— 284 —
باسمه سبحانه
أحدُ أهمِّ الدوافعِ وراءَ قدومي إلى "أنقرة" مجدَّدًا هو لقاء وزير الداخلية "نامق گديك" الساعي بجِدٍّ لنُصرة الإسلام، وكذا لقاءُ بطل الإسلام "عدنان مَنْدَرِس"، وشخصياتٍ رفيعةٍ أخرى أمثال "توفيق إيلَري"، ولأجل أن أُبيِّن لهم الحقيقةَ التالية:
فمثلَما مَنح الأذانُ المحمديُّ الديمقراطيِّين قوّةً، وزاد الكثيرَ من أنصارهم السماحُ بانتشار رسائل النور، يتوجَّب عليهم كذلك إزالةُ المُخَلَّفات في جامع "آياصوفيا"، وإعادته مكانًا للعبادة من جديد، كي يَبعَثُوا السعادةَ والسرورَ في نفوس العالم الإسلامي، بل حتى في نفوس بعض الدُّوَل المسيحية.
ومع أنَّني هجرتُ السِّياسةَ منذ ثلاثين عامًا، إلا أنِّي رغبت اليومَ بلقاء "نامق گديك" لأجل هذه القضيّة، وقدِمتُ لهذا الغرض إلى "أنقرة"، تقديرًا لإخوةٍ أفاضلَ أمثال: السيِّد عدنان، ونامق گديك، وتوفيق إيلَري، ولم أقصد أيَّ مكانٍ آخرَ.
لقد حافظَتْ رسائل النور یی من خلال دستور القرآنِ الأساسي یی على الأمن والاستقرار في الأناضول والولايات الشرقية، وتكفَّلت خمسُ مئة ألفِ نُسخةٍ من رسائل النور بإسكات الشيوعية وإفحامها.. ومما يدلُّ على دورِها في الحفاظ على الأمن والاستقرار: أنَّ مدَّعيَ عام "أفيون" زعم قبلَ عشَرةِ أعوامٍ ونيِّفٍ أنَّ وجودَ قرابةَ ستِّ مئة ألفِ طالبٍ فدائيٍّ وفِيٍّ لدى بديع الزمان، وخمسِ مئة ألفِ نسخةٍ من رسائل النور منتشرةٍ في شتَّى الأنحاء، يُمكِن أن يُشكِّلَ مصدرَ تهديدٍ وإخلالٍ بالأمن والاستقرار.
فردَّ عليه سعيدٌ حينَها بالقول: مع أنَّ لديَّ ستَّ مئةِ ألفِ طالبٍ فدائيٍّ وفِيٍّ، ورغم أنِّي تعرَّضتُ وأتعرَّض منذ خمسَ عشْرةَ سنةً لكلِّ أنواع الظلم والاضطهاد، إلا أنَّ أيَّ شرطة أو محكمة لم تتمكَّن من تسجيلِ واقعةٍ واحدةٍ ضدَّنا!
كما خاطبتُ المُدَّعيَ العامَّ قائلًا: إن لم تكن رسائلُ النور قد خدَمَت الأمن وحقَّقت الاستقرارَ بقدر ما يُؤدِّيه ألفُ مدَّعٍ عامٍّ وألفُ مديرٍ للأمنِ، فلْيَقْهَرْني اللهُ
— 285 —
تعالى، ولتُنزِلُوا بي العقوبةَ التي تشاؤُون.. فلم يستطع حِيالَ كلامي هذا أن يَنبِسَ ببنتِ شَفة.
وثمّة حادثةٌ صغيرةٌ وقَعَت بعد عامٍ أو عامين، إذ تَوَهَّم أحدُ طلاب النُّور الصغارِ احتمالَ وقوعِ ضررٍ على رسائل النور بسبب رسالةٍ صغيرةٍ طبَعَها بنفسه؛ فجعل يُحدِّث نفسَه بالانتحار، غيرَ أنَّ أستاذه منعه، ومرَّت الأمورُ بسلامٍ.
والحقيقةُ أنَّه لو كان لأستاذٍ عشَرةُ طلابٍ مُضحِّين أوفياءَ، وكان بينهم مَن ضُرِب لأنه سَلَّم عليه، ومَن أُهِينَ لأنه قبَّل يدَه، لَآثروا جميعًا بذلك السُّكوتَ لئلّا يُضِرُّوا بالأمن والاستقرار، فهم الذين سَمِعُوا سعيدًا يقول: "لو كان لي مئةُ رُوحٍ لَضَحَّيتُ بها من أجل الأمن والاستقرار".
وفضلًا عمّا تؤدِّيه رسائلُ النور من خِدمة إيمانية، فهي تسعى لتثبيت ركائز الأمن والاستقرار، وتُودعُ في قلب كلِّ فردٍ رقيبًا معنويًّا يَحجُزه عن ارتكاب المساوئ، حتى لا يَلحق الضررُ تسعين بريئًا بجريرةِ خمسةِ جُناة، وكيلا يُقاسيَ الظُّلمَ عشَرةُ أبرياءَ مع آبائهم وأبنائهم وسائر عوائلهم جرّاءَ جنايةِ مجرمٍ واحد، وذلك عملًا بالدستور القرآني الأساس: وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى
وأما عن نفسي: فلو كان لي ألفُ روحٍ لضحَّيتُ بها في سبيل تطبيق هذا الدستور القرآني، ويَشهَد لذلك كتاب "السِّيرة"، وهو الآن تحت نظر الجميع وفي متناول أيديهم، وقد أقرَّت بذلك حتى المحاكم.
بل لقد اعتبرتُ الخُروج أمامَ أنظار الناس أحدَ مظاهر الرِّياء والأنانية والتسويق للذات، فلأجل ذلك تركتُ مجالسةَ الناس وتجنَّبتُ لقاءَهم، بل لقد بُحَّ صوتي یی برحمة وإحسانٍ إلٰهيٍّ یی لئلّا أُضطَرَّ للقاء أصحابِي، وكيلا تنكسِرَ خواطرُهم.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
٭٭٭