشرين سنةً من حياتي قضيتُها مظلومًا، وبعد التمحيص في المئات من رسائلي ومراسلاتي، وفي أحوال الآلاف من طلاب رسائل النور، لم يُعثَر على أيِّ وثيقةٍ تُشير إلى وجودِ تيارٍ، أو تنظيمٍ، أو علاقةٍ بمنظمةٍ داخليةٍ أو خارجية!! أفيمكن أن يكون هذا الوضع العجيب نِتاجَ تفكيرٍ وتخطيط؟ فإنه لو كُشِفَتْ أسرارُ امرئٍ وخصوصياتُه في بضعِ سنين، لظهرتْ عشرون مادةً تُخجِله أو تُدينه لا مَحالة.
ولمَّا كانت هذه هي الحقيقة، فإما أن تقولوا: إن هذا عملٌ يديره دهاءٌ خارقٌ لا يُغلَب، أو تقولوا: إنه حِفظٌ إلٰهيٌّ بغاية العناية؛ ولا ريب أن مواجهةَ دهاءٍ كهذا خطأٌ يَعود بفادح الضرر على الوطن والشعب، وأن التعرُّض لمثل هذا الحفظ الإلٰهي والعناية الربانية ليس إلا تمرُّدًا فرعونيًّا.
فإنْ قلتم: إننا لو تركناك وشأنَك ولم نراقبْك ولم نتعقَّبْك، لأمكنَ أن تُعكِّر علينا حياتَنا الاجتماعية بدروسك وأسرارك التي تُخفيها؛ فإني أقول لكم: إن جميعَ دروسي بلا استثناءٍ قد وقَعتْ بيدِ الحكومة والقضاء، فما عُثِرَ فيها على مادةٍ تستوجِب سجنَ يومٍ واحد.
ثم إن دروسي هذه متداوَلةٌ بعشراتِ آلافِ النُّسَخ من الرسائل، يَقرؤها الناسُ بعنايةٍ واهتمام، فلا تعود عليهم إلا بخالصِ النفع من غير ضرر؛ وقد نظرَتْ فيها المحكمتان السابقةُ والحالية، فلم تجدا فيها مادةً واحدةً تستوجب المسؤولية، فأما المحكمةُ الحاليةُ فقضت بالبراءة، وأما المحكمةُ السابقةُ فاتخذتْ من بضعِ كلماتٍ
— 14 —
في مئةٍ وثلاثين رسالةً ذريعةً تمكَّنَتْ بها من الحكم بالسجن ستةَ أشهرٍ على خمسةَ عشر شخصًا من إخواني المئة والعشرين الموقوفين، ولم تُصدِر حكمَها هذا بناءً على أرضيةٍ قانونية، بل لقناعةٍ شخصيةٍ مراعاةً لخاطرِ شخصٍ ذي مقامٍ دنيوي!! وليس هذا إلا حجةً قاطعةً على أنَّ تَعَرُّضكم لي ولرسائل النور ظلمٌ شنيعٌ مبناه وهمٌ باطل.
ثم إنه ليس لي من درسٍ جديد، ولم يَبق لي سِرٌّ يَخفى كي تعملوا على تعديله وتقويمه بالمراقبة.
إنني اليوم محتاجٌ إلى حريتي أشدَّ الاحتياج.. كفى ملاحقاتٍ ومراقباتٍ ظالمةً لا داعي لها ولا جدوى منها طَوالَ عشرين سنة.. لقد نَفِد صبري.. ولعَلِّي، لضعفي وشيخوختي، أدعو عليكم دعاءً لم أَدعُ به من قبل، وإنها لحقيقةٌ لا شكَّ فيها أنَّ أنّات المظلوم ليس بينها وبين العرش حجاب.
ثم إن أولئك الظَّلَمة الأشقياء الذين يتبوَّؤون مناصبَ دنيويةً مُهمّةً قالوا لي: إنك منذ عشرين سنةً لم تعتمر قبعتَنا ولو مرةً واحدة، ولم تَحسِر عن رأسك في المحاكم السابقة والحالية، وبقيْتَ على زِيِّك القديم، مع أنه قد التزم بالزِّيِّ الحديث سبعةَ عشر مليونًا؟!
فقلتُ لهم: إنني أُفضِّل أن آخذَ بالتقوى والعزيمة الشرعية، فأرتديَ الزِّيَّ الذي ارتداهُ سبعةُ ملياراتٍ من الأماجد الكرام، على أن أرتديَ بالإكراه القانوني والرخصة الشرعية زِيًّا يرتديه لا سبعةَ عشر مليونًا، ولا حتى سبعةُ ملايين، بل سبعةُ آلافٍ من السِّكِّيرين عَبيدِ أوروبا، هم وحدَهم من يرتدونه راضين مختارين.
ولا ينبغي أن يقال عن رجلٍ مثلي تَرَكَ الحياة الاجتماعية منذ خمسٍ وعشرين سنة: "إنه يعاند.. إنه مُعارضٌ لنا"؛ بل حتى لو كان الأمر عِنادًا، فإذا كان "مصطفى كمال" نفسُه قد عَجَز عن كسره، ولم تَقدِر عليه محكمتان، ولم يَقدِر على النَّيل منه رجالُ الحكومة في ثلاث ولايات، فمن أنتم حتى تحاولوا عبثًا كسرَ هذا العِناد، فتَضرُّوا بسعيكم هذا الحكومةَ والشعب؟!
— 15 —
ولنفرض أنني معارضٌ سياسي، فإنه لا يُتصوَّر من رجلٍ قَطَع علاقتَه بالدنيا ومات معنًى منذ عشرين سنة یی بإقراركم یی، أن يُبعَث ثانيةً ليخوض في مواجهتكم غمارَ حياةٍ سياسيةٍ تضرُّه جِدًّا ولا تنفعُه.. إنَّ توَهُّمَ المعارضة السياسية من رجلٍ كهذا ليس إلا جنونًا؛ ولمَّا كان الكلامُ الجادُّ مع المجانين جنونًا، فإنني أترك الكلام مع أمثالكم.
وقلتُ لهم: افعلوا ما شئتم، لا مِنَّةَ لكم عليَّ؛ فأَغضبَهم قولي هذا وأَسكتَهم.
وآخر قولي: حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ
٭٭٭