لاحقة أمير داغ
— 279 —
باسمه سبحانه
أودُّ إعلانَ وصيَّتي هذه لجميع أصحابي وإخواني النوريِّين:
على الصعيد الشخصيِّ لم يَعُد بمقدوري أداءُ الخدمة النُّورية، ولعلَّه لم تَبْقَ حاجةٌ إليَّ أيضًا، فلقد تعرَّضتُ لحالات تسميمٍ عديدة، فضلًا عن شَيبتي وشيخوختي والأمراضِ الكثيرةِ التي تنتابُني، فلم تَعُد لي طاقةٌ للبقاء على قيد الحياة طويلًا، وبتُّ أترقَّبُ الأجلَ وأتشوَّق إليه بشدّة؛ ولهذا فإنني أكتُب وصيَّتي هذه باعتباري ميتًا في ظاهر حياتي.
أحمَدُ خالقي الرحمٰن الرحيم حَمْدًا لا نهايةَ له أنْ مَنَّ على "سعيدٍ القديم" قبل ستِّين أو سبعين عامًا بعدم الافتقارِ إلى أحد، أو طلبِ عونٍ أو مساعدة في تحصيل العلم، وبخاصة العلمَ الإيماني؛ بل كان يَحرِصُ في صباه وشبابه یی مع افتقاره یی على تقديم مخصَّصاتِ طلابه بنفسه، وارتضى في مرحلةٍ وجيزةٍ سابقة تسلُّمَ خمسة مخصصات فقط، غيرَ أنه بعد ذلك كان يسعى لكفاية جميع طلابه بنفسه، وقد بلغ تَعدادُهم في بعض الأحيان عشرين أو ثلاثين طالبًا، فلم يُضطَرَّ أحدًا من أولئك الطلاب لجعل العلم وسيلةً للتكسُّب، بل وُفِّقوا في تغطية نفقاتهم كذلك بالاعتماد على الاقتصاد والقناعة.
وها قد بدأت رسائل النور في الوقت الحالي تغطِّي بنفسها نفقاتِ طلابها الحقيقيِّين على أتمِّ وجه، مثلَما كان يفعل "سعيدٌ القديم" في الماضي، وذلك من خلال نشرها وانتشارها، فلِلَّه الحمدُ بغير حدٍّ، هو أرحم الراحمين.
وإن عائدات رسائل النور تُغطِّي مصاريف خمسين أو ستين من خواصِّ طلاب النور تغطيةً تامة دون أن تدعَ لهم حاجةً إلى أحدٍ، وخاصة أولئك الذين ليس بمقدورهم تغطيةُ نفقاتهم، وذلك من خلال نسبةِ واحدٍ بالخمسة من ثمن النُّسَخ التي تُباع؛ وليس لسعيدٍ المسكين حقٌّ في رأس مالها كيلا يَفسُد الإخلاصُ العظيم.
إن هذه الخاصِّية القَيِّمة لرسائل النور، وكمالَ وفاءِ الشخصِ المعنويِّ لتلامذتِها، قد أصبحا وسيلةً لعيد النُّور المعنوي المبارك هذا.
— 280 —
وإنني أُفوِّض اليومَ أربعةً أو خمسةً من طُلّابي الملازمين لي والقائمين على رعايتي بوكالةٍ عامّةٍ مطلَقة، ليس لكونهم أرفعَ مكانةً من سائر الطلاب، بل لأنهم يعرفون أسلوبَ عملي وطبيعةَ خدمتي للأنوار، وشاهَدوا ذلك عن كَثَب؛ وذلك بهدف قيامهم یی بناءً على معرفتهم تلك یی بأداء واجب الخدمة أداءً تامًّا إن أنا فارقتُ الحياة، أو فقدتُ فيها الإدراكَ والإحساس.. فأُفوِّض كلًّا من "طاهري" و"صونغُر" و"جَيلان" "وحسني" وواحدًا أو اثنين آخرَين بوكالةٍ عامّة.
وأمّا الرَّيعُ المُتحصِّلُ من بيعِ نُسَخِ رسائل النور فهو حقُّها وملكها، وما سعيدٌ سوى خادمٍ من خُدّامِها، لكن يُمكنُه قبضُ نفقته منها ما بقي حيًّا.
ومع تزايد شعوري هذه الأيامَ باقتراب أجلي كنتُ قد عزمتُ أن أَصرِفَ مُخصَّصاتِ خمسين أو ستِّين تلميذًا في سِتّة ولاياتٍ من خزينة النور لمدّة سنتين أو ثلاثٍ، لكن خشيتُ أن تَحُولَ بعضُ الموانع دون متابعةِ بعضهم لأمر الخدمة كطلّابٍ للنور، فأعرضتُ عن الأمر، وقمتُ بدلَ ذلك بكتابة هذه الوصيّة.
سعيدٌ النُّورْسِيّ
حاشية: يقول الغوث الأعظم "عبد القادر الگيلاني" في إحدى فِقْراتِه: "تعيش سعيدًا"، وذلك أثناء إشارته بكرامةٍ غيبيةٍ إلى رسائل النور ومؤلِّفها؛ أي: يُخبر بأن مؤلِّفها سيقضي حياته مكفيًّا في معيشته وحاجاته، مسرورًا في حياته.. لكن كنّا نجدُ فقرَ حال أستاذنا واستغناءَه عن الناس حتى يومنا هذا مُخالِفًا لهذا الإخبار ظاهرًا؛ أما اليوم فقد ظهر لنا إخبارُ الغوث الأعظم في حياة أستاذنا بشكل جليٍّ وفعليّ، وذلك أنه مذ كان صغيرًا في العاشرة من عمره لم يدخل تحت مِنّة أحد، ولم يتناول حتى "حساء" عمِّه، وكان يغطي بنفسه نفقات طلابه القدامى الذين يدرِّسهم.. وقيامُه اليوم بتغطية مخصَّصات خمسين أو ستِّين طالبًا من طلابه يُظهِر ذلك الإخبار بجَلاء ويحقِّقه.. "طاهري، صونغُر، جيلان".
٭٭٭