— 290 —
رسالة موجَّهة من بديع الزمان سعيدٍ النُّورْسِيِّ إلى الجرائد والصُّحف
هذه رسالةٌ لأصحاب الجرائد التي تُعنى بتقصِّي أخبارنا ونشر القضايا التي تَخصُّنا، أُخبِرُهم فيها أني سأغفرُ لهم ما أذاعوه ضدِّي في هذه الأيام من ادِّعاءاتٍ كاذبة، إن هم قاموا بنَشرِ هذه الرسالة القصيرة التي كتبتُها رغم اشتداد المرض عليَّ، لأُطَمْئِنَ بها إخواننا المُهتمِّين لأمرِنا.
أولًا: لا تقلقوا بشأن القضايا التي تُثارُ في هذه الأيام، إذ من خلالها تتجلَّى علينا العنايةُ والرحمة الإلٰهية بخيرٍ عظيم؛ وإن انتشار رسائل النور بشكلٍ مذهلٍ داخلَ البلاد وخارجَها، وما حقَّقَته من فتوحاتٍ عظيمة، قد حوَّلَ حتى الأعداءَ إلى أصحاب.
ولِتردِّي حالتي الصِّحِّية ما عُدتُ أحتملُ مقابلةَ الناس والتحدُّثَ إليهم، ومع رغبة الجميع في مجالستي ومحاورتي، أَحسَنَت إليَّ العنايةُ الإلٰهية بأن بُحَّ صوتي كيلا أُضطَرَّ لذلك، وإيذانًا بأن رسائل النور لم تُبقِ حاجةً إلي.
وفي طريق سفري لتلبية دعوةٍ موجَّهةٍ لي من ستِّ ولايات، استقبلَني بعضُ الأصحاب من المسؤولين الذين عرفوا حقيقةَ مسلك رسائل النور، وأبلَغوني رغبةَ الحكومة بأن أُقيم في الوقت الحاليّ في "أميرداغ"، فكانت هذا الإجراءات في حقِّي مظهَرَ عناية، إذ ما عدتُ أُطيق لقاء الناس ومحادثتَهم، ولئلّا تنكسِرَ خواطرُ إخواني الحقيقيِّين الذين وجَّهوا لي دعوةً من ولاياتٍ كثيرة، ولكيلا يَحزنَ طلابي الحقيقيُّون الأوفياءُ الذين يُعَدُّون بمئات الآلاف بسبب ذهابي لبعض الولايات دون الأخرى.
ثانيًا: من الدلائل القطعية على أن جَوْلاتي هذه ليس لها أيةُ صلةٍ بالسِّياسة: أنني هجرتُ السِّياسة وتخلَّيتُ عنها منذ أربعين عامًا، وتوجَّهتُ فقط إلى رسائل النور التي هي تفسيرٌ للقرآن بما يناسبُ زماننا هذا بشكل تامٍّ.
ومثلَما شيَّدَت رسائلُ النور حصنًا منيعًا أمام الفوضوية والتيّارات المُدمِّرة، عبر تحطيمِها الكُفرَ المطلق، كذلك اعتبَرَتِ الاعتداءَ والمَساسَ بأمن البلاد واستقرارِها
— 291 —
بمثابة إنزالِ الظُّلم على تسعين بريئًا بجريرة خمسةِ جُناة، وذلك تطبيقًا للدَّرس الذي تلقَّتْه من القرآن الحكيم في دستوره الأساسيِّ المُعبَّر عنه بالآية: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، فكان لخدمتنا الإيمانية هذه نفعٌ جليلٌ للوطن والشعب، ولأمن البلاد واستقراره.
وعليه فإنني أُسامِحُ الشُّرطة وعناصرَ الأمن الذين تجسَّسوا عليَّ، أو الذين شاقُّوني وعادَوْني وضيَّقوا عليَّ، وأَقبَلُهم كإخوةٍ لي وكحَرَسِ أَمْنٍ مُجاهدين لإرساء الأمن والاستقرار؛ حتى لقد تقبَّلتُ أمرَ إرجاعِهم لي من "أنقرة"، ورَجَعتُ بكمال الرِّضى والسرور، وشكرتُ اللهَ كثيرًا إذ كان ذلك وسيلةً لعناية إلٰهية بحقِّي.
ثالثًا: كانت هنالك رَغَباتٌ كثيرة لدعوتي والاجتماع بي ومحاورتي بمناسبة انتشار رسائل النور وازدياد عدد قُرّائها والمتلهِّفين لها في كلِّ مكان، وهذا الأمر كان يستدعي ذهابي إلى عشرين ولاية، إلّا أنني لم أتمكَّن من الذهاب إلا إلى أماكن طباعة رسائل النور، وهي "أنقرة" و"إسطنبول" و"قونية".
فأقول للقوم الذين قاموا بتغيير وجهتي إلى "أميرداغ": لقد أصبحت هذه المعاملة مظَهرَ عناية ورحمة إلٰهية بحقِّي، فلستُ مستاءً منها أبدًا؛ لكن ثمّة أمرٌ واحدٌ فقط، وهو أن لي في ولاية "إسبارطة" التي أقمتُ فيها عشرين عامًا بيتًا استأجرتُه لمُدّة عامَين، إضافةً إلى بعض الأمتعة الخاصّة، فضلًا عن أنَّ مُناخَها أنفعُ لوضعي الصِّحِّي، فلذا أطلب من الحكومة السَّماحَ لي بالإقامة شهرًا في "أميرداغ" وشهرًا في منزلي الذي استأجرتُه في "إسبارطة".
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭