لاحقة أمير داغ
— 76 —
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
يَلزم أن أبين لكم اليوم حالةً لي لكيلا تَرُدُّوا الأمرَ إلى غيرِ وجهه، فتُعلِّلوه بأسبابٍ يَضيق بها صدرُكم.
وهي أنني نتيجةَ ما لَقِيتُ من تضييقٍ في هذه العشرين سنةً أصابني مرضٌ شديدٌ مُزمِن، وقد كان أصلُه موجودًا لديَّ منذ القديم، وهو مرضُ الاستيحاش من الناس، أي اجتنابُهم وعدمُ الاختلاط بهم والتأثُّرُ من مخالطتِهم، حتى إني یی ما لم يكن اللقاء بالشخص متعلقًا بخدمة رسائل النور یی لَأستثقلُ اللقاءَ بأرهفِ إخواني حِسًّا وأخفِّ طلابي ظِلًّا، بل أتحرَّج كثيرًا من النظر إليَّ على أنني صَديق.
وكما كان ظلمُ الناس لي وجنايتُهم عليَّ سببًا لوقوعي في هذه الحال الشديدة، فلقد كانت العنايةُ الإلٰهيةُ وعدالةُ القدَر وصَونُ الإخلاص في الخدمة الإيمانية أهمَّ الأسباب التي تُخفِّف ظلمَ جنايةِ البشر إلى العدم، وتُحبِّب إليَّ هذا المرضَ، وتورِثني التحمُّل والصبر.
وكما أن القوم، لشدةِ هواجسهم وأوهامهم، منعوني المخالطةَ حتى أضرَّ ذلك بأعصابي، فإن العناية الإلٰهية من أرحم الراحمين قد ساقت إليَّ هذا المرض لِحِكَم، حتى لا يَنخدِشَ الإخلاصُ في الخدمة الإيمانية، ولا أُضطرَّ للتصنُّع ترويجًا للذات، ولا أُضطرَّ للتكلُّف والمراءاةِ تجاه مَن يُولُونني مزيدَ حُسنِ ظنّ، ولِأنجوَ من حالة التعلُّق بالأشخاص یی وهي حالةٌ ذات تأثيرٍ كبيرٍ في هذا الزمان یی فلا يُتَوجَّهَ إلى شخصي بالإقبال والمحبة، ولا أُظهِرَ نفسي شخصًا رفيعَ المقام فتتضرَّرَ الخدمةُ من ذلك، ولكيلا تُظلَم حقائقُ رسائل النور الواردةُ من القرآن، إذْ هي كالألماس، وبنسبتها إليَّ تنحطَّ قيمتُها وتغدو أشبهَ بقطع الزجاج؛ فلله الحمدُ والشكر.
فلا يكن هذا مدعاةَ حزنٍ لكم، بل ليكن مبعثَ سرورٍ ورضًا منكم، غير أني محتاجٌ إلى دعواتكم لتحمُّل الآلام الطبيعية.