— 286 —
باسمه سبحانه
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
وصلَتْ لأستاذنا رسالةٌ من أحد كبار المسؤولين يقول فيها: إن قياديِّين في الحزب الحاكم السابق یی حزب الشعب الجمهوري یی أوعزوا إلى رجال الحزب من ذوي النفوذ في مفاصل الدولة للعمل على منع نشر كتاب "سيرة مؤلف رسائل النور"، وأغرَوْهم بتقديم امتيازاتٍ خاصةٍ لتحقيق هذا الغرض؛ وقد أجاب الأستاذ عن هذا بما مُفاده:
أولًا: إن أهمَّ أجزاء هذا الكتاب قد سبق نشرُها عدّةَ مرات، منها ما نشَرَتْه مجلّة "سبيل الرشاد" ثلاثَ مرات، ومنها ما نُشِر أربعَ مراتٍ بالحرف العربي واللاتيني قبل نحو أربعين سنة، فضلًا عن أن بعض "الدفاعات" التي تضمَّنتْها هذه السِّيرة قد سبق أن طُبِعت بإذنٍ رسميٍّ وتُليَت في المحاكم، وقد أُضِيفَ مؤخَّرًا بعضُ الرسائل والمقالات التي كتبها علماءُ أفاضلُ من خارج البلاد على سبيل التعريف والشكر والتقدير، وعليه فلا يُوجَد سببٌ يُسَوِّغ للمحكمة التعرُّضَ بالمنع لشيءٍ ممّا سبق.
ثانيًا: لقد انتشرت رسائل النور انتشارًا ذاتيًّا عجيبًا في العالَم الإسلاميِّ رغمَ ضغوط رجال السياسة خلال الأربعين أو الخمسين سنةً الخالية، فكيف تُمنَع ولها اليومَ ملايينُ الناشرين؟! ألا إنه لَيَعجِز عن مَنْعِها لا رجالُ الحزب السابق فحَسْبُ، بل العالَمُ بأسره، بل ينقلب عملُهم هذا دعايةً لها، فلا يَحزن طلابُ النور لهذا.
ثالثًا: لقد سامحتُ الحزبَ السابق عن كلِّ مَظلَمةٍ وجَّهها إليَّ، فضلًا عن أن رسائل النور قد أسدَتْ خدمةً كبيرةً للأمن والاستقرار في الأناضول والولايات الشرقية، إذ أقامت في قلبِ كلِّ امرئٍ رقيبًا هو بمثابة شرطيٍّ معنويّ، ورسَّخت العمل بالدستور القرآني القائل: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، والذي بمقتضاه لا يجوز ولا يَصِحُّ إنِ ارتكب أحدٌ جريرةً أن يُلقَى بالمسؤوليةِ على غيره أو حزبه أو أهله وأقربائه.
— 287 —
وبناءً على هذه القاعدة فإن رسائل النور تَمنع من تضخيمِ خطأٍ ارتكبه بضعةُ أشخاصٍ من رجال الحزب السابق، فهي لا تسمحُ بإحالةِ الخطأ الذي ارتكبه خمسةٌ بالمئة على الخمسة والتسعين الباقين، ولا تَسمحُ بتضخيم الخطأ ذاته والتهويل من شأنه أضعافًا مضاعفة؛ وانطلاقًا من هذا فالأَولى برجال الحزب السابق أن يكونوا مُمتنِّين لرسائل النور بمثل رجال الحزب الحاكم الحاليّ، إذ لولا تعليمُها هذا الدرسَ المُستقَى من الدستور القرآني، لكان آلافُ الأشخاص مُدانين اليومَ بجريرةٍ ارتكبها بضعةُ أشخاص.
رابعًا: لقد تبيَّن بشكلٍ قاطعٍ أن رسائل النور معجزةٌ معنويةٌ للقرآن الحكيم، تَحفظ أبناءَ هذا الوطن وغيرَهم من أبناء العالَم الإسلاميّ وتَقِيهم شرورَ الكفر المُطلَق القادم من الخارج، لدرجة أنه لم يَنجح أحدٌ من الفلاسفة المُلحِدين في مواجهتها والردِّ عليها؛ وقد بلغَنا خبَرٌ يقينيٌّ عن اجتماعٍ حاشدٍ جرى في إحدى بلدان العالَم الإسلامي، وحضره مليونُ شابٍّ، أعلنوا فيه أن رسائل النور ستكون هي من يحقِّق السِّلْمَ العالَميَّ، وبلغَنا كذلك أن بعض البلاد الأجنبية التي تؤيِّد السلامَ العالَمي شرعت بترجمة رسائل النور.
خامسًا: إذا أساء بعضُ المسؤولين تفسيرَ بعضِ القوانين الجديدة ليمنعوا نشر الكتاب بذريعةِ سطرٍ أو سطرين منه، فقولوا لهم نيابةً عني: أيجوز أن يعاقَبُ أو يُسجَن بجريرةِ شخصٍ واحدٍ عشرون ألفًا من أهله وجيرانه؟ وهل في العالَم كلِّه قانونٌ يقضي بهذا؟!
فكذلك الأمر في كتابٍ مؤلَّفٍ من خمس مئة صحيفة، في كلِّ صحيفة عشرون سطرًا، ووَرَد في سطرٍ منه كلامٌ لاذعٌ بحقِّ شخصٍ ما.. فما دام لم يُذكَر اسمُه فلا مسؤولية تترتَّب على ذلك، وحتى لو ذُكِر اسمُه، فإنه يُحذَف إن عمِلْنا بمبدأ الرقابة على المطبوعات؛ أما أن يُصادَر الكتاب ويُمنَعَ فذلك جَوْرٌ وخروجٌ على القانون لم يُسمَع بمثله، وهو أشبهُ بسَجن عشرةِ آلاف شخصٍ بجريرةِ شخصٍ واحد؛ وفضلًا عن هذا فإن للعشرين ألفَ سطرٍ المُتبقِّيةِ عشرين ألفَ حسنةٍ، إذِ استطاعت حتى يومنا هذا
— 288 —
أن تقوِّي إيمانَ عشرين ألفَ رجل، وحريٌّ بهذه العشرين ألفَ حسنةٍ أن تمحو تلك السيئة الواحدة.
ولولا أني أُعاني من شدّة المرض لتكلَّمتُ أكثر، ويمكنكم یی أنتم الذين تتولَّون القيامَ على شؤوني یی أن تُجروا التصحيحاتِ والتعديلات المناسبةَ إن رأيتم ذلك.
لقد كان المفترَضُ برجال الشرطة أن يكونوا أكثرَ الناس نُصرةً وتأييدًا لرسائل النور، إذ إنها بإرسائها الأمنَ والاستقرارَ أسدَتْ خدمةً جليلةً، وأدَّتْ وظيفةَ الشرطة المعنوية، إلا أنَّ تكليف رجال الشرطة اليوم بمُهِمّة التحرِّي والملاحقة للرسائل وخِدمتها أمرٌ يُنافي وظيفتَهم من جهة، ويُثير استياءنا من جهةٍ أخرى..
على أيةِ حالٍ بلِّغوهم أنني قد سامحتُهم.
سادسًا: كنا نرجو الفرَجَ والقُربة في ليلة المعراج وفي هذه الشهور الثلاثة المباركة، فإذا بخبر ملاحقة الكتاب ومنعِه يعكِّر صفوَنا بكلِّ أسف.
وإننا یی عملًا بالحديث الصحيح الوارد بأن الصدقة تدفع البلاء یی نَعُدُّ رسائلَ النور صدقةً تدفع البلاء عن بلاد الأناضول، وثمّة وقائعُ كثيرةٌ تُشير إلى هذا المعنى، إذ كلَّما صدر قرارٌ ببراءتها ورَفْعِ الحظر عنها رُفِع البلاء، وكلما هوجِمت حلَّت مصائبٌ كثيرةٌ، ومن ذلك ما حصل في السابق من زلزالٍ وعواصفَ شديدة، وقد وقع في أثناء ملاحقتها والتعرُّض لها هذه المرّةَ بردٌ شديدٌ غيرُ مسبوقٍ بلغ درجةَ ثمانَ عشْرةَ تحتَ الصِّفر.
لم يستطع الأستاذُ إكمالَ حديثه لشِدّة مرضه، فقال للقائم على خدمته: بلِّغ هذه المعلومات لبعض الإخوة والمسؤولين لئلّا يقلقوا بهذا الخصوص.
وكتبه: القائم على خدمة الأستاذ في مرضه
نعم، ما كَتَبه صحيح
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭