— 272 —
باسمه سبحانه
إخواني الأعزّاءَ الأوفياءَ المخلصين المضحِّين، وأصحابي الحقيقيِّين الجادِّين الثابتين في الخدمة القرآنية..
أودُّ أن أُحدِّثكم عن حالةٍ مُهِمّةٍ عرَضَتْ لي، ومرضٍ شديدٍ عانَيتُ بسببه اضطرابًا شديدًا، إلّا أن العناية الإلٰهية حوَّلَتْه مرضًا ظاهريًّا حَمَل في ثناياه رحمةً عظيمة، فغدا مُعْلِمًا لي باستراحةٍ معنوية، ومُؤْذِنًا بانتهاء وظيفتي؛ وليس حديثي هذا إليكم من باب التشكِّي، وإنما هو من باب إظهار الشكر، ورجائي منكم فقط أن تَدْعُوا لي بالتحمُّل والتصبُّر.
وتلكم الحالة هي: أنني حينما أشرعُ في الكلام تأخُذ حرارتي في الارتفاع فورًا، كأنها مانعٌ معنويٌّ لي من الحديث، حتى أُضطرُّ لشرب الماء عشرين أو ثلاثين مرة في اليوم رغم إقلالي من الطعام، في حين كنت أحتاج شُربَه في الماضي مرّةً أو مرَّتَين؛ وقد اشتدَّ عليَّ المرضُ قبل يومين حتى اعتقدتُ أنِّي أُصبتُ بالتسمُّم، وأَعلمتُ مَن حولي من إخواني بالأمر بناءً على هواجسَ كبيرة، وتضرَّعتُ إلى الله برحمته وببالغ الرجاء أن يُلهمني الاحتمالَ والاصطبار إزاءَ هذا المرض الشديد، فورد على قلبي فجأةً:
مثلما شاهدتَ جَلَواتِ العناية والرحمة في المِحن التي عانيتَ منها في الماضي، ستجِدُ جَلوةَ الرحمة في هذا المرض أيضًا، فإن سعيَ المُلحِدين وشياطينِ الجنِّ والإنس لتسميمك وإسكاتك أضحى بلُطف الرحمة الإلٰهية سبيلًا لإتمام مُهِمَّتك واستراحتك.
كنتُ قد شرعتُ في العام الماضي بتدريس "تفسير إشارات الإعجاز" و"المثنوي العربي النُّوريّ" على مدى عام كامل، فحاول شياطينُ الإنس والجنِّ من أعدائي العاملين في الخفاء إسكاتي بمكائدهم الواسعة، فكان أن أحسَنَتِ الرحمةُ الإلٰهيةُ إليَّ هذين الكتابين مُترجمة إلى اللغة التركية؛ ولمّا كانت رسائلُ النور بالجملة تؤدِّي دُرُوسَها بنفسها، فلا تدع حاجةً لمُدرِّسين يشرحونها، انقلب هذا المرض لطفًا وإحسانًا إلٰهيًّا ومصدرَ استراحةٍ لي من وظيفة التدريس، وتهنئةً على ما قدَّمتُ في الماضي.
— 273 —
كما ورد إلى روحي بأن ثمّة آلافًا بل مئاتِ الآلافِ من النماذج المُصغَّرة لی"سعيد"، يُدرِّسون ويتحدَّثون نيابةً عنك، وأنَّ من الإحسان الإلٰهيِّ لرسالة النُّور أنَّ شرحها وتوضيحَها لا يستدعي كلفةً ومشقّةً، كما هي حالُ سائر العلوم الأخرى.
وإن عبارة الغوث الگيلاني على سبيل الكرامة: "فإنك محروسٌ بعين العناية"، ظَهرَت لديَّ مجدَّدًا عينَ حقيقة، كما حصل في الزمن الماضي وفي أحلك الظروف.
وحرصًا على سلامة الإخلاص أن يُداخله الفساد، وبتحوُّل الأعداء اليومَ إلى أصدقاء، فإن المجالسة والتحدُّث ربما كانا وسيلتين لجني ثمرات لذيذة فانيةٍ في الدنيا باستخدام الخِدمات الأخروية، ولا ينبغي للإخلاص التامّ أن يُتَّخذ وسيلةً لأي غرض.. لذا أفتى القدَرُ الإلٰهيُّ عبر هذه الحالة بتحويل هذه المحنة العصيبة لصالحي لا ضدي، وسمح بوقوعها إيذانًا بعدم التدخُّل في الشؤون الإلٰهية.
إنَّني أُوكِّل مَن حولي ممَّن ارتضَيتُهم في وصيَّتي أبناءً لي، وإنني أقبلُ كل مَن تواصل معهم وأعُدُّه متحدِّثًا معي بشكل مباشر.
الباقي هو الباقي
أخوكم
سعيدٌ النُّورْسِيّ
من خلال مرض أستاذنا هذا نُدركُ أن المُلحِدين العاملين في الخفاء قد أعدُّوا دواءً وناولوه إيّاه كي يمنعوه من الحديث.. ونحن نُشاهِد بأنفسنا أيضًا امتناعَ أستاذِنا من المصافحة والمجالسة والمحادثة.
القائمون على خدمة أستاذنا
طاهري، زبير، جيلان، حسني، بَيْرم
٭٭٭