لاحقة أمير داغ
— 69 —

إخواني الأعزاءَ الأوفياء..

نظرًا لِما أخبرني به الكاتبُ الذي يَخدُمني، إذْ تحدَّثَ بحماسٍ في أول شهر رمضان هذا عن علامات "العيد" متأثرًا بحادثةٍ جرت في الشرق، وصونًا لوقته الثمين في هذا الشهر الكريم من أن يَضيع فيما لا يعنيه من أخبار المذياع، فإني سأوضِّح حقيقةً وَرَدت في المسألة الرابعة من "رسالة الثمرة".
فقد أُخطِر إلى قلبي عدةَ مراتٍ معنًى أن أتناولَ هذه الحقيقةَ الواسعةَ المتداخلةَ العاصفة، فأبيِّنَ أضرارَها بإيجازٍ في صورةِ إشاراتٍ مختصَرةٍ غايةَ الاختصار، وَفقًا لنظرةِ "سعيدٍ القديم" إلى الآفاق، وذلك بغيةَ تعديلِ فضول طلاب رسائل النور؛ غير أن المسألة واسعةٌ جدًّا، بينما وقتي ضيقٌ وحالي مشتَّتٌ مضطرب؛ لذا ستجدون مشقةً في فهمها، لكني أثق بنباهتكم.
— 70 —
سبق أن ذُكِرَ في تلك المسألة الرابعة من "رسالة الثمرة" ما مُفادُه:
إن سبب عدم تدخلي في السياسة الجارية في العالَم هو أن الوظيفةَ في تلك الدائرةِ الواسعةِ الكبيرةِ: قليلةٌ صغيرة؛ فضلًا عن أن تلك الدائرة یی لجاذبيتها یی تستحوذ على أصحابِ الفضول وتَشغَلهم بنفسها، فتُنسيهم وظائفَهم الحقيقية الجليلة، أو تُقَصِّر بهم عن أدائها تامَّةً فيُخلِّفونها ناقصة؛ ثم إنها على كلِّ حالٍ تورِثُ المرءَ تحيُّیزًا وتحزُّبًا يجعله يستحسن ظُلم الظَّلَمةِ فيكون شريكَهم.
وإني أقول اليوم:
أيها المساكين المتلذِّذون بالغفلة الناتجة عن متابعة الحوادث الآفاقية.. إنْ كان الفضولُ وحبُّ الاطلاع المغروزُ في فطرة الإنسان يَسوقكم بدافعِ الإنسانية للاهتمام بهذه الحوادث والصراعات الواسعة، ملحِقًا الضررَ بوظيفتكم المفروضة اللازمة، وكنتم ترَون ذلك حاجةً معنويةً فطرية، فإني أقول لكم:
اِعلموا قطعًا أنه مثلما لا تثير فضولَ المرء ولا تسترعي اهتمامَه خِلقةُ الإنسان الملأى بالمعجزات، في حين أنه لو رأى إنسانًا برأسين أو ثلاثةِ أرجلٍ لاستغرق في تأمله بكلِّ فضولٍ واهتمام؛ فكذلك حوادثُ نوعِ البشرِ في هذا العصر، إذْ ما هي إلا حوادثُ مؤقتةٌ فانيةٌ تخريبيةٌ واسعةُ النطاق!! والحالُ أن على وجه الأرض مئةَ ألفِ أُمَّةٍ من أمثال الإنسان، كلُّ أُمَّةٍ منها مَظهرٌ لحوادثَ عجيبةٍ جَمَّة، فلو نَظرتَ إلى أمةٍ من هذه الأمم في الربيع، كأُمَّةِ النحل أو طائفةِ العِنَب، لوَجدتَ فيها من الحوادث التي تثير الفضول وتسترعي الاهتمامَ ما يَفوق حوادثَ البشر تلك بمئة ضِعف، فضلًا عما تتضمنه من لَذائذَ روحانيةٍ معنوية.
فإذا كان للمرء أن ينصرف عن هذه اللذائذ الحقيقية ولا يَهتمَّ بها، ويتعلَّقَ بحوادث البشر العارضةِ الشريرةِ الضارَّة ويتابعَها باهتمامٍ واستمتاع، فإنما يمكنه ذلك لو كان البقاء في الدنيا أبديًّا، وكانت هذه الحوادثُ دائمةً، وكانت مما يتأتَّى منه النفعُ والضُّرُّ لكلِّ أحد، وكان المتسبِّبون بها فاعلين حقيقيين وموجِدين حقيقيين؛ والحالُ
— 71 —
أنها مجردُ أحوالٍ عابرةٍ كعواصف الجو، وأن تأثير المتسبِّبين بها جِدُّ جزئيّ، وأنها لا تَقدِر أن تُصيبَك بنفعها أو ضرها من الشرق أو من وراء البحر المحيط!!
ألا إنه لَجنونٌ يفوق الوصف أنْ تترقبَ الضُّرَّ والنفعَ من أقاصي العالَم، غافلًا عن ربوبيةِ وحكمةِ ذاتٍ أقدسَ هو أقربُ إليك من نفسِك، وقلبُك في قبضةِ تصرُّفه، وجسمُك تحت تدبيره وإيجاده.
ثم إن لهذا النوع من الفضول وحبِّ الاطلاع أضرارًا كبيرةً من حيثُ الإيمانُ والحقيقة؛ ذلك أن أوسعَ دائرةٍ تورِث الغفلة، وتُغرِقُ في الدنيا، وتُنسي الآخرةَ والوظيفةَ الإنسانيةَ الحقيقية، هي دائرةُ السياسة، خصوصًا أمثالَ هذه الحوادثِ العامةِ الواقعةِ على شكلِ صراعات، فإنها تُغرِقُ القلبَ وتَخنُقُه خَنقًا، ولهذا يَلزم إيمانٌ ساطعٌ كالشمس يرى رسْمَ القدَرِ الإلٰهي في كلِّ شيء، ويشاهد أثرَ القدرةِ الربَّانية في كلِّ وضعيةٍ وحركة، لئلا يَغرَق القلبُ في ظُلمات ذلك الظُّلْم، ولا ينطفئ الإيمان، ولا يَزيغَ العقلُ إلى الطبيعة والمصادفة.
حتى إن أهل الحقيقة في سعيهم للوصول إلى الحقيقة وإلى معرفة الله تعالى، يجتهدون في نسيانِ دوائر الكثرة صَونًا للقلب من الشَّتات، وحفظًا للرغبة والشوق والذوق التي ينبغي صرفُها إلى الشؤون الجليلة اللازمة، من أن تتبدَّد وتَتلفَ في أشياء تافهةٍ فانية.
بل لأجلِ هذا السِّرِّ الجليل لا يمكن لمعظم السياسيين أن يكونوا متديِّنين متَّقين تمامَ التقوى من حيث خدمتُهم لقواعد الدين ودساتيره، حاشا بعضَ الصحابة الكرام ممن لهم إيمانٌ كالشمس، ومَن كان على سيرتهم من المجاهدين والسلف الصالح؛ وكذا لا يمكن لمن كان على تديُّنٍ حقيقيٍّ وتقوًى تامةٍ أن يكون سياسيًّا؛ أي إنَّ مَن جعل السياسةَ مقصَدَه الأساسي، كان الدينُ عنده في الدرجة الثانية، وكان حكمُ الدين عنده حكمَ التبعي؛ أما المتديِّن الحقيقي فيمارس السياسة لا بدافع الحبِّ والشغف، بل انطلاقًا من أن أعظمَ غايةٍ في الوجود هي العبودية الإنسانية، لذا يُنزِل السياسةَ
— 72 —
المرتبةَ الثانية أو الثالثة، ويجتهد في جعلها أداةً للدين والحقيقة، وإلا جَعَلَ الألماسَ النفيسَ الباقيَ أداةً بيدِ زجاجٍ خسيسٍ متكسِّر.
والحاصل: كما أن السُّكْرَ يُورِثُ صاحبَه لَذَّةً قصيرةً منحوسة، إذْ يُنسيه مؤقتًّا الحاجاتِ الناشئةَ عن وظيفته الحقيقية، والآلامَ الناجمةَ عن عدمِ أدائها، فكذلك متابعةُ مثلِ هذه الصراعات والحوادثِ الفانيةِ بفضولٍ واهتمام، فإنه نوعٌ من السُّكْر يُنسي الإنسانَ الحاجاتِ الناشئةَ عن الوظيفة الحقيقية، والآلامَ الناجمةَ عن عدمِ أدائها؛ فيورِثُه لَذَّةً منحوسة؛ أو يُرْديه في يأسٍ خطيرٍ فيخالف الأمرَ الإلٰهيَّ: لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ، فيَستحِقُّ الصَّفعات حينئذٍ؛ أو يُمسي مَظهرًا لصفعاتِ التهديد الإلٰهيِّ الشديدِ القائل: وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ، إذْ يشارك الظَّلَمَةَ في ظلمهم معنًى تطوُّعًا منه، فيستحق العقاب في الدنيا والآخرة.
على أنه يَرِدُ على قلبي قلقٌ مُهمٌّ وسُلوانٌ، فأما القلق فهو مِن أن تُخلِّفَ هذه الصراعاتُ الواسعةُ ضررًا أعظمَ من الضرر الذي خلَّفتْه الحربُ العالميةُ الأولى، فتتولَّدَ عنه وحشيةٌ دجَّاليةٌ في مركزِ المدنيَّةِ ومنبعِها، أعني أوروبا.
وأما مَبعثُ السُّلوان بإزاء هذا القلق، فهو أن يَشهَد العالَم الإسلاميُّ صحوةً تامةً، ويتخذَ العالَمُ الجديدُ المسيحيةَ الحقيقيةَ منهجَ حركة، فيتفقَ مع عالَم الإسلام، ويتَّحدَ الإنجيلُ مع القرآن ويَتْبعَه، ليتأيَّد هذا الاتحادُ بعونٍ سماويٍّ في تصدِّيه لذَينِك التيارَين الرهيبَين القادمَين فيَهزِمَهما بإذن الله تعالى.
سلامي لعموم إخواني فردًا فردًا، ونهنئكم بليلة القدر المنقضيةِ أو الآتية.
٭٭٭