لاحقة أمير داغ
— 11 —
باسمه سبحانه..وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ
السلام عليكم ورحمةُ الله وبركاتُه أبدًا دائمًا
إلى إخواني في أميرداغ..
قولوا للذين يَتوجَّسون مني أوهامًا: إن هذا الرجل الذي نَخدُمه، لم تَدَعِ الحكومةُ شيئًا من كُتبه وأسراره ومراسلاته الخصوصية وغيرِ الخصوصية في عشرين سنةً من حياته إلا حَصلتِ عليه بتَحَرّياتٍ شديدة، وقد ظلَّت الجهاتُ القضائيةُ في "إسبارطة" و"دَنِزْلي" و"أنقرة" تسعةَ أشهرٍ تُدقِّق في كتبه وأوراقه التي ملأتْ خمسةَ صناديق، فلم تجد فيها مادةً واحدةً تستوجب عقوبةَ طالبٍ واحدٍ من طلابه ولو بسجنِ يومٍ واحد، فما كان من محكمةِ "دَنِزْلي" ولجنةِ الخبراء بی"أنقرة" إلا أن قَضَتا ببراءته بالاتفاق.
وإن هذا الرجل الذي نقوم على شؤونه الضرورية احترامًا لشيخوخته، قد ادَّعى أمام المحكمة، وأشهَدَ على دعواه جميعَ مَن حضرها مِن أصحابه، فصدَّقوه بأنه منذ عشرين سنةً ما قرأ صحيفةً ولا كتابًا سياسيًّا، ولا سأل عن شيءٍ من ذلك، ولا تكلَّم فيه؛ وأنه منذ عشرِ سنين لا عِلمَ له بأحدٍ من رجال الدولة وكبارِ مسؤوليها یی خَلا رئيسَي حكومةٍ وواليًا ونائبًا یی ولا يَعرفهم، ولا اهتمَّ بمعرفتهم.
وأنه منذ ثلاث سنين ما سأل عن الحرب العالمية، ولا عَلِمَ عنها، ولا اهتم بها، ولا استمع إلى مذياع.
وأن مؤلَّفاتِه المئةَ والثلاثين المنتشرة، قد قرأها مئةُ ألفِ إنسانٍ قراءةَ تَمَعُّنٍ في عشرين سنة، فلم ترَ الحكومةُ منهم إضرارًا بالإدارة أو الأمن أو الوطن أو الشعب؛ ولم تَجد منهم الشرطةُ الحَذِرةُ المدقِّقةُ ولا موظَّفو التحري في خمسِ ولاياتٍ أدنى جناية، ولم تَعثُر أربعُ محاكمَ جنائيةٍ في أربع ولاياتٍ من بينها العاصمةُ على أدنى جُرمٍ منهم، فلم تجد بُدًّا من إخلاء سبيلهم.
— 12 —
فلو كان لهذا الرجل رغبةٌ في الدنيا أو ميلٌ إلى السياسة، أفما كانت تَظهَرُ منه بوادرُ وأماراتٌ على ذلك؟! والحالُ أنهم ما استطاعوا أن يأتوا في محاكمته بأيَّ أمارة، فاضطُر مُدَّعٍ عامٌّ معاندٌ إلى استعمال تعبير إمكان الوقوع بدلًا من الوقوع نفسِه، فكرَّر في لائحةِ ادعائه قولَه: "إنه يمكن أن يفعل"، ولم يقل: "قد فَعَل"؛ وأين هذه من تلك؟! حتى إن "سعيدًا" قال له في المحكمة: يمكن لكلِّ شخصٍ أن يَقتُل، فيَلزَم بادِّعائك هذا أن يُحال كلُّ شخصٍ یی حتى أنت یی إلى المحكمة!!
والحاصل أن هذا الرجل إما مجنونٌ جنونًا مُطْبِقًا لا يكترث فيه لشيءٍ من أوضاع العالَم المروِّعة، وإما أنه لا يَتنزَّل لشيءٍ ولا يهتم به، كَيما يعملَ بإخلاصٍ لتحقيقِ أعظم سعادةٍ لهذا الوطن وهذا الشعب؛ وإذًا، فإنَّ إيذاءَه والتضييقَ عليه إهانةٌ للوطن والشعب، وخيانةٌ للأمن والاستقرار، وإنَّ التوجُّسَ منه جنون.
٭٭٭