لاحقة أمير داغ
— 78 —
أخي العزيز الوفي..
ونحن أيضًا نهنئكم بشهر رمضان الكريم؛ أما رُؤاكم التي رأيتموها فهي رؤًى مباركة، وهي إن شاء الله إشارةٌ إلى أن الحقَّ تبارك وتعالى سيجعلكم مَظهرَ إحساناتٍ جليلة، وإنَّ أعظم إحسانٍ وأَجَلَّ وظيفةٍ في هذا الزمان هي أن يُنقذ المرءُ إيمانه، ويعملَ على نحوٍ يقوِّي إيمانَ الآخَرين.
كن على حذرٍ من كلِّ ما يبعث على الأنانية والغرور، فإن التواضع والفناءَ عن الذات وتركَ الأنانية لَمِمَّا يَلزم أهلَ الحقيقة لا سيما في هذا الزمان، فهو أَلزَمُ ما يَلزمهم؛ لأنه لمَّا كان أعظمُ خطرٍ في هذا الزمان ناشئًا عن الأنانية والرياء، كان اللازمُ لكلِّ فردٍ من أهل الحقِّ والحقيقة أن يَشهَدَ على الدوام عيبَه وتقصيرَه، ويتهم نفسَه متحلِّيًا بالفناء عن الذات.
وإنه لَمقامٌ جليلٌ أن يحافظَ مثلُكم على إيمانه وعبوديته ببطولةٍ تحت وطأةِ ظروفٍ صعبة، وإحدى تعبيراتِ رؤاك هي تبشيرُك بهذه النقطة تحديدًا.
اُحصُل على رسالةٍ من رسائل النور تسمى: "التلويحات التسعة"، وهي رسالةٌ تتحدث عن حقيقة الطريقة، فطالعْها وادخُل دائرةَ رسائل النور دخولَ الرجالِ أربابِ المتانة والإيمان والحقيقةِ أمثالِك، فإن رسائل النور لم تُغلَبْ قطُّ في تصدِّيها لجميعِ هجماتِ هذا العصر، بل أَجبرتْ أعتى أعدائها على السماح رسميًّا بتداولها؛ حتى إن الجهات العليا والجهات القضائية بعد أن دقَّقتْ فيها عامَين كاملَين صدَّقتْ على السماح بتداولها، وأصدرتْ قرارًا يقضي بإعادةِ جميعِ ما صُودِرَ منها إلى أصحابه خصوصيًّا كان أو غيرَ خصوصي.
إن قوةَ مسلكِ رسائل النور وغَلَبَتَه وأخْذَه بيدِ كثيرٍ من المعاندين إلى الإيمان یی خلافًا لسائر الطُّرق والمسالك التي غُلِبَت یی إنما يُثبتُ أن رسائل النور معجزةٌ قرآنيةٌ معنويةٌ لهذا العصر، وتَشهدُ لهذا حوادثُ كثيرةٌ جَمَّة، وقد أَورثَتْنا هذه الحوادثُ
— 79 —
القناعةَ بأن الخدمة الدينية التي يمكن القيامُ بها في هذه البلاد خارجَ مسلك رسائل النور هي یی بمعظمها یی إما خدمةٌ خصوصيةٌ جزئية، بل شخصيةٌ فردية، أو هي خدمةٌ تؤدَّى خُفْيةً من موقع المغلوب، أو تَتخذ صورةَ التسامح مع البدع، أو تنطوي على نوعٍ من التحريف جرَّاءَ التأويلات.
فما دامت لك همةٌ عاليةٌ وإيمانٌ قوي، فكن طالبًا لرسائل النور يَسلُك مسلكَها بثبات، ويتحلى فيه بتمام الإخلاص والفناء عن الذات، كي تُشارك الآلافَ بل مئاتِ الآلافِ من طلابها في شركتهم المعنوية الأُخروية، فتَخرُجَ أعمالُ الخيرِ والبِرِّ لديك من حَيِّزِ الجزئية إلى دائرةِ الكُلِّية، وتَغنَمَ في الآخرةِ تجارةً رابحةً أتمَّ الربح.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭