لاحقة أمير داغ
— 79 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
اطَّلعتُ اليوم على مجموعٍ كان في جملةِ النُّسَخِ التي أعادتها إلينا المحكمةُ بعد تدقيقٍ دام سنتَين، وهو مجلدٌ كبيرٌ مُذَهَّبٌ يحوي أجزاءَ من رسائل النور خَطَّها أبرياءُ صِغارٌ وأُميُّون كبار، وأرسلوه إليَّ تَذكارًا، وقد توصَّلتُ من هذا إلى قناعةٍ بأن ما خَطَّه هؤلاء الأبرياء والأُمِّيون ببراءةٍ وإخلاصٍ كان أعظمَ وسيلةٍ للانتصار في مواجهة الفلاسفة والمعاندين، فلقد حطَّم عِنادَهم، وأرغم المتعسفين على سلوك سبيل الإنصاف.
وكنا قد جمعْنا ما نسَخَه هؤلاء الأُمِّيون من رسائل وأجزاء وصَلتْنا من أماكن شتى، فبلغتْ ثلاثة مجلدات، وقد وَجدتُ في مقدمة هذا المجلد المذكور الذي هو أحدُها كلمةً كتبتُها يومَ كنتُ في "قَسْطَموني"، ولعله وصَلَتْكم صورةٌ عنها من قبل، على أني سأرسلها إليكم، وسأُرفِق بها كذلك كلمةً أخرى يناسب أن توضع في مقدمة المجموع ذي الثمانية أقسامٍ تدُلُّ على مقبوليةِ رسائل النور.
— 80 —
نسلِّم على جميع إخواننا خاصةً الأبرياء والأميين، وندعو لهم، ونطلب منهم الدعاء، ونهنئهم ونبارك لهم ما كتبوه بأبلغ التهاني والتبريكات، فما شاهَدَ أحدٌ كتاباتهم إلا أُعجب بها مع بالغ التقدير.
"وَصلتْنا نُسَخٌ مما كتَبَه قُرابةُ ستين طالبًا من طلاب رسائل النور الصغار الأبرياء، وقد جمعنا الأجزاء التي كتبوها فبلغتْ ثلاثة مجلَّدات، وإليكم أسماءَ بعضهم على سبيل المثال:
الاسم العمر:
عُمَرُ ١٥، حسين ١١، مصطفى ١٤
مصطفى ١٣، أحمد زكي ١٣، بكر ٩
حافظ نبي ١٤، عائشة ١١، علي ١٢
هِجْرت ١٥، الحافظ أحمد ١٢
وليست الرسائل التي تَضمَّنها هذا المجلد سوى قسمٍ مما تَعلَّمه هؤلاء الأبرياءُ الصغار ودَوَّنوه من دروس رسائل النور، ولا ريب أن هذا العملَ الجادَّ منهم في هذا الزمان لَيُبيِّنُ أن في رسائل النور من اللذائذ المعنوية والأنوار الجذابة ما منحَ هؤلاء لذةً وسرورًا وحماسًا يَفوق جميعَ أنواع الملاهي والمُغرِيات المستخدَمة لحثِّ الأطفال على القراءة بحماسٍ في المدارس.
كما تؤكد هذه الحالُ أن رسائل النور تترسخ وتضرب بجذورها عميقًا، لا يقدر شيءٌ على اقتلاعها بإذن الله، بل هي مستمرة في الأجيال القادمة إن شاء الله.
ومثلما كان الأمر مع هؤلاء الأبرياء الصغار، كذلك كان مع الشيوخ المسنِّين الأُميِّين الداخلين في دائرة رسائل النور المباركة، فقد شَرَعَ هؤلاء في الكتابة بعد أن تجاوزوا سنَّ الأربعين أو الخمسين، لا لشيءٍ إلا لأجل رسائل النور، وقد أدرجنا نحو خمسين جزءًا مما كتبوه في مجموعَين أو ثلاثة.
— 81 —
لقد قام هؤلاء الشيوخ بهذا العمل برغم أُميَّتهم، بل برغم أن بعضهم رعاةٌ وأبناءُ بادية، وقدَّموا العمل لرسائل النور على ما سواه رغم الظروف الصعبة، وهذا لا شكَّ يُظهِر أن في هذا الزمان حاجةً إلى رسائل النور أشدَّ من الحاجة إلى الطعام والشراب، بحيث رأى هؤلاء الفلاحون والحَصَدَةُ والرعاةُ وأبناءُ البوادي حقائقَها حاجةً ضروريةً أَولى من الحاجات الضرورية الأخرى.
ولقد عانَيتُ مشقةً كبيرةً في تصحيح ما كتبه هؤلاء الأبرياء والأُمِّيون في المجلدات الستة الأخيرة، وفي هذا المجلد بدرجةٍ أقل، ولم يكن الوقت يُسعفني، فَوَرَدَ على خاطري وقيل لي معنًى: لا تتضايق؛ فإن كتاباتِ هؤلاء لا تُقرأ بسرعة، بل لقد أَجبرَتِ المستعجلين على قراءتها بأناةٍ، فأمكن للعقل والقلب والروح والنفس والمشاعر أن يأخذ كلٌّ منهم حِصتَه من حقائق رسائل النور التي هي بمثابة الغذاء والقوت، ولولا ذلك لأَخَذ العقلُ وحدَه حصةً جزئيةً، وظلتِ البقيةُ بغير غذاء.
وما ينبغي لرسائل النور أن تُقرأ كما تُقرأ سائر الكتب والعلوم، لأن ما فيها من علومِ الإيمان التحقيقي لا يشبه العلوم والمعارف الأخرى، فهي قُوْتٌ ونورٌ لِلَطائفَ إنسانيةٍ كثيرةٍ سوى العقل.
والحاصل أن النقص الذي في كتابات الأبرياء والشيوخ الأميِّين يَعود بفائدتين اثنتين:
أُولاهما: الإجبار على القراءة بدقةٍ وأناة.
والثانية: الإصغاءُ والتَّلْمذةُ بإعجابٍ لذيذٍ إلى ألسنتهم البريئة المخلصة، ودروسِهم العذبة الصادقة، تتلو ما في رسائل النور من مسائل حلوةٍ عميقة".
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭