— 67 —
تتمة موضوع الحِسِّ قبل الوقوع
إخواني الأعزاءَ الأوفياء..
أكتب هذه التتمة، لبيانِ أنه مثلما وقع إحساسٌ بصورةٍ كُلِّيةٍ بظهور رسائل النور، بطريقِ الحسِّ قبل الوقوع، فقد جرى إعدادُ خواصِّ طلابها وتهيئتُهم لأداء خدمتها كما اعترف بذلك بعضُهم.
نعم، إن الحسَّ قبل الوقوع، موجودٌ كُليًّا أو جُزئيًّا لدى كلِّ إنسان، بل هو موجودٌ حتى عند الحيوان، حتى إن قسمًا مهمًّا من الرؤيا الصادقة ليس سوى نوعٍ من أنواعه، وربما بلغ عند بعضهم من حيث الحساسيةُ درجةَ الكرامة؛ وإن إحساسي بمجيء المطر قبل هطوله بأربعٍ وعشرين ساعة بما في أعصابي من حساسيةٍ تجاه رطوبة الهواء، يَصِحُّ أن يُعَدَّ بجهةٍ ما حِسًّا قبل الوقوع، ويَصِحُّ ألَّا يُعَدَّ كذلك من جهةٍ أخرى.
ولقد تأملتُ في مسيرةِ حياةِ إخواني ذوي الشأنِ في خدمةِ رسائل النور، فوجدتُها كمسيرةِ حياتي، قد أُعِدَّتْ ووُجِّهَتْ لتُفضِيَ إلى نتيجةٍ كرسائل النور.
نعم، وكما أَحسَّ الكثيرُ من إخواني كی"خسرو" و"فيضي" والحافظ "علي" و"نظيف" بأن نمط حياتهم الذي عاشوه قد هُيِّءَ وفقًا لهذه الخدمة النورية، فقد
— 68 —
وجدتُ أن نمطَ حياةِ الخواصِّ من إخواني هنا هو كنمط حياتي، قد نُظِّم بحيث يُثمر مثلَ هذه الثمرة النورانية؛ ولو دَقَّق في الأمر مَن لم يُحِسَّ بهذا لأحسَّ به.
ولقد كنتُ فيما مضى أعُدُّ القسمَ الخارقَ من حياتي كلِّها سلسةَ كراماتٍ للغوث الأعظم، ولقد تَبيَّن اليومَ أنها سلسةُ كراماتٍ لرسائل النور.
فمن ذلك أني حين مجيئي إلى إسطنبول قبل عهد الحرية، وقع بيدي في الطريق كتابٌ أو كتابان من الكتب المهمة في علم الكلام، فقرأتُه بدقةٍ وإمعان، فلما نزلت بإسطنبول دعوتُ العلماء وأساتذةَ العلوم الحديثة إلى المناظرة من غير سبب، وقلتُ لهم: ليسألْني مَن شاء عمَّا شاء؛ والعجيب أن جميع الأسئلة التي طرحها مَن جاء للمناظرة كانت مسائلَ قرأتُها في الطريق وعلِقتْ بذاكرتي، وكذا الأسئلةُ التي طرحها الفلاسفة، كانت مسائل محفوظةً بذاكرتي!! وقد تَبيَّن اليوم أن هذا التوفيق العجيب، وما جرى مني من ترويجٍ للذات يفوق حدي بكثير، ومن إظهارٍ للفضيلة من غير داعٍ، إنما كان تهيئةً وتمهيدًا لقبولِ رسائل النور وأهميتِها لدى إسطنبول وعلمائها.
والثاني: أنني یی وكما جاء في سيرة حياتي یی كنتُ منذ الصِّغَر أمتنع عن قَبول أموال الناس وهداياهم، وأترفَّع عن إظهار حاجتي، مع أني كنت فقيرًا محتاجًا، ولم أكن مع هذا زاهدًا أو صوفيًّا أو من أصحاب الرياضات، كما لم أكن شخصًا عظيمَ المنزلة أو عريضَ الجاه أو عريقَ الحَسَب؛ وكنتُ أعجَبُ من هذا كما كان يَعجَب منه مَن يَعرفني، ولقد تبيَّن فيما بعدُ، لا سيما في السنوات الأخيرة، أنه قد أُحسِن إلينا بهذه الحالة الروحية صونًا لرسائل النور في جهادها العظيم أن تُغلَب أو يُعترَضَ عليها بسبب الطمع والمال، وإلا لَوَجَّهَ إليَّ أعدائي ضربةً كبيرةً من هذه الجهة.
ومن ذلك أيضًا أن طُوفاناتِ البشر وأعاصيرَ السياسة التي وقعتْ في السنوات الخمس أو الستِّ الأخيرة، وشغلتْ جميعَ الناس، لم تَشغلني أصلًا، بل لم تجد إليَّ سبيلًا لإثارةِ فضولي، فلم أُعِرْها التفاتًا طَوالَ خمسِ سنين؛ علمًا أن "سعيدًا القديم"
— 69 —
خاضَ غِمار السياسة ومضى في أشواطها بعيدًا، وأن "سعيدًا الجديد" محتاجٌ أشدَّ الحاجة إلى الأنصار والموالين!!
ولقد عجِبتُ من هذا الأمر أيضًا كما عَجِبَ منه مَن يعرفني، بل حِرتُ في ذلك حتى كنتُ أقول لنفسي: أَوَقَدْ جُنِنتُ حتى لم أعد ألتفت ولا أهتم بهذه الحوادث التي شَغلتِ العالَمَ بأسره؟ أم الناسُ هم مَن جُنُّوا؟!
ولقد تَحقَّق اليومَ بالإخطار المعنوي، وبالحسِّ قبل الوقوع المذكورِ آنفًا، وبانتصار رسائل النور ونَيلها الحريةَ على الملأ، أن هذه الحالة الروحية قد أُوتِيناها لإثباتِ أن حقيقةَ الإخلاص التي في رسائل النور لا يمكن أن تكون أداةً أو تابعًا لشيءٍ سوى الرضا الإلٰهي، وأنْ ليس لها نقطةُ استنادٍ سوى القرآن الكريم.
سعيد النُّورْسِيّ
٭٭٭