— 274 —
نَوَدُّ بيانَ حقيقةٍ مُهِمّةٍ ليَطَّلعَ عليها الأصدقاءُ والشخصياتُ الرسمية..
كان أستاذنا في شبابه یی بل حتى وهو صغيرُ السِّنِّ یی يُظهِرُ استغناءً شديدًا عن الناس، حفاظًا على العِزّة العلمية، فمثلَما كان يرفضُ قبولَ الزكوات والصدقات بشكلٍ قطعيٍّ، كذلك كان يأبى قبولَ الهدايا كما وُضِّح ذلك في "المكتوب الثاني"، وتعزيزًا لموقفه هذا في حال كِبَره حيث الشيخوخةُ والضَّعف، حوَّل الحقُّ سبحانه بعميمِ رحمته الأمرَ من "دستور استغناء" إلى "حالةٍ مَرَضيّة"، فبمجرَّد تناوُله لقمةَ طعامٍ بغير مقابل يمرض مباشرةً، ولا يستطيع إساغةَ هذه اللقمة.
ولم يكن أستاذنا في شبابه شديدَ الفاقة، فحين كان يعيشُ وحده كانت تكفيه حفنةٌ من المال؛ وأما في الوقت الحالي فرغم معاناته من المرض العضال وكثرة المتطلَّبات، ما زال يغطِّي نفقاتِ الكثير من طلابه، صونًا لدستور الاستغناء المُتمثِّل بعدم قبوله الهدايا دون مقابل؛ بل إنه يَعُدُّ الاحترامَ هديةً معنوية، لذا تجده لا يرتضي تقبيلَ يده ومزيدَ احترام الناس له.
وبشهادة "سيرة حياته" و"لمعة الشيوخ"، فإنه قد دخل في صباه في "سِيْرْت" وقصَبة "تِلُّو" خلوةً فاقت خلوةَ نُظرائه.. وخلا بنفسه في ضريح الشيخ "أحمد الخاني" في ولاية "أغري"..
وحين وقع أسيرًا في "روسيا" كان معه حوالي (٩٠) ضابطًا يتلقَّون منه الدروس ويُنصتون إليه بلهفة وشوق، إلا أنه لمّا عثر على مكان خالٍ في "جامع التتار" القريب من معسكر الأسر، انزوى فيه وخلا بنفسه.. ويومَ كان عضوًا في "دار الحكمة" بی"إسطنبول" يعيش حياةً يُغبَط عليها، اختار العزلةَ بنفسه في تلّة "يوشع".. وحين عاد إلى "وان" لم يرغب أن يحيا حياةَ سعادةٍ بين طلابه القدامى والجُدُد، فاختلى بنفسه في مغارة على جبل "أراك".
وحين اقتيد إلى السجون یی بعد هذه المرحلة یی مُورِس بحقِّه ظلمٌ شديدٌ دام ثلاثين عامًا، حيث وُضع أحيانًا في التجريد عشرين شهرًا رغمَ أن مدّة التوقيف في
— 275 —
السِّجن الانفراديِّ الرَّسميِّ خمسةَ عشَرَ يومًا، بل لقد أمضى في بعض السجون مدّةَ حُكمِه كلَّها في زنزانة منفردة! ورغم ذلك كلِّه لم تَصدر منه أيَّةُ شكوَى لأيِّ أحد.
يتَّضحُ لنا من جميع هذه المواقف أن سياسة العزلة والانزواء كانت السِّمةَ العامّةَ والحاكمة في فطرة أستاذنا، ومع شيخوخته وتقدُّمه في السِّنِّ ممّا يجعله بأمسِّ الحاجة لمن يساعدُه ويُجالسُه ويقوم على خدمته، أُحسِن إليه بهذا المرض، حفاظًا على دستوره هذا.
فإذا تحدَّث لمدة خمس دقائق ارتفعت حرارتُه على الفور، بل حتى في قراءته الفاتحةَ في الصلاة بالقدر الذي يُسمِع به نفسَه على مقتضى مذهبِ الشافعية، ما اضطَرَّه أن يُؤدِّيَ صلاته على مذهب الحنفية؛ وثمّة تقريران طبِّيّانِ بهذا الخصوص يمكن الاطِّلاعُ عليهما.
وكان هذا كلُّه في زمنٍ تحقَّقت فيه لرسائل النور فتوحاتٌ عظيمة، وتلقّاها العالمُ الإسلاميُّ بقَبول حسنٍ، وفي زمن انقلب فيه الأعداءُ أصحابًا، فوُهب استيحاشًا عظيمًا من الناس، وبُحَّ صوتُه وتعذَّر عليه التحدُّث لأحد، وصار يرفضُ تقبيلَ يدِه من أحدٍ، بل صار يَعُدُّه بمثابة توجيهِ صفعةٍ له؛ كل ذلك لأجل أن يحافظ على الإخلاص في خدمة رسائل النور، وكيلا تكون غرضًا لأيِّ مقامٍ دُنيويٍّ أو أخرويٍّ سوى مرضاةِ الله وحدَه.. ومع حالته هذه التي وَصَفْنا أَيقَنّا بصورةٍ قطعيةٍ أن الأمر ما هو إلّا اصطفاءٌ ربانِيّ، حتى إنه أعلن صَفْحَه عن الشخص الذي تسبَّب بظهور هذه الحقائق.
حاشية: سَأَلْنا أستاذَنا: لماذا لا تُقابل الناسَ بعد أن اتَّسعَت رقعةُ انتشار رسائل النور، ومُنيَ أعداؤُها بالهزيمة، وانقلبوا أصدقاء؟ فأجابنا: إن الذين يرغبون بلقائي إمّا أصحابٌ أو معارضون؛ فإن كانوا أصحابًا فإن مئاتِ آلافِ نُسَخ رسائل النور تتحدَّث نيابةً عني، ولا تدعُ الحاجة لي بأي شكل من الأشكال.
وإن كانوا مُعارِضين فإن الكثيرَ من المحاكم ولجان الخبراء قد دقَّقتْ في رسائل النور وحقَّقتْ مع طلابها على مدى الثلاثين عامًا السالفة، إلّا أنها لم تَقِف على أيِّ
— 276 —
تُهمة لا في رسائل النور ولا في طُلّابها، وهو الذي أقرَّت به أربعٌ وعشرون محكمةً، وأصدرت أربعُ محاكمَ قراراتٍ قطعيةً ببراءة رسائل النور، ونالَت قراراتُهم هذه صفةَ القضية المُحكَمة، وأُعيدَت جميعُ الكتب والرسائل إلى أصحابها.. فهذه المحاكم تُجيبُ جوابًا قطعيًّا على المُعارِضين نيابةً عني، ولا تدَعُ حاجةً إليَّ.
وأمّا من رغب بلقاءِ شخصي، فإن جميع طُلّاب النور بمثابة وكلاءَ لی"سعيدٍ" المسكينِ هذا، ولديه كذلك وُكَلاءُ من المُحامين في "أنقرة" و"إسطنبول" يمكن لقاؤهم والتحدُّثُ إليهم.
القائمون على أعماله الضرورية
لشدة مرضه وشيخوخته
٭٭٭