لاحقة أمير داغ
— 64 —
إخواني الأعزاء.. تحقَّقتْ لديَّ قناعةٌ قطعيةٌ یی بناءً على إخطارٍ معنويٍّ یی أن رسائل النور تراءتْ على نطاقٍ واسعٍ فيَّ وفي قريتنا وناحيتنا بنحوٍ عجيبٍ من الحسِّ قبل الوقوع، وذلك قبل ظهورها بأربعين سنة؛ وكنتُ أرغب أن أبوح بهذا السر لطلابي
— 65 —
القدامى أمثالِ "شفيق" وشقيقي "عبد المجيد"، وسأذكره الآن لكم، فلقد وَهَبَني الله تعالى بكم الكثيرَ من أمثال "عبد المجيد" و"عبد الرحمن".
وهو أنني حين كنت في سِنِّ العاشرة كانت لديَّ حالةٌ من الفخر الشديد، حتى إنها تكون في بعض الأحيان في صورة التَّمَدُّح، فكنتُ أتقلَّد هيئةَ مَن لهم أعمالٌ جليلةٌ وبطولاتٌ عظيمة، مع أن ذلك لم يكن برغبتي، وكنت أقول لنفسي: عَلامَ تتظاهر مُتمدِّحًا وتتباهى بالشجاعة على الأخص وأنت لا تكاد تساوي فَلْسًا؟! وكنت أظلُّ في حَيرةٍ لا أعرف سِرَّ ذلك.
وقد وَرَدَ الجوابُ عن هذه الحَيرة قبل شهرَين، وهو أن رسائل النور كانت تُشعِر بنفسِها على نحوٍ مُسبق، فإنكَ لما كنتَ مجرَّد بذرةٍ شبيهةٍ بقطعةِ حطبٍ تافهة، كان ينتابُك شعورٌ من قَبيل الحسِّ قبل الوقوع، كما لو أنك تملك حقًّا عناقيدَ الفردوس تلك، فتزهو وتفتخر.
أما قريتُنا "نُورْس" فيَعلَم أبناء المنطقة كما يَعلَم طلابي القدامى أن أهلها وَلوعون بالتمدُّح، تباهيًا وإظهارًا للتفوق في الشجاعة، فكانوا يرغبون أن يتقلَّدوا دورَ البطولة كما لو أنهم فتحوا بلادًا عظيمة، وكنتُ أحارُ من نفسي ومنهم، وقد عَلِمتُ الآن بإخطارٍ حقيقيٍّ أن أبناء هذه القرية الطيبين كانوا يَشعرون بإحساسٍ مُسبق أن قريتهم ستنال بنور رسائل النور فخرًا عظيمًا، وأن الذين لم يسمعوا بهذه الولاية ولا بهذه الناحية سيَعرفون هذه القرية ببالغ الأهمية، فكان أبناء "نُورْس" يُعبِّرون عن شكرهم على هذه النعمة الإلٰهية في صورة التمدُّح.
ومن ذلك أيضًا ما كنتُ أشعر به حين كانت عمومُ "كُردِستان" تَفخَرُ بالجَمِّ الغفير من طلاب العلم والشيوخ والعلماء الذين تخرَّجوا في غفلةٍ من الزمان على يد الشيخ "عبد الرحمن التاغي" المعروف بی"سَيْدا"، وذلك في ناحيتنا "إسباريت" التابعة لقضاء "خِيزان"، فقد كنت أشاهد بين هؤلاء من المناظرات العلمية، والهِمم العالية، والميادين الرحبة للعلم والطريقة، ما يُشعِرني بشعورٍ غامرٍ كأن هؤلاء العلماء سيفتحون الأرض كلَّها.
— 66 —
وكنتُ أستمع إليهم یی وأنا لم أتجاوز العاشرةَ بعدُ یی يتحدثون عن الأعلام السابقين من العلماء والأولياء والأئمة والأقطاب، فيَخطُر على قلبي كما لو أن هؤلاء الطَّلَبة والعلماء قاموا بفتوحاتٍ عظيمةٍ في ميادين العلم والدين؛ وكانوا إذا وُجد بينهم طالبٌ يتمتع بمزيدِ ذكاءٍ أو نبوغٍ أَوْلَوه اهتمامًا كبيرًا، وإذا غَلَب أحدُهم في مناظرةٍ في مسألةٍ افتخروا به افتخارًا كثيرًا، فكنتُ أَعجَبُ من هذا كلِّه، إذْ كانت لديَّ نفسُ المشاعر، حتى لقد كان بين شيوخ الطريقة ومَن في دائرتهم یی في ناحيتنا وقضائنا وولايتنا یی تَسابُقٌ لم أرَ ما يُشبِهه في الأماكن الأخرى.
وقد تَيَقَّنتُ یی بإخطارٍ وَرَدَ یی بأن أرواح هذا الجَمْع مِن زملائي الطلبة، ومِن أساتذتي وشيوخي ومُرشِدِيَّ قد شعرتْ بِحِسٍّ قبل الوقوع ودون أن يدري العقل، أن نورًا ساطعًا سيَظهر من بين هؤلاء الطلبة وتلاميذِ الشيوخ ومريدي المرشدين في زمنٍ هو أحوجُ ما يكون إلى النور، فيُسارعُ لنجدةِ أهل الإيمان وإغاثتهم.
وإنَّ ما تَحَقَّق لرسائل النور خلفَ الحجاب من انتصارٍ فائق، وتنويرٍ خارق، ونَيلٍ للحرية برغم أنف أعدائها، مع ما عانتْ من ظروفٍ وأوضاعٍ بالغةِ الصعوبة، وما لاقتْ من معارضين لا يُحصَون، وما واجهتْ من ضلالةٍ عاتيةٍ متراكمةٍ من ألف سنة، وما أحاط بها من دسائسِ أعدائنا المتوجسين الحاقدين، وما تعرَّضتْ له من تدقيقاتٍ مطوَّلةٍ في محكمتَين صارمتَين، إنما يُظهِر أن هذه النعمة المستقبلية كانت لائقةً بموقعها، وأنه مثلما أَخبر عنها قبلَ وقوعها الإمامُ عليٌّ رضي الله عنه والغوثُ الأعظم قُدِّسَ سِرُّه، فقد أَحسَّ معي بقدومها أهلُ قريتي وناحيتي وولايتي، وسُرُّوا بها دون أن يدركوا ماهيتَها.
(حاشية): نعم، مع أن تَرجُمان رسائل النور رجلٌ فقيرٌ بسيط، ومن عائلةٍ متواضعةٍ لا شأن لها، إلا أن استغناءَه فوق العادة، وامتناعَه عن قبول الهدايا والصدقات، ورَفْضَه الخضوعَ والتنزُّل لأحدٍ مراعاةً لعزةٍ علميةٍ لا مثيل لها، ودخولَه في أعمالٍ تَفوق حدَّ المرء بألف درجة، ونحوِ هذا من أحواله التي وردتْ في سيرة حياته، إنما برزَتْ عن هذا السِّرِّ المذكور.
— 67 —
لقد بُحْتُ لكم بهذا السرِّ لأني أَعُدُّكم بمثابة طلابي وأصدقائي القدامى، وبمثابة أخي "عبد المجيد" وابن أخي "عبد الرحمن"؛ نعم، فكما أُحِسُّ بالمطر قبل قدومه بأربعٍ وعشرين ساعةً، وذلك بحساسيتي وتأثيرِ الرطوبة في أعصابي، فكذلك شعرتُ أنا وأهلُ قريتي وناحيتي بغيثِ الرحمة الذي في رسائل النور.. شعرنا به بِحِسٍّ مُسبقٍ قبل أربعٍ وأربعين سنة.
نُبلِّغ سلامنا لعموم إخواننا وأخواتنا وندعو لهم، ونرجو دعاءهم.
٭٭٭