لاحقة أمير داغ
— 292 —

الدرس الأخير الذي ألقاه الأستاذ بديع الزمان قُبيلَ وفاته

على عموم طلاب النور
إخواني الأعزّاء..
إنَّ وظيفتَنا هي الحركةُ الإيجابية البنّاءة، دون العمل السلبيِّ الهدّام؛ وأداءُ الخدمة الإيمانية طلبًا لمرضاة الله وحده، دون التدخُّل في الشؤون والتدابير الإلٰهية.. إننا مكلَّفون بالتحلِّي بالصبر والتخلُّق بالشكر إزاءَ كل ما يعترضُ خدمتَنا الإيمانية من شدائدَ ومضايقات، وذلك حفاظًا على أمن البلاد واستقرارها الذي هو ثمرة تلكم الخدمة.
وسأتَّخذ من نفسي مثالًا: إنني منذ القديم لم أرضخ لأيِّ تحكُّم أو تسلُّط من قِبَل الآخرين، ولم أنحَنِ أمامَ أحدٍ بأيِّ شكلٍ من الأشكال؛ وهذا مُثبَتٌ بوقائعَ وحوادثَ عديدة، فمن ذلك: أنِّي لم أنهض للوقوف احترامًا للقائد العسكري في روسيا، ولم أُعِرْ أيَّ أهمِّيةٍ لأسئلة الباشوات الذين هدَّدوني بالإعدام أثناء المحكمة العسكرية العُرفية، وكرَّرتُ الأمرَ نفسَه في وجه أربعةٍ من القادة.. كلُّ ذلك يؤكِّدُ أنني لا أخضعُ لتحكُّمٍ أو تسلُّط من أحدٍ.
إلا أنني في سبيل تكريسِ العمل الإيجابي البنّاء، واجتنابِ العمل السَّلبي الهدّام، وعدم التدخُّل في الشؤون والتدابير الإلٰهية، قابلتُ جميعَ ما تعرَّضتُ له من معاملاتٍ وإساءاتٍ خلال الثلاثين عامًا الأخيرة بالصبر والرِّضا، مثلَما فعل "جرجيس عليه السلام"، والذين قاسَوُا الشدائد في غزوتي بدرٍ وأُحُد.
فمِن ذلك أنني لم أتوجَّه للدُّعاء بالسوء على المُدَّعي العامِّ مقابلَ ما أصدرَ من قراراتٍ جائرةٍ ضِدِّي، استنادًا إلى دعاوى كيديةٍ أَثبتُّ للمحكمة أنَّ فيها واحدًا وثمانين خطأً؛ ذلك لأن قضيَّتنا الأساسية في هذا الزمان هي الجهاد المعنويّ، وإقامةُ
— 293 —
التحصينات حِيالَ التخريبات المعنوية، وتقديمُ العون للحفاظ على الأمن الداخليِّ للبلاد بكلِّ ما نملكُ من قوّة.
أجل، إن في مسلكنا قوّةً، لكنَّها لأجل الحفاظ على الأمن والاستقرار، وهو ما كرَّستُ له حياتي كلَّها وبكلِّ ما لديَّ من طاقة، عملًا بدستور: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى الذي يقضي بأنَّ من ارتكب بنفسِه جنايةً، فلا يُؤاخَذُ بجريرته أخوه أو عائلتُه أو أقرباؤه.
إنَّ القوة التي نملكُها ليست موجَّهةً للدّاخل، وإنما ضدَّ الاعتداءات الخارجية؛ ووَفقَ الدستور المُستَفاد من معين الآية المذكورة فإن وظيفتَنا تتركَّزُ على السعي الجادِّ لتوفير الأمن الاجتماعيِّ الداخليّ، ولذلك لم تَنْشَبِ الحروب الداخلية المُخِلّة بنظام الأمن الداخلي في تاريخ العالم الإسلامي إلا بنسبة واحدٍ بالألف، وهذا الواحد إنما نجم عن تبايُنٍ في الاجتهاد.
وإن أعظم شرط للجهاد المعنوي هو عدم التدخُّل في الشأن الإلٰهيّ؛ فمُهِمَّتُنا هي الخدمة وحَسْبُ، ونحن مُلزَمون ومكلَّفون بأداء مُهِمَّتنا، وأما الثمار والنتائج فعائدةٌ إلى الحقِّ سبحانه.. وأُردِّد هنا ما قاله جلال الدين خُوارِزْم شاه: "إن وظيفتي هي تأديةُ الخدمة الإيمانية، وأما التوفيق أو عدمُه فهو شأنُ الحقِّ سبحانه".. فلقد تلقَّيتُ من القرآن الكريم درسَ العمل بإخلاص.
وجهادُ الخارج مختلفٌ تمامًا عن جهاد الداخل، فيمكن أن يُقابَل الاعتداءُ الآتي من الخارج بالقوة، لأن أموال العدو وأهلَه وذرِّيتَه تصبح بحكم الغنيمة؛ أما في الداخل فالأمر مختلف فيجب مجابهةَ التخريبات المعنوية بالعمل الإيجابيِّ البنّاء، والمكلَّل بسِرِّ الإخلاص.. ولقد أحسن الحقُّ سبحانه إليَّ اليوم بملايينِ الطلاب الحقيقيِّين، فسنتحرَّك بكلِّ قوَّتنا بعملٍ إيجابيٍّ بنّاءٍ، حفاظًا على الأمن الداخليّ.
وثمّة أمرٌ آخرُ في غاية الأهمِّية بحَسَب حُكم القرآن، وهو أن متطلَّباتِ المدنية الدَّنية فرَضَت في هذا الزمان زيادةً في الحاجات الضرورية من أربعٍ إلى عشرين،
— 294 —
فتحوَّلَت الحوائجُ غيرُ الضرورية یی بواقع العادات والإدمان یی إلى ضرورية، ما أدَّى بالمرء لإيثار الدنيا على الآخرة رغمَ إيمانه بها، وذلك في سبيل تحصيل المنافع الدنيوية والمستلزمات المعاشية، ظنًّا منه أنها ضرورة.
قبل أربعين عامًا أرسل إليَّ أحدُ القادة عددًا من الضُّبّاط یی بل حتى العلماء یی حتى يجتذبوني بعضَ الشيء إلى أمور الدنيا، فقالوا: إننا اليوم مضطرُّون لتقليد بعض أصول أوروبا، والأخذِ بما تفرضه مقتضيات تحضُّرهم، عملًا بقاعدة: "الضرورات تُبيح المحظورات"، فقلت لهم: أنتم مخدُوعون تمامًا! إنَّ الضرورة الناجمةَ عن سوء الاختيار هي خطأ قطعيّ، فلا تُحِلُّ حرامًا ولا تُبيح محظورًا؛ أما إن لم تَنجُم عن سوء اختيار یی بأن كانت من غير طريقِ الحرام یی فلا ضَيرَ في ذلك.
فلو أن أحدًا أسكَر نفسَه بسوء اختياره على الوجه المحرَّم، ثم قام بارتكاب جريمةِ قتلٍ، فإنه لا يُعدُّ معذورًا، بل يجري عليه حُكم جريمة القتل ويعاقَبُ، لأن هذه الضرورة وقَعَت بسوء اختياره؛ أما إن ارتكب طفلٌ مجنونٌ جريمةَ قتلٍ وهو في حالِ الجنون، فإنه معذورٌ لا يحاسَب، لأنه لم يحصل باختياره، ولم يتصرَّف بملء إرادته.
وقلتُ لأولئك الضُّبّاط والشُّيوخ: هل ثمّة حاجاتٌ ضروريةٌ غيرُ الحياة وتناول الطعام؟! فجميعُ ما سوى ذلك من التصرُّفاتِ الناجمةِ عن سوء الاختيار، والميولِ غيرِ المشروعة، والمعاملاتِ المحرَّمة، لا يصحُّ جعلُها علّةً ومدارًا لتحليل الحرام؛ فمن أدمَنَ أمورًا كمتابعة السِّينما وارتيادِ المسارح والمراقص، فلن يجعل هذا منها ضرورةً، ولن يغدوَ هذا الإدمان علّةً لإحلال الحرام، لأنه ناشئٌ عن سوء اختياره.
حتى إن القوانين البشرية قد أخذت هذه النِّقاط بعين الاعتبار، ففرَّقت بين الضرورة القطعيّة والأعمالِ الصادرةِ بغير اختيار، وبين الأعمال الناشئة عن سوء الاختيار؛ غيرَ أنَّ القانون الإلٰهي ميَّز بين هذه الأُسس بصورةٍ أكثرَ إحكامًا وثباتًا ورسوخًا.
ومع ذلك، فلا تهاجموا بعض العلماء بسبب إقرارهم للبدع، ظنًّا منهم أن بعضَ متطلبات العصر ضرورة، ولا تُصادموهم بها، فهؤلاء بائسون يسيرون بغيرِ هُدًى، وقد
— 295 —
ظَنُّوا الأمرَ بلغ حدَّ الضرورة.. فإنَّنا لا نُهدِرُ قُوَّتنا في الصِّدامات الداخلية، فلا تتعرَّضوا لمن يُخالِفُنا حتى وإن كانوا من أهل العلم.
لقد قاومتُ وحدي مِن قَبْلُ جميعَ أولئك الخصوم المُعارضين ممَّن وقفوا ضِدِّي، ولم أَفتُر مقدارَ ذرّةٍ واحدة، فحَظِيتُ بالتوفيق في هذه الخدمة الإيمانية؛ واليوم يُوجَد الملايينُ من طلبة النور، إلا أنني ما زلتُ أتصرَّف بنهجٍ إيجابيٍّ بنّاءٍ، وأتحمَّل جميع ما يَصدُر منهم من ظلمٍ وإهانةٍ واضطهاد.
إننا لا نتوجَّه إلى الدنيا ولا نلتفتُ إليها، وحينما ننظر إليها فإنما نعمل كمساعِدِين ومعاوِنين لأولئك السِّياسيِّين على توفير الأمن بأسلوبٍ إيجابيّ، فإن هم أساؤوا معاملتَنا، توجَّب علينا تقبُّلُ الأمر في سبيل هذه الحقائق الجليلة.
لقد أورث انتشارُ رسائل النور في كلِّ مكانٍ قناعةً قطعيةً بأن الديمقراطيِّين مُناصِرون للدِّين، ولذا فإن المَساسَ بأيةِ رسالةٍ يُعدُّ مضادًّا لمصلحة الوطن والشعب تمامًا.
وثمّة رسالةٌ خاصّة كنت قد منعتُ من نشرها، وأذنتُ بنشرِها بعد وفاتي، إلّا أن المحاكم قامت بمصادرتها وتدقيقها، ثم أَصدَرَت قرارَ البراءة بحقِّها، وصدَّقَتْ محكمةُ التمييز على قرار البراءة؛ لذا أذنتُ یی بدوري یی بنشرها حفاظًا على الأمن والاستقرار الداخليّ، وللحيلولة دون أن يمسَّ الضررُ خمسًا وتسعين بالمئة من الأبرياء، وقلتُ: يمكن لسعيدٍ أن ينشُرَها بعد التشاوُر في الأمر.
المسألة الثالثة: يسعى الكفرُ المُطلَق اليومَ لنشرِ سعيرِ جهنَّمَ معنويٍّ، يَفرِضُ على كلِّ كافرٍ في العالم ألّا يقتربَ منه.. ولكنَّ أحدَ أسرار كونِ القرآن رحمةً للعالَمين هو أنه مثلما كان رحمةً للمسلمين جميعًا، فهو كذلك رحمةٌ لجميع المُلحِدين، ولعموم النوع البشريِّ في العالم، إذ يورثُهم الإيمانَ بالله تعالى وبالآخرة یی احتمالًا یی، فيخفِّف عنهم هذا الاحتمال شيئًا من الجحيم المعنوي الذي يكتوون بناره في هذه الحياة الدنيا.
— 296 —
والحال أن الجزءَ المُضلِّل من العلم والفلسفة، أي: غيرَ المتوافق مع القرآن الكريم، والمنحرفَ عن الصراط السَّويِّ، شرع الآن بنشر الكفر المُطلَق على طراز الشيوعيِّين، فبدأ بتغذية أفكارهم المُنتِجة للفوضوية، ونشرِها بواسطة المنافقين والزنادقة وبعض السياسيِّين الملحدين المتعصِّبين.. وبالتالي فلا يمكن للحياة أن تستمرَّ بدون دين، بل لا يمكن أن تُطاق.
وإن مبدأ "لا حياة لأُمّةٍ بغير دين" يُشير إلى هذه النقطة تحديدًا، إذ لا يمكن العيشُ أبدًا إذا حلَّ الكفر المطلق؛ لذا فإن القرآن الحكيم یی في واحدةٍ من معجزاته یی مَنَح هذا الدرسَ العظيمَ لتلامذة رسائل النور في هذا الزمان، ليُشَيِّدوا سدًّا أمام الفوضوية والكفر المطلق، وقد تحقَّق ذلك الأمرُ بالفعل.
أجل، إن درس القرآن الحكيم هو الذي وقانا من هذا التيّار الذي استولى على الصين وشطرِ أوروبّا ودول البَلقان، وأقام سدًّا أمام ذلك التيّار، وأوجد حلًّا لهذا الخطر الداهم.
وبناءً على ذلك: فلا يمكن لمسلم أن يُبدِّل دينَه ويعتنقَ دينًا آخر، سواءٌ كان اليهوديّةَ أو النَّصرانيّة، كما لا يمكن أن يكون بلشَفيًّا (شُيوعيًّا) على وجه الخصوص، لأن النصراني إذا أسلم فإن حبَّه لعيسى عليه السلام يعظُم أكثر، واليهودي يزداد حبُّه لموسى عليه السلام بعد دخوله في دين الإسلام؛ لكن إن ارتدَّ المسلمُ عن دينه، وانسلخ من السلسلة المحمَّدية، فلا يمكنه اعتناقُ أيِّ دينٍ آخر، بل يتحوَّل إلى فوضويّ، ويَفقِد في روحه أيَّ مَبعثٍ للكمالات، ويَفسُد ضميرُه ويتفسَّخ وِجدانُه، ويتحوَّل سُمًّا زعافًا في المجتمع.
لذا فإننا نحمد الله كثيرًا أن بدأ درسٌ من دروس القرآن المعجز ينتشرُ یی وفقَ إشارات غيبيّةٍ للقرآن الحكيم یی بين الأمم التركية والعربية البطلة، وباللسان التركي والعربي، تحت مُسمَّى "رسائل النور"، ليُنقِذ هذا العصر.. ومثلَما أنقذت إيمانَ ستِّ مئة ألفِ شخصٍ قبل ستة عشر عامًا، فقد تعدَّى هذا العددُ الملايينَ الآن على التحقيق؛
— 297 —
ما يعني أن رسائل النور مثلَما شكَّلَت یی بدرجةٍ مّا یی وسيلةً لنجاة البشر من الفوضوية، كذلك أصبحت وسيلةً للتآخي والوحدة بين أبطال الإسلام الإخوة: "العرب والتُّرك"، وأصبحت كذلك وسيلةً لنشر قوانين القرآن الأساسية، وهذا الأمر حَظِي بالمصداقية حتى من الأعداء.
فما دام الكفرُ المطلَق يقفُ في هذا الزمان معارِضًا للقرآن، فإن له في الدنيا أيضًا جهنَّمَ أشدَّ وأعظم من جهنَّمِ الآخرة، إذ الموتُ لا يُمكن قتلُه، بل تَشهَد على دوامِه ثلاثون ألفًا من الجنائز كلَّ يوم؛ وإن المترديَ في الكفر المطلق أو المناصِرَ له يُقاسي عذابًا يفوق عشَرةَ أضعافِ عذابِ جهنَّم، نظرًا لتفكيره بأن هذا الموت إنما هو إعدامٌ أبديٌّ له ولِذويه السابقين واللاحقين، ممّا يُعزِّزُ استشعارَه عذابَ جهنَّمَ في قلبه من خلال الكفر المطلق، فكلُّ إنسان يَسعَدُ بسعادة ذويه ويتألَّم بآلامهم، غيرَ أن الذي يُنكِر وُجودَ الله تزول عنه جميع تلك السَّعادات، ويَحُلُّ محلَّها الآلامُ والعذاب.
ولإزالة "جهنَّم" المعنويّة هذه من قلوب الإنس في هذه الدنيا، ثمّة حلٌّ وحيدٌ في هذا الزمان، ألا وهو القرآن الحكيم، وأجزاءُ رسائل النور التي هي مُعجِزتُه المعنوية المُوافقة لأفهام هذا العصر.
إننا نحمد الله كثيرًا أنَّ بين الأحزاب السياسية اليومَ حزبًا أدرك یی إلى حدٍّ ما یی هذا الأمر، فلم يمنع نشرَ هذه المؤلَّفات، ولم يُناهض رسائلَ النُّور التي تُثبت أن الحقائق الإيمانية تُورِثُ أهلَ الإيمان جنّةً معنويةً في هذه الدنيا، وتفاعَلَ مع قضية نشرِها بصورةٍ إيجابية، وتخلَّى عن سياسة التضييق على ناشريها.
إخواني: لقد اشتدَّ عليَّ المرض كثيرًا، ولرُبَّما أُفارِقُ الحياةَ عمّا قريب، أو ربما أُمنَعُ من الحديث كُلِّيًّا كما يحدُث في بعض الأحيان؛ لذا فإنَّ على إخوانِ الآخرةِ النوريِّين التغاضيَ عن أخطاء بعضِ المُخطئين المساكين، وليَعُدُّوها من قبيل "أهونِ الشَّرَّينِ"؛ ولْيَعمَلُوا دومًا وَفقَ مُقتضَياتِ العمل الإيجابيِّ البنّاء، إذ العملُ السَّلبيُّ الهدّامُ ليس وظيفتَنا، ولا ينفعُ في الحِراك الداخليّ.
— 298 —
وما دام بعضُ المسؤولين السياسيِّين لا يُلحِقون الضررَ برسائل النور، بل يُبدون بعضَ التسامُح، فانظروا إليهم نظرةَ "أهونِ الشَّرِّ" تخلُّصًا من "أعظم الشَّرِّ"، ولا تَمَسُّوهم بسوء، وليَعُمَّهم نفعُكم.
إنَّ الجهاد المعنويَّ في الداخل هو عبارةٌ عن السَّعي لمواجهة التخريبات المعنوية، فلا يتطلَّب القيامَ بإجراءات مادِّية، بل معنويةٍ فحَسْبُ.
وما دُمنا لا نتدخَّلُ بشؤون أهل السِّياسة، فلا يحقُّ لهم بأيِّ شكلٍ من الأشكال أن ينشغلوا بنا.. ومثال ذلك: أني تعرَّضتُ لأُلُوف المضايقات من أحدِ الأحزاب، بل إنَّه زَجَّ بي في السِّجن، وقاسيتُ بسببه شتَّى صنوف الظلم والمشاقِّ على مدى ثلاثين سنةً، إلا أنني غفرتُ إساءتَه في حقِّي، وجعلتُه في حلٍّ مني؛ فمُقابلَ ما قاسَيتُ من العذاب صِرتُ وسيلةً لخلاصِ خمسةٍ وتسعين بالمئة من الأبرياء من أن يكونوا عُرضةً للطعن والاعتراض والظلم، بحُكم الآية الكريمة: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، فكان أن وُجِّهَت التُّهَمُ إلى خمسةٍ بالمئة منهم فقط، لذا لا يحقُّ اليوم لهذا الحزب الذي عادانا أن يتقدَّم بشكوى ضِدَّنا بأيِّ شكلٍ من الأشكال.
بل لقد حاول مُدَّعٍ عامٌّ في إحدى المحاكم إدانتي بما يُوقعه في ثمانين خطأً یی كما هو مُثبَتٌ لديهم یی استنادًا إلى هواجسَ خاطئة أدلى بها المُخبِرون والجواسيسُ، وبتأويلٍ مغلوطٍ ناتجٍ عن سُوء الفهم لبعض أجزاء رسائل النور وقلّةِ إمعانٍ للنظر فيها؛ وتعرَّضتُ مع سبعين أخًا مُتَّهمًا كانوا معي في المحكمة لظلمٍ وهجومٍ شديدَينِ، وزُجَّ بنا في السجن؛ وفي أحد الأيام شاهدتُ من نافذة السِّجن طفلةً ذاتَ ثلاثةِ أعوام، فسألتُ: ابنةُ مَن هذه؟ فقالوا: ابنةُ ذلك المُدَّعي العامّ. فلم تُطاوعني نفسي بالدُّعاء عليه رأفةً بتلك الصغيرة البريئة.. ولقد انقَلَبَت تلكم المِحنُ التي سامَني إيّاها إلى مِنَح، إذ صارَت وسيلةً لإشهار رسائل النور، والإعلان عن هذه المعجزة المعنوية.
إخواني، ربما أموتُ قريبًا.. وقد انتشر في هذا العصر مرضٌ آخرُ هو: الأنانية، وحبُّ النفس، وإيثارُ الذات، والإدمان، والرغبة في قضاء حياةٍ رغيدةٍ في ظل مباهج الحضارة ونَزَوات المدنية.. إلى غير ذلك من الأمراض.
— 299 —
وإن أوَّل درسٍ تلقَّتْه رسائلُ النور من القرآن يقومُ على أساسِ التخلِّي عن الأنانية وحُبِّ النفس، ولُزوم التجرُّد عن إيثارِ حظِّ النفس، كي تُؤدَّى خدمةُ الإيمان بإخلاصٍ حقيقيّ؛ وقد برز في الساحة بحمد الله أشخاصٌ كُثْرٌ ممَّن بلغوا ذلك الإخلاص الأعظم؛ وهنالك الكثيرُ ممَّن يفدي بشخصيَّته وجاهِه ومنصبه أصغرَ مسألة إيمانية.
حتى إن أحد تلاميذ النور البُسطاء بُحَّ صوتُه برحمةٍ إلٰهية، لمّا أصبح الكثيرُ من أعداء رسائل النور إخوانًا له، وكَثُر مُجالِسُوه والراغبون بلقائه؛ بل غدت نظراتُ الذين ينظرون إليه باستحسان وتقدير بمثابةِ مسِّه بالعين، فيتأذَّى منها كثيرًا، والمصافحاتُ تشقُّ عليه كأنها صفَعاتٌ تُوَجَّه إليه.
وحين سُئل: ما سِرُّ حالتك هذه؟ لديك الملايينُ من الأصحاب، فلماذا لا تراعي مشاعرَهم وتصونُ خواطرَهم؟! فأجاب قائلًا: ما دام رائدَ مسلكِنا الإخلاصُ الأعظمُ، فإن مقتضاه أن يُضحِّيَ المرءُ لا بحظِّ نفسه وأنانيَّته فحَسْبُ، بل لو مُنح سلطنةَ الدنيا برُمَّتها، لَوَجَب عليه تفضيلُ مسألةٍ إيمانيةٍ واحدةٍ باقيةٍ على تلك السَّلطنة.
ومن هنا: آثر تدوينَ نُكتةٍ قرآنيةٍ دقيقةٍ في آيةٍ واحدةٍ أو في حرفٍ منها وهو في غمار الحرب وعلى الجبهات القتال وفي الخطوط الأمامية وبين قذائف الأعداء ومدافعِهم، فقال لكاتبه "حبيب": "أَخرِجْ دفترك"، وأملى عليه تلك النكتةَ وهو على صَهْوةَ جوادِه! فلم يتخلَّ عن نكتةٍ واحدةٍ في حرفٍ واحدٍ من القرآن في مواجهة مدافعِ الأعداء، بل آثرها على إنقاذ حياته في تلك الحرب.
سَأَلْنا أخانا ذاك: "من أين تلقَّيت درسَ الإخلاص العجيب هذا؟".
فقال: من نكتتين:
الأولى: في غزوة بدرٍ التي هي من أعظمِ غزوات عالَمِ الإسلام وأعجَبِها، حيثُ أمَرَ فخرُ العالمين (ص) في حديثٍ شريفٍ بوَضعِ شطرِ المجاهدين أسلحتَهم، والاصطفاف لأداء صلاتهم جماعةً، بينما لَبِث الشطرُ الآخرُ متأهِّبين متربِّصين وِجاهَ
— 300 —
العدوِّ، ثم التحقوا بالصلاة بعد أن أدَّى الأُوَلُ صلاتَهم، كيلا يُفوِّتُوا ثوابَ الجماعة أثناءَ هجوم الأعداء.
فرُوعِيَ بهذه الرُّخصة أجرُ الجماعة حتى في الحرب مع أنَّها سُنّة، ورُجِّحَت على أكبر حادثةٍ في الدنيا: "الحرب"؛ ونحن اقتبسنا نكتةً صغيرةً من مثلِ هذه الإشارة من الأستاذ المطلق (ص)، واتَّبعناه بأرواحنا وأنفُسنا.
الثانية: أنَّ بطلَ الإسلام سيِّدَنا عليًّا رضي الله عنه طلب من الله تعالى في مواضعَ كثيرة من قصيدته "البديعية" یی ولا سيما في أواخرها یی حاميًا يحميه من طُرُوءِ الغفلة في أثناء الصلاة، فتضرَّع إلى الحقِّ سبحانه أن يَخُصَّه بعفريتٍ يَحرُسُه ممّا يمكن أن يُحدثَه في البال تصوُّرُ هجوم أعدائه الكُثْر في أثناء صلاته، فيحولَ دون طُمأنينتِه وخشوعه فيها.
وإن أخاكم المسكينَ هذا الذي قضى صفوةَ عُمُرِه في هذا الزمان مقبلًا على حظِّ النفس، قد استلهم هاتين النُّكتتَينِ الصغيرتَينِ من سبب خِلقةِ العالم (ص)، ومن بطل الإسلام رضي الله عنه؛ وأَولَى أسرارَ القرآنِ اللازمةَ في هذا الزمان أهمِّيةً عظيمة، فلم يكترث لحياته في الحرب، في مقابلِ بيانِ نكتةٍ واحدةٍ في حرفٍ واحدٍ من حروف القرآن.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭